ابن زيدون

ابـن زيـدون
1003- 1070م

هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله، الشّهير بابن زيدون. ولد في قرطبة من أعمال الأندلس، من أسرةٍ تنتمي إلى بني مخزوم، ونشأ فيها ودرس على أبيه وعُلماء قرطبة وأدبائها، فحفظ الكثير من الشعر واللغة والأخبار والسير والحكم والأمثال.

كانت قرطبة في ذلك العهد غاصّة بالعلماء والأدباء، وأهلها في رخاءٍ من العيش، ميّالون إلى اللّهو والطرب. فمَثّلهم ابن زيدون في شخصه أحسن تمثيل، إذ كان خفيف الروح، كثير الدّعابة، ميالاً إلى المجون، فنال شهرةً واسعةً في مجالس قرطبة الأدبية والإجتماعية. وكان للنساء أثر عظيم في هذه المجالس، ولبعضهن منتديات أدبية، فأثّر ذلك في أخلاق الأدباء، وتسابقوا إلى نيل الحظوة عند هؤلاء النّساء. وظهرت آثار ذلك في نثرهم ونظمهم. منهم ابن زيدون، وخاصّة في مواقفه من ولادة بنت المستكفي، ومنافسة ابن عبدوس له.

كان واسع الطّموح السياسي، شديد التأثر بالحبّ والجمال. وقد حمله طموحه على الإشتراك في ثورة ابن جهور على آخر خلفاء بَني أُميَّة، فاتّخذه بعد فوزه كاتبًا ووزيراً، ولقّبه بذي الوزارتين، وهو بعد شاب لم يبلغ الثّلاثين. وكان له حسّاده ومنافسوه حتى أَوْغروا صدر أميره عليه، فألقاه في السجن مع المجرمين، فأرهف الألم إحساسه وشاعريته، فنظم في سجنه قصائد كثيرة يستعطفه بها، ولكنه لم يستطع أن يليّن قلبه.

هرب من السّجن واختفى، واستجار بأبي الوليد ابن أميره فشفع به؛ ولما أصبح الأمر له استوزره. ثم خشي الشّاعر من كيد الحسّاد وأن يناله من الإبن ما ناله من أبيه، ففرّ إلى بني عباد في إشبيلية فاستوزروه، واستولوا على قرطبة بإغرائه وهمته، ونقلوا مقر ّ حكمهم إليها. ولكن ثورةً حدثت في إشبيلية، فأرسلوا ابن زيدون ليهدّئها، لما له من المكانة في قلوب أهلها، وكان شيخًا مريضًا، فتوفّي فيها.

أجمل شعر ابن زيدون قاله في ولاّدة التي أحبها بكل جوارحه، ولكنها لم تبادله هذا الحب الصّادق الصّافي، فنظم فيها قصائده الغزلية الرّقيقة الناعمة، وبثّ فيها لواعج قلبه، شاكياً إعراضها عنه، ولكن من دون جدوى.

وورد في “وفيات الأعيان” لابن خلكان: هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن احمد بن غالب بن زيدون المخزومي الندلسيالقرطبي الشاعر المشهور؛ قال ابن بسام صاحب الذخيرة في حقه: كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء بني مخزوم. أخذ من حر الأيام حراً، وفاق الأنام طراً، وصرف السلطان نفعاً وضراً، ووسع البيان نظماً ونثراً. إلى اديب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه. وشعر ليس للسحر بيانه، ولا للنجوم الزهر اقترانه. وحظ من النثر غريب المياني، شعري الألفاظ والمعاني. وكان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة، وبرع أدبه، وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه. ثم انتقل عن قرطبة إلى المعتضد عباد صاحب إشبيلية في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، فجعله من خواصه: يجالسه في خلواته، ويركن إلى إشاراته. وكان معه في صورة وزير. وذكر له شيئاً كثيراً من الرسائل والنظم، فمن ذلك قوله:

بيني وبينك ما لو شئت لم يضع

 

سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع

يا بائعاً حظه مني، ولـو بـذلـت

 

لي الحياة بحظي منـه لـم أبـع

يكفيك أنك إن حملت قلـبـي مـا

 

لا تستطيع قلوب الناس يستـطـع

ته أحتمل واستطل أصبر وعز أهن

 

وول أقبل وقل أسمع ومر أطـع

ومن شعره أيضاً:  

ودع الصبر محـب ودعـك

 

ذائع من سرع ما استودعك

يقرع السن على أن لم يكـن

 

زاد في تلك الخطا إذ شيعك

يا أخا البدر سنـاء وسـنـاً

 

حفظ الله زماناً أطلـعـك

إن يطل بعدك ليلي فلـكـم

 

بت أشكو قصر الليل معك

وله القصائد الطنانة، ولولا خوف الإطالة لذكرت بعضها.

ومن بديع قلائده قصيدته النونية التي منها:

نكاد حين تناجيكم ضمـائرنـا

 

يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

حالت لبعدك أيامنـا فـغـدت

 

سودا وكانت بكم بيضاً ليالينـا

بالأمس كناوما يخشى تفرقنـا

 

واليوم نحن وما يرجى تلاقينا

وهي طويلة، وكل أبياتها نخب، والتطويل يخرج بنا عن المقصود.

وكانت وفاته في صدر رجب سنة ثلاث وستين وأربعمائة بمدينة إشبيلية، رحمه الله تعالى، ودفن بها.

وذكر ابن بشكوال في كتاب الصلة أباه وأثنى عليه، وقال: كان يكنى أبا بكر. وتوفي بالبيرة سنة خمس وأربعمائة، وسيق إلى قرطبة فدفن بها يوم الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر من السنة. وكانت ولادته سنة أربع وخمسين وثلثمائة. وكان يخضب بالسواد، رحمه الله تعالى وكان لأبي الوليد المذور ابن يقال له أبو بكر، وتولى وزارة المعتمد بن عباد، وقتل يوم أخذ يوسف بن تاشفين قرطبة من ابن عباد المذكور لما استولى على مملكته، كما سيشرح بعد هذا في ترجمة المعتمد وابن ناشفين إن شاء الله تعالى، وذلك يوم الأربعاء ثاني صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وكان قتله بقرطبة.

وزيدون: بفتح الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الدال المهملة وعدها واو ونون.

واما القرطبي فقد تقدم الكلام في ضبطه فلا حاجة إلى إعادته، وذلك في ترجمة أحمد بن عبد ربه، مصنف كتاب العقد، وأخذها الفرنج من المسلمين في شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.

من أبرز قصائده:..

 يا غزالاً ! أصَارني
خَليلَيّ، لا فِطرٌ يَسُرّ وَلا أضْحَى
سقى الغيث أطلال الأحبة  بالحمى
قد نالني منك ما حسبي به وكفى
لمّا اتصلْتِ اتّصالَ الخلبِ بالكبدِ،