البحتري

البـحتري
821 – 897م

شاعر من العصر العباسي الثّاني، اسمه الوليد بن عبد الله، وكنيته أبو عبادة، ولقبه البُحتري نسبة إلى جدّه بحتر من قبيلة طيء.

ولد في بلدة منبج من أعمال حلب، وفيها نشأ وترعرع متلقياً علومه الأولى، آخذًا إلى البادية صفاء اللّغة وصحّة الراوية الشعريّة وملَكة البلاغة.

ترك بلده في مطلع شبابه وذهب إلى حلب حيث أحبّ علوة الحلبية المُغنيّة التي ذكرها كثيرًا في شعره. ومن حلب، اتّجه إلى حمص حيث لقي أبا تمام فتَتَلمذ عليه في الشّعر من دون أن يتأثر بنزعته إلى الفلسفة والمنطق.

لما أتقن البحتري صناعة الشِّعر، ذهب إلى العراق فكان موطن شهرته، وفيه اتّصل بالخلفاء والوزراء وعظماء القوم. وقد لازم المتوكّل وأصبح شاعر بلاطه، فأحبه كما أحبه وزيره الفتح بن خاقان، فكان ينادمهما في مجالس أنسهما. قُتِلَ المتوكّل والفتح وكان البحتري حاضرًا فرثى الخليفة في قصيدته السّينيّة المشهورة، عبّر بها عن عاطفته الجيّاشة الصّادقة.

قفل عائدًا إلى سوريا، ولكنّه حنّ إلى العراق ثانيةً، فعاد إليه واتّصل بالخلفاء، ثم رجع في آخر خلافة المعتمد إلى منبج حيث مات.

برع البحتري في المديح وفي الوصف الذي تناول فيه مواضيع تَمُتُّ إلى الحضارة، كما له وصف بدويّ. فمن وصفه الحضاريّ: “بركة المتوكّل” و”إيوان كسرى”؛ ومن وصفه البدوي: “وصف الذئب”.

تجنّب البحتري الغوص في بحر المعاني، وتحاشى الخوض في أعماق العلوم التي توصّل إليها العصر العباسي، واكتفى بمداعبة الشاطئ مداعبةً لطيفةً بأسلوبٍ طغت فيه الموسيقى اللّفظية التي برز فيها الشعراء جميعاً، وامتلك ديباجةً عُرِفَت بإسمه، حتى قيل فيه: “أراد أن يشعر فغنّى”.

وبراعة البحتري الموسيقية تتجلى في تنوّع نغماتها وُفْق طبيعة الموضوع، فتراها في وصف “البِرْكة” ناعمةً تنساب بهدوء انسياب الماء في الغدير الرّقراق؛ وتراها في وصف “الذئب” قويةً صاخبةً، وفي “إيوان كسرى” تجدها أقرب إلى النغم الهامس.

وجاء في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: هو الوليد بن عبيد الله بن يحيى بن عبيد بن شملال بن جابر بن سلمة بن مسهر بن الحارث بن خيثم ابن أبي حارثة بن جدي بن تدول بن بحتر بن عتود بن عثمة بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طيئ بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

شاعريته وندرة هجائه: ويكنى أبا عبادة، شاعر فاضل فصيح حسن المذهب، نقي الكلام، مطبوع، كان مشايخنا رحمة الله عليهم يختمون به الشعراء، وله تصرف حسن فاضل نقي في ضروف الشعر، سوى الهجاء، فإن بضاعته فيه نزرة، وجيده منه قليل. وكان ابنه أبو الغوث يزعم أن السبب في قلة بضاعته في هذا الفن أنه لما حضره الموت دعابه، وقال له: اجمع كل شيء قلته في الهجاء. ففعل، فأمره بإحراقه، ثم قال له: يا بني، هذا شيء قلتُه في وقت، فشفيت به غيظي، وكافأت به قبيحاً فعل بي، وقد انقضى أربي في ذلك، وإن بقي روي، وللناس أعقاب يورثونهم العداء والمودة، وأخشى أن يعود عليك من هذا شيء في نفسك أو معاشك لا فائدة لك ولي فه، قال: فعلمت أنه قد نصحني وأشفق علي، فأحرقته.

أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش عن أبي الغوث.

وهذا – كما قال أبو الغوث – لا فائدة لك ولا لي فيه، لأن الذي وجدناه وبقي في أيدي الناس من هجائه أكثره ساقط، مثل قوله في ابن شيرزاد:

نفقت نفوق الحمار الذكر

 

وبان ضراطك عنا فمر

ومثل قوله في علي بن الجهم:

ولو أعطاك ربك ما تمنـى

 

لزادك منه في غلظ الأيور

علام طفقت تهجوني ملـيا

 

بما لفقت من كذب وزور

وأشباه لهذه الأبيات، ومثلها لا يشاكل طبعه، ولا تليق بمذهبه، وتنبئ بركاكتها وغثاثة ألفاظها عن قلة حظه في الهجاء، وما يعرف له هجاء جيد إلا قصيدتان إحداهما قوله في ابن أبي قماش:

مرت على عزمها ولم تقف

 

مبدية للشنان والـشـنـف

يقول فيها لابن أبي قماش:

قد كان في الواجب المحقق أن

 

تعرف ما في ضميرها النطف

بما تعاطيت في العـيوب ومـا

 

أوتيت من حكمة ومن لطـف

أما رأيت المريخ قد مازج الز

 

هرة في الجد منه والشـرف

وأخبرتك النحـوس أنـكـمـا

 

في حالتي ثابت ومنـصـرف

من أين أعملت ذا وأنت علـى

 

التقويم والزيج جد منعـكـف

أما زجرت الطير العلا أو تعي

 

فت المها أو نظرت في الكتف

رذلت في هذه الصـنـاعة أو

 

أكديت أو رمتها على الخرف

لم تخط باب الدهليز منصرفـاً

 

إلا وخلخالها مع الـشـنـف

وهي طويلة، ولم يكن مذهبي ذكرها إلا للإخبار عن مذهبه في هذا الجنس، وقصيدته في يعقوب بن الفرج النصراني، فإنها – وإن لم تكن في أسلوب هذه وطريقتها – تجري مجرى التهكم باللفظ الطيب الخبيث المعاني، وهي:

تظن شجوني لم تعتـلـج

 

وقد خلج البين من قد خلج

وكان البحتري يتشبه بأبي تمام من شعره، ويحذو مذهبه، وينحو نحوه في البديع الذي كان أبو تمام يستعمله، ويراه صاحباً وإماماً، ويقدمه على نفسه، ويقول في الفرق بينه وبينه قول منصف: إن جيد أبي تمام خير من جيده، ووسطه ورديئه خير من وسط أبي تمام ورديئه، وكذا حكم هو على نفسه.

هو وأبو تمام: أخبرني محمد بن يحيى الصولي: قال: حدثني الحسين بن علي الياقظاني: قال: قلت للبحتري: أيما أشعر أنت أو أبو تمام؟ فقال: جيده خير من جيدي، ورديئي خير من رديئه.

حدثني محمد بن يحيى قال: حدثني أبو الغوث يحيى بن البحتري: قال: كان أبي يكنى أبا الحسن، وأبا عبادة، فأشير علي في أيام المتوكل بأن أقتصر على أبي عبادة، فإنها أشهر، فاقتصرت عليها.

حدثني محمد قال: سمعت عبد الله بن الحسين بن سعد يقول للبحتري – وقد اجتمعنا في دار عبد الله بالخلد، وعنده المبرّد في سنة ست وسبعين ومائتين، وقد أنشد البحتري شعراً لنفسه قد كان أبو تمام قال في مثله – : أنت والله أشعر من أبي تمام في هذا الشعر، قال: كلا والله، إن أبا تمام للرئيس والأستاذ، والله ما أكلت الخبر إلا به، فقال له المبرد: لله درك يا أبا الحسن، فإنك تأبى إلا شرفاً من جميع جوانبك.

حدثني محمد: قال: حدثني الحسين بن إسحاق: قال: قلت للبحتري: إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام، فقال: والله ما ينفعني هذا القول، ولا يضر أبا تمام، والله ما أكلت الخبز إلا به، ولوددت أن الأمر كان كما قالوا، ولكني اوالله تابع له آخذ منه لائذ به، نسيمي يركد عند هوائه، وأرضي تنخفض عند سمائه.

حدثني محمد بن يحيى: قال: حدثني سوار بن أبي شراعة، عن البحتري: قال: وحدثني أبو عبد الله الألوسي، عن علي بن يوسف، عن البحتري: قال: كان أول أمري في الشعر ونباهتي أني صرت إلى أبي تمام، وهو بحمص، فعرضت عليه شعري، وكان الشعراء يعرضون عليه أشعارهم، فأقبل علي، وترك سائر من حضر، فلما تفرقوا قال لي: أنت أشعر من أنشدني، فكيف بالله حالك؟ فشكوت خلة فكتب إلى أهل معرة النعمان، وشهد لي بالحذق بالشعر، وشفع لي إليهم وقال: امتدحهم، فصرت إليهم، فأكرموني بكتابه، ووظفوا لي أربعة آلاف درهم، فكانت أول مال أصبته. وقال علي بن يوسف في خبره: فكانت نسخة كتابه: “يصل كتابي هذا على يد الوليد أبي عبادة الطائي، وهو – على بذاذته – شاعر، فأكرموه”.

يعشق غلاماً فيلتحي: حدثني جحظة: قال: سمعت البحتري يقول: كنت أتعشق غلاماً من أهل منبج يقال له شقران، واتفق لي سفر، فخرجت فيه، فأطلت الغيبة، ثم عدت، وقد التحى، فقلت فيه، وكان أول شعر قلته:

نبـتـت لـحـــية شـــقـــرا

 

ن شـقـيق الـنـفـس بـعـــدي

حلقت، كيف أتته قبل أن ينجز وعدي!

 

 

وقد روى في غير هذه الحكاية أن اسم الغلام شندان.

بدء التعارف بينه وبين أبي تمام: حدثني علي بن سليمان: قال: حدثني أبو الغوث بن البحتري عن أبيه، وحدثني عمي: قال: حدثني علي بن العباس النوبختي، عن البحتري، وقد جمعت الحكايتين، وهما قريبتان: قال: أول ما رأيت أبا تمام أني دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف، وقد مدحته بقصيدتي:

أأفاق صب من هوى فأفيقـا

 

أو خان عهداً أو أطاع شفيقا؟

فسر بها أبو سعيد، وقال: أحسنت والله يا فتى وأجدت، قال: وكان في مجلسه رجل نبيل رفيع المجلس منه، فوق كل من حضر عنده، تكاد تمس ركبته ركبته، فأقبل علي ثم قال: يا فتى، أما تستحي مني! هذا شعر لي تنتحله، وتنشده بحضرتي! فقال له أبو سعيد: أحقاً تقول! قال: نعم، وإنما عَلقه مني، فسبققني به إليك، وزاد فيه، ثم اندفع فأنشد أكثر هذه القصيدة، حتى شككني – علم الله – في نفسي، وبقيت متحيراً، فأقبل علي أبو سعيد، فقال: يا فتى، قد كان في قرابتك منا وودك لنا ما يغنيك عن هذا، فجعلت أحلف له بكل محرجة من الأيمان أن الشعر لي ما سبقني إليه أحد، ولا سمعته منه، ولا انتحلته، فلم ينفع ذلك شيئاً، وأطرق أبو سعيد، وقطع بي، حتى تمنيت أن سخت في الأرض، فقمت منكسر البال أجر رجلي، فخرجت، فما هو إلا أن بلغت باب الدار حتى خرج الغلمان فردوني، فأقبل علي الرجل، فقال: الشعر لك يا بني، والله ما قلته قط، ولا سمعته إلا منك، ولكنني ظننت أنك تهاونت بموضعي، فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفة كانت بيننا، تريد بذلك مضاهاتي ومكاثرتي، حتى عرفني الأمير نسبك وموضعك، ولوددت ألا تلد أبداً طائية إلا مثلك، وجعل أبو سعيد يضحك، ودعاني أبو تمام، وضمني إليه، وعانقني، وأقبل يقرظني، ولزمته بعد ذلك، وأخذت عنه، واقتديت به، هذه رواية من ذكرت.

إشاد له بأبي سعيد محمد بن يوسف الثغري: وقد حدثني علي بن سليمان الأخفش أيضاً قال: حدثني عبد الله بن الحسين بن سند القطربلي: أن البحتري حدثه أنه دخل على أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري، وقد مدحه بقصيدة، وقصده بها، فألقى عنده أبا تمام وقد أنشده قصيدة له فيه، فاستأذنه البحتري في الإنشاد وهو يومئذ حديث السن، فقال له: يا غلام أنشدني بحضرة أبي تمام؟ فقال: تأذن ويستمع، فقام، فأنشده إياها، وأبو تمام يسمع ويهتز من قرنه إلى قدمه استحساناً فلما فرغ منها قال: أحسنت والله يا غلام، فممن أنت؟ قال: من طيئ، فطرب أبو تمام وقال: من طيئ، الحمد لله على ذلك، لوددت أن كل طائية تلد مثلك، وقبل بين عينيه، وضمه إليه وقال لمحمد بن يوسف: قد جعلت له جائزتي، فأمر محمد بها، فضمت إلى مثلها، ودفعت إلى البحتري، وأعطى أبا تمام مثلها، وخص به، وكان مداحاً له طول أيامه ولابنه بعده، ورثاهما بعد مقتليهما، فأجاد، ومراثيه فيهما أجود من مدائحه، وروى أنه قيل له في ذلك فقال: من تمام الوفاء أن تفضل المراثي المدائح لا كما قال الآخر – وقد سئل عن ضعف مراثيه فقال – : كنا نعمل للرجاء، نحن نعمل اليوم للوفاء. وبينهما بعد.

كان بخيلاً زري الهيئة: حدثني حكم بن يحيى الكنتحي قال: كان البحتري من أوسخ خلق الله ثوباً وآلة وأبخلهم على كل شيء، وكان له أخ وغلام معه في داره، فكان يقتلهما جوعاً، فإذا بلغ منها الجوع أتياه يبكيان، فيرمي إليهما بثمن أقواتهما مضيقاً مقتراً، ويقول: كلا، أجاع الله أكبادكما وأعرى أجلادكما وأطال إجهادكما.

قال حكم بن يحيى: وأنشدته يوماً من شعر أبي سهل بن نوبخت، فجعل يحرك رأسه، فقلت له: ما تقول فيه؟ فقال: هو يشبه مضغ الماء ليس له طعم ولا معنى.

وحدثني أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهاني الكاتب، قال: دخلت على البحتري يوماً فاحتبسني عنده، ودعا بطعام له، ودعاني إليه، فامتنعت من أكله، وعنده شيخ شامي لا أعرفه، فدعاهخ إلى الطعام، فتقدم، وأكل معه أكلاً عنيفاً، فغاظه ذلك، والتفت إليّ، فقال لي: أتعرف هذا الشيخ؟ فقلت: لا، قال: هذا شيخ من بني الهجيم الذي يقول فيهم الشاعر:

وبنو الهجيم قبيلة ملـعـونة

 

حص اللحى متشابهو الألوان

لو يسمعون بأكلة أو شـربة

 

بعمان أصبح جمعهم بعمان

قال: فجعل الشيخ يشتمه، ونحن نضحك.

ماء من يد حسناء: وحدثني جحظة: قال: حدثني علي بن يحيى المنجم: قال: اجتازت جارية بالمتوكل معها كوز ماء، وهي أحسن من القمر، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: برهان، قال: ولمن هذا الماء؟ قالت: لستي قبيحة، قال: صبيه في حلقي، فشربه عن آخره، ثم قال للبحتري: قل في هذا شيئاً، فقال البحتري:

ما شربة من رحيق كأسهـا ذهـب

 

جاءت بها الحور من جنات رضوان

يوماً بأطيب من ماء بلا عطش

 

شربته عبثاُ من كف برهـان

أخبرني علي بن سليمان الأخفش، وأحمد بن جعفر جحظة: قالا: حدثنا أبو الغوث بن البحتري: قال: كتبتُ إلى أبي يوماً أطلب منه نبيذاً، فبعث إلي بنصف قنينة دردي، وكتب إلي: دونكها يا بني، فإنها تكشف القحط، وتضبط الرهط. قال الأخفش، وتقيت الرهط.

قصته مع أحمد بن علي الإسكافي: حدثني أبو الفضل عباس بن أحمد بن ثوابة قال: قدم البحتري النيل على أحمد بن علي الإسكافي مادحاً له، فلم يثبه ثواباً يرضاه بعد أن طالت مدته عنده، فهجاه بقصيدته التي يقول فيها:

ما كسبنا من أحمد بن علي

 

ومن النيل غير حمى النيل

وهجاه بقصيدة أخرى أولها:

قصة النيل فاسمعوها عجابه

فجمع إلى هجائه إياه هجاء أبي ثوابة، وبلغ ذلك أبي، فبعث إليه بألف درهم وثياب ودابة بسرجها ولجامها، فرده إليه، وقال: قد أسلفتكم إساءة لا يجوز معها قبول رفدكم، فكتب إليه أبي: أما الإساءة فمغفورة وأما المعذرة فمشكورة، والحسنات يذهبن السيئات، وما يأسو جراحك مثل يدك. وقد رددت إليك ما رددته علي، وأضعفته، فإن تلافيت ما فرط منك أثبنا وشكرنا، وإن لم تفعل احتملنا وصبرنا. فقبل ما بعث به، وكتب إليه: كلامك والله أحسن من شعري، وقد أسلفتني ما أخجلني، وحملتني ما أثقلني، وسيأتيك ثنائي. ثم غدا إليه بقصيدة أولها:

ضلال لها ماذا أرادت إلى الصد

وقال فيه بعد ذلك:

برق أضاء العقيق من ضرمه

وقال فيه أيضاً:

دان دعا داعي الصبا فأجابه

قال: ولم يزل أبي يصله بعد ذلك، ويتابع برّه لديه حتى افترقا.

شعره في نسيم غلامه: أخبرني جحظة قال: كان نسيم غلام البحتري الذي يقول فيه:

دعا عبرتي تجري على الجور والقصد

 

أظن نسيماً قارف الهم من بـعـدي

خلا ناظري من طيفه بعد شخـصـه

 

فيا عجبا للدهر فقد عـلـى فـقـد

خبره مع محمد بن علي القمي وغلامه: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: كتب البحتري إلى أبي محمد بن علي القمي يستهديه نبيذاً، فبعث إليه نبيذاً مع غلام له أمرد، فجمشه البحتري، فغضب الغلام غضباً شديداً، دل البحتري على أنه سيخبر مولاه بما جرى، فكتب إليه:

ابا جعفر كان تجمـيشـنـا

 

غلامك إحدى الهنات الدنية

بعثت إلينا بشمس الـمـدام

 

تضيء لنا مع شمس البرية

فليت الهدية كان الرسـول

 

وليت الرسول إلينا الهـدية

فبعث إليه محمد بن علي الغلام هدية، فانقطع البحتري عنه بعد ذلك مدة، خجلاً مما جرى، فكتب إليه مححمد بن علي:

هجرت كأن البر أعقب حـشـمة

 

ولم أر وصلاً قبل ذا أعقب الهجرا

فقال فيه قصيدته التي أولها:

فتى مذحج عفواً فتى مذحج غفرا

كان موته بالسكتة: أخبرني علي بن سليمان الأخفش: قال: سألني القاسم بن عبيد الله عن خبر البحتري، وقد كان أسكت، ومات من تلك العلة، فأخبرته بوفاته، وأنه مات في تلك السكتة، فقال: ويحه رمي في أحسنه.

أبو تمام يلقن البحتري درساً في الاستطراد: أخبرني محمد بن يحيى: قال: حدثني محمد بن علي الأنباري: قال: سمعت البحتري يقول: أنشدني أبو تمام ويماً لنفسه:

وسابح هطل الـتـعـداء هـتـان

 

على الجراء أمـين غـير خـوان

أظمي الفصوص ولم تظمأ قوائمـه

 

فخل عينيك فـي ظـمـآن ريان

فلو تراه مشيحاً والـحـصـى زيم

 

بين السنابك من مثنـى ووحـدان

أيقنت إن لم تثـبـت أن حـافـره

 

من صخر تدمر أو من وجه عثمان

ثم قال لي: ما هذا الشعر؟ قلت: لا أدري، قال: هذا هو المتسطرد، أو قال الاستطراد. قلت: وما معنى ذلك؟ قال: يريك أنه يريد وصف الفرس وهو يريد هجاء عثمان، وقد فعل البحتري ذلك، فقال في صفة الفرس:

ما إن يعاف قذى ولو أوردته

 

يوماً خلائق حمدويه الأحول

وكان البحتري من أبغض الناس إنشاداً، يتشادق ويتزاور في مشيه مرة جانباً، ومرة القهقري، ويهز رأسه مرة، ومنكبيه أخرى، ويشير بكمه، ويقف عند كل بيت، ويقول: أحسنت والله، ثم يقبل على المستمعين، فيقول: ما لكم لا تقولون أحسنت؟ هذا والله ما لا يحسن أحد أن يقول مثله: فضجر المتوكل من ذلك وأقبل علي، وقال: أما تسمع يا صيمري ما يقول؟ فقلت: بلى يا سيدي، فمرني فيه بما أحببت، فقال: بحياتي أهجه على هذا الروي الذي أنشدنيه، فقلت: تأمر ابن حمدون أن يكتب ما أقول، فدعا بداوة وقرطاس، وحضرني على البديهة أن قلت:

أدخلت رأسك في الرحم

 

وعلمت أنك تنـهـزم

يا بحتـري حـذار ويح

 

ك من قضاقضة ضغم

فلقد أسـلـت بـواديي

 

ك من الهجا سيل العرم

فبأي عرض تعتـصـم

 

وبهتكه جف القـلـم؟

والله حـلـفة صـادق

 

وبقبر أحمد والـحـرم

وبحق جعـفـر الإمـا

 

م ابن الإمام المعتصـم

لأصـيرنـك شـهـرة

 

بين المسيل إلى العلـم

حي الطلول بذي سـلـم

 

حيث الأراكة والخـيم

يا بن الثقيلة والثقـيل ع

 

لى قلوب ذوي النـعـم

وعلى الصغير مع الكبي

 

ر من الموالي والحشم

في أي سلح تـرتـطـم

 

وبأي كف تلـتـقـم؟

يا بن المباحة لـلـورى

 

أمن العفاف أم التـهـم

إذ رحل أختك للعـجـم

 

وفراش أمك في الظلم

وبـبـاب دارك حـانة

 

في بيته يؤتى الحـكـم

قال: فغضب، وخرج يعدو، وجعلت أصيح به:

أدخلت رأسك في الرّحم

 

وعلمت أنك تنـهـزم

والمتوكل يضحك، ويصفق حتى غاب عن عينه.

هكذا حدثني جحظة عن أبي العنبس.

ووجدت هذه الحكاية بعينها بخط الشاهيني حكاية عن أبي العنبس، فرأيتُها قريبة اللفظ، موافقة المعنى لما ذكره جحظة، والذي يتعارفه الناس أن أبا العنبس قال هذه الأبيات ارتجالاً، وكان واقفاً خلف البحتري، فلما ابتدأ وأنشد قصيدته:

عن أي ثغر تبتسـم

 

وبأي طرف تحتكم

صاح به أبو العنبس من خلفه:

في أي سلح ترتـطـم

 

وبأي كف تـلـتـقـم

أدخلت رأسك في الرحم

 

وعلمت أنك تنـهـزم

فغضب البحتري، وخرج، فضحك المتوكل حتى أكثر، وأمر لأبي العنبس بعشرة آلاف درهم والله أعلم.

وأخبرني بهذا الخبر محمد بن يحيى الصولي، وحدثني عبد الله بن أحمد بن حمدون عن أبيه: قال: وحدثني يحيى بن علي عن أبيه: إن البحتري أنشد المتوكل – وأبو العنبس الصيمري حاضر – قصيدته:

عن أي ثغر تبتسـم

 

وبأي طرف تحتكم؟

إلى آخرها، وكان إذا أنشد يختال، ويعجب بما يأتي به، فإذا فرغ من القصيدة رد البيت الأول، فلما رده بعد فراغه منها. وقال:

عن أي ثغر تبتسـم

 

وبأي طرف تحتكم

قال أبو العنبس وقد غمزه المتوكل أن يولع به:

في أي سلح ترتـطـم

 

وبأي كف تـلـتـقـم

أدخلت رأسك في الرحم

 

وعلمت أنك تنـهـزم

فقال نصف البيت الثاني، فلما سمع البحتري قوله ولى مغضباً، فجعل أبو العنبس يصيح به:

وعلمت أنك تنهزم

فضحك المتوكل من ذلك حتى غلب، وأمر لأبي العنبس بالصلة التي أعدت لللبحتري.

قال أحمد بن زياد: فحدثني أبي قال: جاءني البحتري، فقال لي: يا أبا خالد أنت عشيرتي وابن عمي وصديقي، وقد رأيت ما جرى علي، أفتأذن لي أن أخرج إلى منبج بغير إذن، فقد ضاع العلم، وهلك الأدب؟ فقلت: لا تفعل من هذا شيئاً، فإن الملوك تمزح بأعظم مما جرى، ومضيت معه إلى الفتح، فشكا إليه ذلك، فقال له نحواً من قولي، ووصله، وخلع عليه، فسكن إلى ذلك.

من قصائده:..

قد لعمري يا ابن المغيرة أصبح
أبا نهشل رأيك المقنع
إِن تأَملْ مَحاسِنَ الأَصبَهَاني
مُنَى النّفسِ في أسماءَ، لَوْ يَستَطيعُها
ألَمّتْ، وَهَلْ إلمامُها لكَ نَافِعُ،
بعَدُوّكَ الحِدْثُ الجَليلُ الوَاقِعُ،
شَوْقٌ إلَيكِ، تَفيضُ منهُ الأدمُعُ،
أغَداً يَشِتُّ المَجدُ وَهْوَ جَميعُ،
فيم ابتِدارُكُمُ المَلاَمَ وَلُوعَا،
كَلّفَني، فَوْقَ الذي أسْتَطيعْ،
خُذا مِنْ بُكاءٍ في المَنازِلِ، أوْ دَعَا،
أُحاجِيكَ، هل للحُبّ كالدّارِ تَجمعُ،
تُرَى اللّيلُ يَقضِي عُقبَةً من هَزِيعِهِ،
أمنْ أجلِ أنْ أقوَى الغُوَيرُ فَوَاسطُهْ،
سُقيتِ الغَوادِي من طُلُولٍ وأرْبُعِ،
لَكِ عَهْدٌ لَدَيّ غَيرُ مُضَاعِ،
فَدَتْكَ أكُفُّ قَوْمٍ ما استَطاعوا
يَزْدادُ في غَيّ الصّبا وَلَعُهْ،
تَرَكَ السّوَادَ للابِسِيهِ، وَبَيّضَا،
طافَ الوُشاةُ بهِ، فصَدّ وَأعْرَضَا،
لابِسٌ مِنْ شَبِيبَةٍ أمْ نَاضِ،
أيّها العَاتِبُ الذي لَيسَ يَرْضَى،
أَما لِعيْنيْ طَلِيحِ الشُّوقِ تَغْمِيضُ
مَهْرِجْ صَبُوحَك سَعْدُه ُلم يُنْحَسِ
أمّا الشّبَابُ فَقَدْ سُبِقْتَ بغَضّهِ،
أقامَ كُلُّ مُلِثِّ الوَدْقِ رَجّاسِ،
صُنْتُ نَفْسِي عَمّا يُدَنّس نفسي،
سَهَرٌ أَصَابَك بَعْدَ طُولِ نُعَاسِ
مَا أنْسَ من شيءٍ، فَلَسْتُ بِناسِ
شَوْقٌ لَهُ، بَينَ الأضَالِعِ، هاجسُ،
نَاهِيكَ مِنْ حُرَقٍ أبِيتُ أُقاسِي،
يَشُوقُكَ تَوخِيدُ الجِمَالِ القَنَاعِسِ
إسمع هديت أبا يحيى، مقال أخ
حلي سعاد غروض العيس أو سيري
أقصِرْ، فإنّ الدّهرَ ليسَ بمُقْصِرِ
تفتأ عجبا بالشيء تدكره
إنّ الظّبَاءَ، غَداةَ سَفحِ مُحَجَّرِ،
يا حُسنَ مُبدي الخَيلِ في بكورِها،
مَحَلٌّ على القَاطُولِ أخْلَقَ داثِرُهْ،
حَبيبٌ سرَى في خِفيَةٍ، وعَلى ذُعْرٍ،
شَهيٌّ إلى الأيّامِ تَقْليلُها وَفْرِي،
أرَاني مَتى أبْغِ الصّبَابَةَ أقْدِرِ،
لَيَالينا بَينَ اللّوَى، فمُحَجَّرِ،
عَمَرْتَ أبا إسحاقَ ما صَلُحَ العُمْرُ،
أُخْفي هَوًى لكِ في الضّلوعِ، وأُظهِرُ،
لدن هجرته زحزحته عن الصبر
هزيع دجى في الرأس بارده بدر
متى لاح برق أو بدى طلل قفر
تَبَسَّمُ عَنْ واضِحٍ ذي أشَرْ،
أقْصِرَا! ليس شأنيَ الإقْصَارُ،
إذا الغَمَامُ حَدَاهُ البَارِقُ السّارِي،
هَجَرَتْ وَطَيفُ خَيَالِهَا لم يَهجُرِ،
عِنْدَ العَقيقِ، فَماثِلاَتِ دِيَارِهِ،