ابن ميادة

ابـن ميـادة
تو. 766 م

هو الرماح بن أبرد بن ثوبان الذبياني الغطفاني المضري، أبو شرحبيل ويقال أبو حرملة. وميادة أمه وكانت أم ولد وهي صقلبية من أهل إسبانيا.

كان ابن ميادة رجلاً طويلاً عظيم الجسم لباساً عطراً كثير المغامرات في طلب النساء، وأشهر مغامراته كانت في سبيل امرأة هي أم جحدر بنت حسان المرية.

ابن ميادة شاعر من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. مدح من الأمويين بن يزيد وعبد الواحد بن سليمان، ومن العباسيين المنصور وجعفر بن سليمان.

قدمه بعضهم على النابغة عندما زعموا أنه أفضل من النابغة.

أتقن فنون المدح والرثاء والهجاء والمناقضات والنسب وكان يحب المهاجاة.

وجاء في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: ” اسمه الرماح بن أبرد بن ثوبان بن سراقة بن حرملة، هكذا قال الزبير بن بكار في نسبه. وقال ابن الكلبي: ثوبان بن سراقة بن سلمى بن ظالم ويقال سراقة بن قيس بن سلمى بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر.

كان يزعم أن أمه فارسية وأمه ميادة أم ولدٍ بربرية، وروي أنها كانت صقلبية. ويكنى أبا شرحبيل، وقيل بل يكنى أبا شراحيل.

وكان ابن ميادة يزعم أن أمه فارسية، وذكر ذلك في شعره فقال:

أنا ابن سلمى وجـدي ظـالـم

 

وأمي حصانٌ أخلصتها الأعاجم

أليس غلامٌ بين كسرى وظالـمٍ

 

بأكرم من نيطت عليه التمـائم

كذبه موسى بن سيار أن أمه فارسية

أخبرني بذلك الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو مسلمة مرهوب بن سيد وأخبرني الحرمي “قال حدثنا الزبير” قال حدثني موسى بن زهير الفزاري قال أخبرني موسى بن سيار بن نجيح المزني قال: أنشدني ابن ميادة أبياته التي يقول فيها:

أليس غلام بين كسرى وظالم

 

بأكرم من نيطت عليه التمائم

فقلت له: لقد أشحطت بدار العجوز وأبعدت بها النجعة، فهلا غربت “يريد أنها صقلبيةٌ ومحلها بناحية المغرب” فقال: إي بأبي أنت، إنه من جاع انتجع، فدعها تسر في الناس فإنه “من يسمع يخل”. قال الزبير قال ابن مسلمة: ولما قال ابن ميادة هذه الأبيات قال الحكم الخضري يرد عليه:

رد عليه الحكم الخضري فخره بأمه وهجاه

وما لك فيهم من أبٍ ذي دسيعةٍ

 

ولا ولدتك المحصنات الكـرائم

وما أنت إلا عبدهم إن تربـهـم

 

من الدهر يوماً تستربك المقاسم

رمى نهبلٌ في فرج أمك رميةً

 

بحوقاء تسقيها العروق الثواجم

قال أبو مسلمة: ونهبل عبدٌ لبني مرة كانت ميادة تزوجته بعد سيدها، وكانت صقلبية. وابن ميادة شاعرٌ فصيحٌ مقدم مخضرم من شعراء الدولتين. وجعله ابن سلام في الطبقة السابعة، وقرن به عمر بن لجأ والعجيف العقيلي والعجير السلولي.

كان يتعرض للمهاجاة ويقول لأمه اصبري على الهجو

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا الحسن بن الحسين السكري قال حدثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال: كان ابن ميادة عريضاً للشر، طالباً مهاجاة الشعراء ومسابة الناس. وكان يضرب بيده على جنب أمه ويقول:

اعرنزمي مياد للقوافي

أي إني سأهجو الناس فيهجونك.

وأخبرنا يحيى بن علي عن أبي هفان بهذه الحكاية مثله، وزاد فيها:

اعرنزمي مياد للقوافي

 

واستسمعيهن ولاتخافي

ستجدين ابنك ذا قذاف

 

 

استنشد امرأة أمام أمه ما هجيت به

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا داود بن علفة الأسدي قال: جاورة امرأةٌ من الخضر: “رهط الحكم الخضري” أبيات ابن ميادة، فجاءت ذات يوم تطلب رحىً وثفالاً لتطحن، فأعاروها إياهما فقال لها ابن ميادة: يا أخت الخضر، أتروين شيئاً مما قاله الحكم الخضري لنا، يريد بذلك أن تسمع أمه، فجعلت تأبى، فلم يزل حتى أنشدته:

أمياد قد أفسدت سيف ابن ظالم

 

ببظرك حتى عاد أثلم بـالـيا

قال: وميادة جالسةٌ تسمع. فضحك الرماح، وثارت ميادة إليها بالعمود تضربها به وتقول: أي زانية! هيا زانية! أإياي تعنين! وقام ابن ميادة يخلصها، فبعد لأيٍ ما أنقذها، وقد انتزعت منها الرحى والثفال.

إنشاده شماطيط هجاء أمه

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو حرملة منظور بن أبي عدي الفزاري قال حدثني شماطيط – وهو الذي يقول:

أنا شماطيط الذي حدثت به

 

متى أنبه للغداء أنتـبـه

حتى يقال شرهٌ ولست به

 

 

– قال: كنت جالساً مع ابن ميادة فوردت عليه أبياتٌ للحكم الخضري يقول فيها:

أأنت ابن أشبانية أدلجت بـه

 

إلى اللؤم مقلاتٍ لئيمٍ جنينها

– أشبانية: صقلبية – قال: وأمه ميادة تسمع فضرب جنبها وقال:

اعرنزمي مياد للقوافي

فقالت: هذه جنايتك يابن من خبث وشر، وأهوت إلى عصاً تريد ضربه بها؛ ففر منها وهو يقول:

يا صدقها ولم تكن صدوقا

فصحت به: أيهما المعني؟ فقال: أضرعهما خدين وألأمهما جدين؛ فضربت جنبها الآخر وقلت: فهي إذاً ميادة، وخرجت أعدو في أثر الرماح، وتبعتنا ترمينا بالحجارة وتفتري علينا حتى فتناها.

أمه ميادة وقصة تزوجها أبرد أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني أبو داود الفزاري: أن ميادة كانت أمةً لرجلٍ من كلب زوجةً لعبدٍ له يقال له نهبل، فاشتراها بنو ثوبان بن سراقة فأقبلوا بها من الشأم، فلما قدموا وصبحوا بها المليحة “وهي ماءة لبني سلمى ورحل بن ظالم بن جذيمة” نظر رجلٌ من بني سلمى إليها وهي ناعسة تمايل على بعيرها، فقال: ما هذه؟ قالوا: اشتراها بنو ثوبان؛ فقال: وأبيكم إنها لميادةٌ تميد وتميل على بعيرها، فغلب عليها “ميادة”. وكان أبرد ضلةً من الضلل ورثةً من الرثث جلفاً لا تخلص إحدى يديه من الأخرى، يرعى على إخوته وأهله، وكانت إخوته كلهم ظرفاء غيره. فأرسلوا ميادة ترعى الإبل معه فوقع عليها، فلم يشعروا بها إلا قد أقعسها بطنها، فقالوا لها: لمن ما في بطنك. قالت: لأبرد، وسألوه فجعل يسكت ولا يجيبهم، حتى رمت بالرماح فرأوا غلاماً فدغما نجيباً، فأقر به أبرد. وقالت بنو سلمى: ويلكم يا بني ثوبان! ابتطنوه فلعله ينجب؛ فقالوا: والله ما له غير ميادة، فبنوا لها بيتاً وأقعدوها فيه، فجاءت بعد الرماح بثوبان وخليل وبشير بني أبرد، وكانت أول نسائه وآخرهن، وكانت امرأة صدق، ما رميت بشيء ولا سبت إلا بنهبل. قال عبد الرحمن بن جهيم الأسدي في هجائه ابن ميادة:

لعمري لئن شابت حليلة نهبلٍ

 

لبئس شباب المرء كان شبابها

ولم تدر حمراء العجان أنهبلٌ

 

أبوه أم المري تب تبابـهـا

هجا بني مازن فرد عليه رجل منهم قال أبو داود: وكان ابن ميادة هجا بني مازن وفزارة بن ذبيان، وذلك أنهم ظلموا بني الصارد – والصارد من مرة – فأخذوا مالهم وغلبوهم عليه حتى الساعة؛ فقال ابن ميادة:

فلأوردن على جماعة مـازنٍ

 

خيلاً مقلصة الحصى ورجالا

ظلوا بذي أركٍ كأن رءوسهم

 

شجرٌ تخطاه الربيع فـحـالا

فقال رجل من بني مازن يرد عليه:

يابن الخبيثة يابن طلة نهـبـلٍ

 

هلا جمعت كما زعمت رجالا

أببظر ميدة أم بخصيي نهـبـلٍ

 

أم بالفساة تنـازل الأبـطـالا

ولئن وردت على جماعة مازنٍ

 

تبغي القتال لتلـقـين قـتـالا

قال: وبنو مرة يسمون الفساة لكثرة امتيارهم التمر، وكانت منازلهم بين فدك وخيبر فلقبوا بذلك لأكلهم التمر. وقال يحيى بن علي في خبره – ولم يذكره عن أحد -: وقال ابن ميادة يفتخر بأمه: شعره في الفخر بنسبه

أنا ابن ميادة تهوي نجبـي

 

صلت الجبين حسنٌ مركبي

ترفعني أمي وينمينـي أبـي

 

فوق السحاب ودوين الكوكب

قال يحيى بن علي في خبره عن حماد عن أبيه عن أبي داود الفزاري: إن ابن ميادة قال يفخر بنسب أبيه في العرب ونسب أمه في العجم:

أليس غلامٌ بين كسرى وظالم

 

بأكرم من نيطت عليه التمائم

لو أن جميع الناس كانوا بتلعةٍ

 

وجئت بجدي ظالمٍ وابن ظالم

لظلت رقاب الناس خاضعةً لنا

 

سجوداً على أقدامنا بالجماجم

 

كان له أخوان شاعران وقد أتاهم الشعر من قبل جدهم زهير

أم بني ثوبان – وهو أبرد أبو ابن ميادة والعوثبان وقريض وناعضة، وكان العوثبان وقريض شاعرين – أمهم جميعاً سلمى بنت كعب بن زهير بن أبي سلمى.

مهاجاته لعقبة بن كعب بن زهير ويقال: إن الشعر أتى ابن ميادة عن أعمامه من قبل جدهم زهير. قال إسحاق في خبره هذا: وحدثني حميد بن الحارث أن عقبة بن كعب بن زهير نزل المليحة على بني سلمى بن ظالم فأكلوا له بعيراً، وبلغ ابن ميادة أن عقبة قال في ذلك شعراً، فقال ابن ميادة يرد عليه:

ولقد حلفت برب مكة صادقاً

 

لولا قرابة نسوةٍ بالحاجـر

لكسوت عقبة كسوةً مشهورةً

 

ترد المناهل من كلامٍ عائر

وهي قصيدة؛ فقال له عقبة:

ألوماً أنني أصبحـت خـالاً

 

وذكر الخال ينقص أو يزيد

لقد قلدت من سلمى رجالاً

 

عليهم مسحةٌ وهم العبـيد

فقال ابن ميادة:

أن تك خالنا فقبحت خـالاً

 

فأنت الخال تنقص لا تزيد

فيوماً في مزينة أنت حـر

 

ويوماً أنت محتدك العبـيد

أحق الناس أن يلقى هواناً

 

ويؤكل ماله العبد الطريد

أوصاف ابن ميادة

قال إسحاق فحدثني عجرمة قال: كان ابن ميادة أحمر سبطاً عظيم الخلق طويل اللحية، وكان لباساً عطراً، ما دنوت من رجلٍ كان أطيب عرفاً منه.

مقارنة بينه وبين النابغة

قال إسحاق: وحدثني أبو داود قال: سمعت شيخاً عالماً من غطفان يقول: كان الرماح أشعر غطفان في الجاهلية والإسلام، وكان خيراً لقومه من النابغة، لم يمدح غير قريش وقيس، وكان النابغة إنما يهذي باليمن مضللاً حتى مات.

هو كثير السقط في شعره

قال إسحاق: وحدثني أبو داود أن بني ذبيان تزعم أن الرماح بن ميادة كان آخر الشعراء. قال إسحاق: وحدثني أبو صالح الفزاري أن القاسم بن جندبٍ الفزاري، وكان عالماً، قال لابن ميادة: والله لو أصلحت شعرك لذكرت به، فإني لأراه كثير السقط؛ فقال له ابن ميادة: يابن جندب، إنما الشعر كنبلٍ في جفيرك ترمى به الغرض، فطالعٌ وواقعٌ وعاصدٌ وقاصد.

كان زمن هشام وبقي إلى خلافة المنصور

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال: كان ابن ميادة حديث العهد لم يدرك زمان قتيبة بن مسلم، ولا دخل فيمن عناه حين قال: “أشعر قيسٍ الملقبون من بني عامر والمنسوبون إلى أمهاتهم من غطفان”، ولكنه شاعر مجيدٌ كان في أيام هشام بن عبد الملك وبقي إلى زمن المنصور.

مدح بني أمية وبني هاشم

أخبرنا يحيى بن علي قال: كان ابن ميادة فصيحاً يحتج بشعره، وقد مدح بني أمية وبني هاشم: مدح من بني أمية الوليد بن يزيد وعبد الواحد بن سليمان، ومدح من بني هاشم المنصور وجعفر بن سليمان.

كان ينسب بأم جحدر وشعره فيها

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موسى بن زهير بن مضرس قال: كان الرماح بن أبرد المعروف بابن ميادة ينسب بأم جحدر بنت حسان المرية إحدى نساء بني جذيمة، فحلف أبوها ليخرجنها إلى رجل من غير عشيرته ولا يزوجها بنجد؛ فقدم عليه رجلٌ من الشأم فزوجه إياها؛ فلقي عليها ابن ميادة شدة، فرأيته وما لقي عليها، فأتاها نساؤها ينظرن إليها عند خروج الشأمي بها. قال: فوالله ما ذكرن منها جمالاً بارعاً ولا حسناً مشهوراً، ولكنها كانت أكسب الناس لعجب. فلما خرج بها زوجها إلى بلاده اندفع ابن ميادة يقول:

ألا ليت شعري هل إلى أم جحدرٍ

 

سبيلٌ فأما الصبر عنها فلا صبرا

إذا نزلت بصرى تراخى مزارها

 

وأغلق بوابان من دونها قصـرا

فهل تأتيني الريح تدرج موهـنـاً

 

برياك تعروري بها جرعاً عفرا

قال الزبير: وزادني عمي مصعب فيها:

فلو كان نذرٌ مدنـياً أم جـحـدرٍ

 

إلي لقد أوجبت في عنقي نـذرا

ألا لا تلطي الستر يا أم جحـدرٍ

 

كفى بذرا الأعلام من دوننا سترا

لعمري لئن أمسيت يا أم جحـدرٍ

 

نأيت لقد أبليت في طلبٍ عـذرا

فبهراً لقومي إذ يبيعون مهجتـي

 

بغانيةٍ بهراً لهم بعدهـا بـهـرا

قال الزبير: بهراً ها هنا: يدعو عليهم أن ينزل بهم من الأمور ما يبهرهم، كما تقول: جدعاً وعقراً. وفي أول هذه القصيدة – على ما رواه يحيى بن علي عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن حميد بن الحارث – يقول:

ألا لا تعدلي لوعةٌ مثل لوعـتـي

 

عليك بأدمى والهوى يرجع الذكرا

عشية ألوي بالرداء على الحـشـا

 

كأن ردائي مشعلٌ دونه جـمـرا

زاوج أم جحدر وما قاله في ذلك

قال حميد بن الحارث: وأم جحدر امرأة من بني رحل بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ بن مرة.

أخبرني يحيى بن علي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير عن موهوب بن رشيد عن جبر بن رباط النعامي: أن أم جحدر كانت امرأة من بني مرة ثم من بني رحل، وأن أباها بلغه مصير ابن ميادة إليها، فحلف ليزوجنها رجلاً من غير ذلك البلد، فزوجها رجلاً من أهل الشأم فاهتداها وخرج بها إلى الشأم، فتبعها ابن ميادة، حتى أدركه أهل بيته فردوه مصمتاً لا يتكلم من الوجد بها؛ فقال قصيدة أولها:

خليلي من أبنـاء عـذرة بـلـغـا

 

رسائل منا لا تـزيدكـمـا وقـرا

ألما على تيماء نـسـأل يهـودهـا

 

فإن لدى تيماء من ركبهـا خـبـرا

وبالغمر قد جازت وجاز مطـيهـا

 

عليه فسل عن ذاك نيان فالغـمـرا

ويا ليت شعري هل يحلن أهـلـهـا

 

وأهلك روضاتٍ ببطن اللوى خضرا

قصة عشقه لها  

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني أبو سعيد “يعني عبد الله بن شبيب” قال حدثني أبو العالية الحسن بن مالك وأخبرني به الأخفش عن ثعلب عن عبد الله بن شبيب عن أبي العالية الحسن بن مالك الرياحي العذري قال حدثني عمر بن وهب العبسي قال حدثني زياد بن عثمان الغطفاني من بني عبد الله بن غطفان قال: كنا بباب بعض ولاة المدينة فغرضنا من طول الثواء، فإذا أعرابي يقول: يا معشر العرب، أما منكم رجلٌ يأتيني أعلله إذ غرضنا من هذا المكان فأخبره عن أم جحدر وعني؟ فجئت إليه فقلت: من أنت؟ فقال: أنا الرماح بن أبرد، قلت: فأخبرني ببدء أمركما؛ قال: كانت أم جحدر من عشيرتي فأعجبتني، وكانت بيني وبينها خلة، ثم إني عتبت عليها في شيء بلغني عنها، فأتيتها فقلت: يا أم جحدر إن الوصل عليك مردود؛ فقالت: ما قضى الله فهو خير. فلبثت على تلك الحال سنة، وذهبت بهم نجعةٌ فتباعدوا، واشتقت إليها شوقاً شديداً، فقلت لامرأة أخٍ لي: والله لئن دنت دارنا من أم جحدر لآتينها ولأطلبن إليها أن ترد الوصل بيني وبينها، ولئن ردته لا نقضته أبداً، ولم يكن يومان حتى رجعوا، فلما أصبحت غدوت عليهم فإذا أنا ببيتين نازلين إلى سندٍ أبرق طويل، وإذا امرأتان جالستان في كساءٍ واحدٍ بين البيتين، فجئت فسلمت، فردت إحداهما ولم ترد الأخرى، فقالت: ما جاء بك يا رماح إلينا؟ ما كنا حسبنا إلا أنه قد انقطع ما بيننا وبينك؛ فقلت: إني جعلت علي نذراً لئن دنت بأم جحدر دارٌ لآتينها ولأطلبن منها أن ترد الوصل بيني وبينها، ولئن هي فعلت لا نقضته أبداً وإذا التي تكلمني امرأة أخيها وإذا الساكتة أم جحدر؛ فقالت امرأة أخيها: فادخل مقدم البيت فدخلت، وجاءت فدخلت من مؤخره فدنت قليلاً، ثم إذا هي قد برزت، فساعة برزت جاء غرابٌ فنعب على رأس الأبرق فنظرت إليه وشهقت وتغير وجهها؛ فقلت: ما شأنك؟ قالت: لا شيء، قلت: بالله إلا أخبرتني؛ قالت: أرى هذا الغراب يخبرني أنا لا نجتمع بعد هذا اليوم إلا ببلد غير هذا البلد، فتقبضت نفسي، ثم قلت: جاريةٌ والله ما هي في بيت عيافة ولا قيافة، فأقمت عندها، ثم تروحت إلى أهلي فمكنت عندهم يومين، ثم أصبحت غادياً إليها، فقالت لي امرأة أخيها: ويحك يا رماح! أين تذهب؟ فقلت: إليكم؛ فقالت: وما تريد؟ قد والله زوجت أم جحدر البارحة، فقلت: بمن ويحك؟ قالت: برجل من أهل الشأم من أهل بيتها، جاءهم من الشأم فخطبها فزوجها وقد حملت إليه، فمضيت إليهم فإذا هو قد ضرب سرادقاتٍ، فجلست إليه فأنشدته وحدثته وعدت إليه أياماً، ثم إنه احتملها فذهب بها فقلت:

أجارتنا إن الخطـوب تـنـوب

 

علينا وبعض الآمنين تـصـيب

أجارتنا لست الـغـداة بـبـارحٍ

 

ولكن مقيمٌ ما أقـام عـسـيب

فإن تسأليني هل صبرت فإننـي

 

صبورٌ على ريب الزمان صليب

قال علي بن الحسين: هذه الأبيات الثلاثة أغار عليها ابن ميادة فأخذها بأعيانها، أما البيتان الأولان فهما لامرىء القيس قالهما لما احتضر بأنقرة في بيتٍ واحدٍ وهو:

أجارتنا إن الخطوب تنوب

 

وإني مقيمٌ ما أقام عسيب

والبيت الثالث لشاعر من شعراء الجاهلية، وتمثل به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في رسالة كتب بها إلى أخيه عقيل بن أبي طالب، فنقله ابن ميادة نقلاً. ونرجع إلى باقي شعر ابن ميادة:

جرى بانبتات الحبل من أم جحدرٍ

 

ظباءٌ وطيرٌ بالفراق نـعـوب

نظرت فلم أعتف وعافت فبينت

 

لها الطير قبلي واللبيب لبـيب

فقالت حرامٌ أن نرى بعد هـذه

 

جميعـين إلا أن يلـم غـريب

أجارتنا صبراً فيا رب هـالـكٍ

 

تقطع من وجدٍ عليه قـلـوب

رحل إلى الشأم لرؤيتها فردتهقال: ثم انحدرت في طلبها، وطمعت في كلمتها: “إلا أن نجتمع في بلد غير هذا البلد”. قال: فجئت فدرت الشأم زماناً فتلقاني زوجها فقال: مالك لا تغسل ثيابك هذه! أرسل بها إلى الدار تغسل، فأرسلت بها؛ ثم إني وقفت أنتظر خروج الجارية بالثياب، فقالت أم جحدر لجاريتها: إذا جاء فاعلميني؛ فلما جئت إذا أم جحدرٍ وراء الباب فقالت: ويحك يا رماح! قد كنت أحسب أن لك عقلاً! أما ترى أمراً قد حيل دونه وطابت أنفسنا عنه؟ انصرف إلى عشيرتك فإني أستحي لك من هذا المقام؛ فانصرفت وأنا أقول:

صوت

عسى إن حججنا أن نرى أم جحدرٍ

 

ويجمعنا من نخلـتـين طـريق

وتصطك أعضاد المطي وبينـنـا

 

حديثٌ مسـر دون كـل رفـيق

في هذين البيتين لحنٌ من الثقيل الثاني ذكر الهشامي أنه للحجبي شعره فيها وقال حين خرج إلى الشأم – هذه رواية ابن شبيب -:

ألا حييا رسماً بذي العش مقـفـراً

 

وربعاً بذي الممدور مستعجماً قفرا

فأعجب دارٍ دارهـا غـير أنـنـي

 

إذا ما أتيت الدار ترجعني صفـرا

عشية أثني بالرداء على الحـشـى

 

كأن الحشى من دون أشعرت جمرا

يميل بنا شحط النوى ثم نلـتـقـي

 

عداد الثريا صادفـت لـيلةً بـدرا

وبالغمر قد جازت وجاز مطـيهـا

 

فأسقى الغوادي بطن نيان فالغمـرا

خليلي من غيظ بن مـرة بـلـغـا

 

رسائل مني لا تزيدكـمـا وقـرا

ألا ليت شعري هل إلى أم جحـدر

 

سبيل، فأما الصبر عنها فلا صبرا

فإن يك نذرٌ راجـعـاً أم جـحـدرٍ

 

علي لقد أوذمت في عنقـي نـذرا

وإني لاستنشي الحديث من أجلـهـا

 

لأسمع منها وهي نـازحةٌ ذكـرا

وإني لأستحيى مـن الـلـه أن أرى

 

إذا غدر الخلان أنوي لهـا غـدرا

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال أنشدني أبو داود لابن ميادة وهو يضحك منذ أنشدني إلى أن سكت:

ألم تـر أن الـصـاردية جـاورت

 

ليالي بالمـمـدور غـير كـثـير

ثلاثاً فلـمـا أن أصـابـت فـؤاده

 

بسهمين من كحلٍ دعت بهـجـير

بأصهب يرمي للـزمـام بـرأسـه

 

كأن على ذفراه نـضـخ عـبـير

جلت إذ جلت عن أهل نجدٍ حمـيدةً

 

جلاء غـنـىً لا جـلاء فـقـير

وقالت وما زادت على أن تبسمـت

 

عذيرك مـن ذي شـيبةٍ وعـذيري

عدمت الهوى ما يبرح الدهر مقصداً

 

لقلبي بسهمٍ فـي الـيدين طـرير

وقد كان قلبي مات للـوجـد مـوتةً

 

فقد هم قلبي بعـدهـا بـنـشـور

قال: فقلت: وما أضحكك؟ فقال: كذب ابن ميادة، والله ما جلت إلا على حمار وهو يذكر بعيراً ويصفه وأنها جلت جلاء غنى لا جلاء فقيرٍ، فأنطقه الشيطان بهذا كله كما سمعت.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موسى بن زهير قال: مكثت أم جحدر عند زوجها زماناً ثم مات زوجها عنها ومات ولدها منه، “فقدمت نجداً على إخوتها وقد مات أبوها “.

آخر عهده بها

أخبرني سيار بن نجيح المزني قال: لقيت ابن ميادة وهو يبكي فقلت له: ويحك! مالك؟ قال: أخرجتني أم جحدر وآلت يميناً ألا تكلمني، فانطلق فاشفع لي عندها؛ فخرجت حتى غشيت رواق بيتها فوجدتها وهي تدمك جريراً لها بين الصلاية والمدق تريد أن تخطم به بعيراً تحج عليه؛ فقالت: إن كنت جئت شفيعاً لابن ميادة فبيتي حرامٌ عليك أن تلقي فيه قدمك. قال: فحجت، ولا والله ما كلمته ولا رآها ولا رأته. قال موسى قال سيار: فقلت له: اذكر لي يوماً ما رأيته منها؛ فقال لي: أما والله لأخبرنك يا سيار بذلك: بعثت إليها عجوزاً منهم فقلت: هل ترين من رجالٍ؟ فقالت: لا والله، ما رأيت من رجل؛ فألقيت رحلي على ناقتي ثم أرسلتها حتى أنختها بين أطناب بيتهم؛ ثم جعلت أقيد الناقة، فما كان إلا ذاك حتى دخلت وقد ألقت لي فراشاً مرقوماً مطموماً، وطرحت لي وسادتين على عجز الفراش وأخريين على مقدمه؛ قال: ثم تحدثنا ساعةً وكأنما تلعقني بحديثها الرب من حلاوته، ثم إذا هي تصب في عس مخصوبٍ بالحناء والزعفران من ألبان اللقاح، فأخذت منها ذلك العس وكأنه قناةٌ فراوحته بين يدي، ما ألقمته فمي ولا دريت أنه معي حتى قالت لي عجوز: ألا تصلي يابن ميادة لا صلى الله عليك فقد أظلك صدر النهار! ولا أحسب إلا أنني في أول البكرة؛ قال: فكان ذلك اليوم آخر يومٍ كلمتها فيه حتى زوجها أبوها، وهو أظرف ما كان بيني وبينها.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني حكم بن طلحة الفزاري ثم المنظوري قال: قال ابن ميادة: إني لأعلم أقصر يومٍ مر بي من الدهر، قيل له: وأي يوم هو يا أبا الشرحبيل؟ قال: يومٌ جئت فيه أم جحدر باكراً فجلست بفناء بيتها فدعت لي بعس من لبن فأتيت به وهي تحدثني، فوضعته على يدي وكرهت أن أقطع حديثها إن شربت، فما زال القدح على راحتي وأنا أنظر إليها حتى فاتتني صلاة الظهر وما شربت.

قال الزبير: وحدثني أبو مسلمة موهوب بن رشيد بمثل هذا، وزاد في خبره: وقال ابن ميادة فيها أيضاً:

ألم تـر أن الـصـاردية جـاورت

 

ليالي بالمـمـدور غـير كـثـير

ثلاثاً فلـمـا أن أصـابـت فـؤاده

 

بسهمين من كحل دعت بهـجـير

بأحمر ذيال الـعـسـيب مـفـرج

 

كأن على ذفراه نـضـخ عـبـير

حلفت برب الراقصات إلى مـنـىً

 

زفيف القطا يقطعن بطن هـبـير

لقد كان حب الصاردية بـعـدمـا

 

علا في سواد الرأس نبـذ قـتـير

يكون سفاهـاً أو يكـون ضـمـانة

 

على ما مضى من نعمةٍ وعصور

عدمت الهوى لا يبرح الدهر مقصداً

 

لقلبي بسهمٍ في الـفـؤاد طـرير

وقد كان قلبي مات للحـب مـوتةً

 

فقد هم قلبي بعـدهـا بـنـشـور

جلت إذ جلت عن أهل نجد حمـيدةً

 

جلاء غـنـىً لا جـلاء فـقـير

ومما يغنى فيه من أشعار ابن ميادة في النسيب بأم جحدر “قوله “:

صوت

ألا يا لقومي للهوى والتذكـر

 

وعينٍ قذى إنسانها أم جحدر

فلم تر عيني مثل قلبي لم يطر

 

ولا كضلوعٍ فوقه لم تكسـر

الغناء لإسحاق ثقيلٌ أول بالوسطى. 

مات في صدر خلافة المنصور

قال أحمد بن إبراهيم: مات ابن ميادة في صدر من خلافة المنصور، وقد كان مدحه ثم لم يفد إليه ولا مدحه، لما بلغه من قلة رغبته في مدائح الشعراء وقلة ثوابه لهم.