الأفوه الأودي

الأفوه الأودي
تو. نحو 50 ق.هـ

هو صلاة بن عمرو بن مالك بن عوف بن الحارث … بن ضبّة من بني مُذحج ، والافوه لقب غلب عليه . كان من كبار شعراء الجاهلية وسيد قومه وقائدهم في الحروب .

لم تُعرف للأفوه إلا قصائد قليلة ، كلها بالفخر والحكمة ، مما جعل النقاد يعدونه من شعراء الفخر والفروسية من دون ان يبلغ شأو عنترة وعمرو بن كلثوم لقصر نفَسه وندرة شعره .

جاء في كتاب المزهر للسيوطي وكتاب العمدة لابن رشيق أن الأفوه أقدم من المهلهل ومن أمرىء القيس ومن عمرو بن قميئة ، وانه أول من قصّد القصائد . إنما يتبين من شعره الذي وصلنا أنه لم ينفرد بخاصة ولا ترأس مذهباً شعرياً . فليس في شعره معان مبتكرة او صور ساطعة . تغلب البساطة على قصائده . فالفاظها شائعة والوانها باهتة خافتة . أما حكمه فمعظمها حكم وعظية اقرب الى حكم زهير في نزعتها التقريرية وفي نهجها العام ، منها الى حكم طرفة وعدي بن زيد ولبيد التي تميزت بالقلق والتوتر والفاجعة . ومع ذلك ، فبعض حكمه امتزج بحرارة المعاناة ، وتدفقت بانفعال المعنف المتحرق لما يراه من مصير قومه حيث أشار مرات ان أهل الجهل بينهم يغلب على أهل الرأي في القيادة .

قال أبو الفرج الأصفهاني في “الأغاني“: (( الأفوه لقب، واسمه صلاءة بن عمرو بن مالك بن عوف بن الحارث بن عوف بن منبه بن أود بن الصعب بن سعد العشيرة. وكان يقال لأبيه عمر بن مالك فارس الشوهاء؛ وفي ذلك يقول الأفوه:

أبي فارس الشوهاء عمرو بن مالكٍ

 

غداة الوغى إذ مال بالجد عـاثـر

كان سيد قومه وقائدهم وشاعرهم: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا ابن أبي سعد عن علي بن الصباح عن هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال: كان الأفوه من كبار الشعراء القدماء في الجاهلية، وكان سيد قومه وقائدهم في حروبهم، وكانوا يصدرون عن رأيه. والعرب تعده من حكمائها. وتعد داليته:

معاشر ما بنوا مجداً لقـومـهـم

 

وإن بنى غيرهم ما أفسدوا عادوا

أبياته التي أخذ منها كثير بيتاً: من حكمة العرب وآدابها . فأما البيت الذي أخذه كثير من شعر الأفوه وأضافه إلى أبياته التي ذكرناها وفيها الغناء آنفاً فإنه من قصيدة يقول فيها:

نقاتل أقواماً فنسبي نسـاءهـم

 

ولم ير ذو عزٍ لنسوتنا حجـلا

نقود ونأبى أن نقـاد ولا نـرى

 

لقومٍ علينا في مكارمةٍ فضلا

وإنا بطاء المشي عند نسـائنـا

 

كما قيدت بالصيف نجدية بزلا

نظل غيارى عند كل سـتـيرةٍ

 

نقلب جيداً واضحاً وشوًى عبلا

وإنا لنعطي المال دون دمائنـا

 

ونأبى غما نستام دون دمٍ عقلا

سبب هذه الأبيات: قال أبو عمرو الشيباني: قال الأفوه الأودي هذه الأبيات يفخر بها على قومٍ من بني عامر، كانت بينه وبينهم دماء، فأدرك بثأره وزاد، وأعطاهم ديات من قتل فضلاً على قتلى قومه، فقبلوا وصالحوه .

وقال أبو عمرو : أغارت بنو أود وقد جمعها الأفوه على بني عامر، فمرض الأفوه مرضاً شديداً، فخرج بدله زيد بن الحارث الأودي وأقام الأفوه حتى أفاق من وجعه، ومضى زيد بن الحارث حتى لقي بني عامر بتضارع ، وعليهم عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب. فلما التقوا عرف بعضهم بعضاً، فقال لهم بنو عامر: ساندونا فما أصبنا كان بيننا وبينكم. فقالت بنو أود وقد أصابوا منهم رجلين: لا والله حتى نأخذ بطائلتنا . فقام أخو المقتول، وهو رجل من بني كعب بن أود فقال: يا بني أود، والله لتأخذن بطائلتي أو لأنتحين على سيفي. فاقتتلت أود وبنو عامر. فظفرت أود وأصابت مغنماً كثيراً. فقال الأفوه في ذلك: صوت:

ألا يا لهف لو شهدت قناتـي

 

قبائل عامرٍ يوم الصـبـيب

غداة تجمعت كعـب إلـينـا

 

حلائب بين أفناء الحـروب

فلما أن رأونا في وغـاهـا

 

كآساد الغريفة والحـجـيب

تداعوا ثم مالوا عن ذراهـا

 

كفعل الخامعات من الوجيب

وطاروا كالنعام ببطـن قـوٍ

 

مواءلة على حذر الرقـيب

صوت:

كان لم تري قبلي أسيراً مكبلاً

 

ولا رجلاً يرمى به الرجوان

كأني جواد ضمه القيد بعدمـا

 

جرى سابقاً في حلبةٍ ورهان

الشعر لرجل من لصوص بني تميم يعرف بأبي النشناش، والغناء لابن جامع ثاني ثقيلٍ بالبنصر من روايتي علي بن يحيى والهشامي .

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب قال: كان أبو النشناش من ملاص بني تميم، وكان يعترض القوافل في شذاذٍ من العرب بين طريق الحجاز والشام فيجتاحها. فظفر به بعض عمال مروان فحبسه وقيد مدة، ثم أمكنه الهرب في وقت غرة فهرب، فمر بغرابٍ على بانةٍ ينتف ريشه وينعب، فجزع من ذلك . ثم مر بحيٍ من لهبٍ فقال لهم: رجل كان في بلاءٍ وشر وحبسٍ وضيقٍ فنجا من ذلك، ثم نظر عن يمينه فلم ير شيئاً ونظر عن يساره فرأى غراباً على شجرة بانٍ ينتف ريشه وينعب. فقال له اللهبي: إن صدقت الطير يعاد إلى حبسه وقيده، ويطول ذلك به، ويقتل ويصلب. فقال له: بفيك الحجر . قال: لا بل بفيك. وأنشأ يقول:

وسائلةٍ أين ارتـحـالـي وسـائلٍ

 

ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه !

مذاهبه أن الـفـجـاج عـريضة

 

إذا ضن عنه بالنـوال أقـاربـه

إذا المرء لم يسرح سواما ولـم يرح

 

سواما ولم يبسط له الوجه صاحبـه

فللموت خير للفتـى مـن قـعـوده

 

عديماً ومن مولىً تعاف مشـاربـه

ودويةٍ قفرٍ يحار بـهـا الـقـطـا

 

سرت بأبي النشناش فيها ركـائبـه

ليدرك ثأراً أو ليكسب مـغـنـمـاً

 

ألا إن هذا الدهر تترى عجـائبـه

فلم أر مثل الفقر ضاجعه الفـتـى

 

ولا كسواد الليل أخفـق طـالـبـه

فعش معـذراً أو مـت فـإنـنـي

 

أرى الموت لا يبقى على من يطالبه

أصادرة حجاج كـعـبٍ ومـالـكٍ

 

على كل فتلاء الذراعين محـنـق

أقام القنـاة الـود بـينـي وبـينـه

 

وفارقني عن شـيمة لـم تـرنـق

عروضه من الطويل. الصادر: المنصرف، وهو ضد الوارد، وأصله من ورود الماء والصدر عنه، ثم يقال لكل مقبلٍ إلى موضع ومنصرفٍ عنه. وكعب: من خزاعة. ومالكٍ: مالك بن النضر بن كنانة: وكان كثير ينتمي وينمي خزاعة إليهم. ومحنقٍ: ضامرة. والشيمة: الخلق والطبيعة. وترنق: تكدر. والرنق: الكدر .

الشعر لكثير عزة يرثي خندقاً الأسدي، والغناء للهذلي ثاني ثقيلٍ بالخنصر في مجرى البنصر من رواية إسحاق.

وفي الثاني من البيتين ثم الأول لسياطٍ رمل بالبنصر عنه وعن الهشامي وعمرو. وفيهما لمعبد لحن ذكره يونس ولم سجنسه. وفي رواية حماد عن أبيه أن لحن الهذلي من الثقيل الأول، فإن كان ذلك كذلك فالثقيل الثاني لمعبد. وذكر أحمد بن عبيد أن الذي صح فيه ثقيل أول أو ثاني ثقيل .

المرجع: كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني

من قصائده:..

جَلَبنا الخَيلَ مِن غَيدانَ حَتّى