ابن دريد

ابـن دريـد
838- 933 م

هو محمد بن الحسن بن دريد الأزدي من ازد عمان، أبو بكر. من أئمة اللغة والأدب. ولد بالبصرة ونشأ فيها وأخذ العلم عن عمه الحسين وعن أبي حاتم السجستاني وسواهما.

رحل إلى نواحي فارس فقلده “آل ميكال” ديوان فارس ومدحهم بقصيدته “المقصورة”، ثم رجع إلى بغداد واتصل بالمقتدر العباسي وأقام فيها إلى أن توفي.

ابن دريد من علماء اللغة البارعين، كانوا يقولون: اين دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء. اشهر كتبه “الجمهرة” في اللغة، ألفه لبني مكيال حين كان في بلاطهم، وله أيضاً “المقصور والممدود، الملاحق، السحاب والغيث، صفة السرج واللجام.

لابن دريد ديوان شعر صغير يجري فيه على أسلوب العلماء، وفي هذا الديوان مدح وهجاء ورثاء وغزل وحكمة.

وجاء في “وفيات الأعيان” لابن خلكان: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن حسن بن حمامي بن جرو بن واسع بن وهب بن سلمة ابن حاضر بن أسد بن عدي بن عمرو بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، الأزدي اللغوي البصري إمام عصره في اللغة والآداب والشعر الفائق؛ قال المسعودي في كتاب مروج الذهب في حقه:وكان ابن دريد ببغداد ممن برع في زماننا هذا في الشعر، وانتهى في اللغة، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وأورد أشياء في اللغة لم توجد في كتب المتقدمين، وكان يذهب بالشعر كل مذهب، فطورا يجزل وطورا يرق، وشعره أكثر من أن نحصيه أو نأتي على أكثره أو يأتي عليه كتابنا هذا، فمن جيد شعره قصيدته المشهورة بالمقصورة التي يمدح بها الشاه ابن ميكال وولده، وهما عبد الله بن محمد بن ميكال وولده أبو العباس إسماعيل بن عبد الله، ويقال إنه أحاط فيها بأكثر المقصور، وأولها:

إما تري رأسي حـاكـى لـونـه

 

طرة صبح تحـت أذيال الـدجـى

واشتعل المبـيض فـي مـسـوده

 

مثل اشتعال النار في جزل الغضى

لا بن دريد من التصانيف المشهورة كتاب الجمهرة وهو من الكتب المعتبرة في اللغة، وله كتاب الأشتقاق وكتاب السراج واللجام وكتاب الخيل الكبير، وكتاب الخيل الصغير، وكتاب الأنواء وكتاب المقتبس وكتاب الملاحن وكتاب زوار العرب وكتاب اللغات وكتاب السلاح وكتا بغريب القرأن لم يكمله،وكتاب المجتبى وهو مع صغر حجمه كثير الفائدة،وكذلك الوشاح صغير مفيد.

وله نظم رائق جدا، وكان من تقدم من العلماء يقول: ابن دريد أعلم الشعراء وأشعر العلماء فمن أول شعر قاله قوله:

ثوب الشباب علي اليوم بهـجـتـه

 

وسوف تنزعه عنـي يد الـكـبـر

أنا ابن عشرين مازادت ولانقصـت

 

إن ابن عشرين من شيب على خطر

ومن مليح شعره قوله:

غراء لو جلت الخدود شعاعهـا

 

للشمس عند طلوعها لم تشرق

غصن على دعص تأود فوقـه

 

قمر تألق تحت ليل مطـبـق

لوقيل للحسن احتكم لم يعـدهـا

 

أو قيل خاطب غيرها لم ينطبق

وكأننا من فروعها في مغـرب

 

وكأننا من وجهها في مشـرق

تبدو فيهتف للعيون ضـياؤهـا

 

الويل حل بمقلة لم تـطـبـق

 وكانت ولادته بالبصرة في سكة صالح سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ونشأ بها وتعلم فيها، وأخذ عن أبي حاتم السجستاني والرياشي وعبد الرحمن بن عبد الله المعروف بابن أخي الأصمعي وأبي عثمان سعيد بن هارون الأشنانداني صاحب كتاب المعاني وغيرهم، ثم انتقل عن البصرة مع عمه الحسين عند ظهور الزنج وقتلهم الرياشي – كماسبق في ترجمته – وسكن عمان وأقام بها اثنتي عشرة سنة، ثم عاد إلى البصرة وسكنها زمانا، ثم خرج إلى نواحي فارس وصحب ابني ميكال، وكانا يومئذ على عمالة فارس، وعمل لهما كتاب الجمهرة وقلداه ديوان فارس، وكانت تصدر كتب فارس عن رأيه، ولا ينفذ أمر إلا بعد توقيعه، فأفاد معهما أموالا عظيمة، وكان مفيدا مبيدا لا يمسك درهما سخاء وكرما، ومدحهما بقصيدته المقصورة فوصلاه بعشرة آلاف درهم، ثم انتقل من فارس إلى بغداد، ودخلها سنة ثمان وثلثمائة بعد عزل ابني ميكال وانتقالهما إلى خراسان.ولما وصل إلى بغداد أنزله علي بن محمد الحواري في جواره وأفضل عليه، وعرف الإمام المقتدر خبره ومكانه من العلم، فأمر أن يجرى عليه خمسون دينارا في كل شهر، ولم تزل جارية عليه إلى حين وفاته.

وكان واسع الرواية لم ير أحفظ منه، وكان يقرأ عليه دواوين العرب فيسابق إلى إتمامها من حفظه، وسئل عنه الدار قطني، أثقة هو أم لا؟ فقال: تكلموا فيه، وقيل إنه كان يتسامح في الرواية فيسند إلى كل واحد ما يخطر له. وقال أبو منصور الأزهري اللغوي: دخلت عليه فرأيته سكران، فلم أعد إليه.وقال ابن شاهينك كنا ندخل عليه ونستحيي مما نرى من العيدان المعلقة والشراب المصفى. وذكر أن سائلا سأله شيئا فلم يكن عنده غير دن من نبيذ فوهبه له، فأنكر عليه أحد غلمانه، وقال تتصدق بالنبيذ؟ فقال: لم يكن عندي شيء سواه، ثم أهدي له بعد ذلك عشرة دنان من النبيذ، فقال لغلامه: أخرجنا دنا فجاءنا عشرة، وينسب إليه من هذه الأمور شيء كثير.

وعرض له في رأس التسعين من عمره فالج سقي له الترياق فبرئ منه وصح ورجع إلى أفضل أحواله، ولم ينكر من نفسه شيئا ورجع إلى إسماع تلامذته وإملائه عليهم، ثم عاوده الفالج بعد حول لغذاء ضار تناوله، فكان يحرك يديه حركة ضعيفة، وبطل من محزمه إلى قدميه، فكان إذا دخل عليه الداخل ضج وتألم لدخوله وإن لم يصل إليه، قال تلميذه أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي المعروف بالبغدادي – المقدم ذكره -: فكنت أقول في نفسي: إن الله عز وجل عاقبه بقوله في قصيدته المقصورة – المقدم ذكرها – حين ذكر الدهر:

مارست من لو هوت في الأفلاك من

 

جوانب الجو عـلـيه مـا شـكـا

وكان يصيح لذلك صياح من يمشي عليه أويسل بالمسال، والداخل بعيد منه، وكان مع هذه الحال ثابت الذهن كامل العقل، يرد فيما يسأل عنه ردا صحيحا؛قال أبو علي: وعاش بعد ذلك عامين، وكنت أسأله عن شكوكي في اللغة وهو بهذه الحال فيرد بأسرع من النفس بالصواب. وقال لي مرة وقد سألته عن بيت شعر: لئن طفئت شحمتا عيني لم تجد من يشفيك من العلم، قال أبو علي: ثم قال لي: يابني، وكذلك قال لي أبو حاتم وقد سألته عن شيء، ثم قال لي أبو حاتم: وكذلك قال لي الأصمعي وقد سألته. وقال أبو علي: وآخر شيء سألته عنه جاوبني أن قال لي: يابني حال الجريض دون القريض، فكان هذا الكلام آخر ماسمعته منه وكان قبل ذلك كثيرا ما يتمثل:

فواحزني أن لا حـياة لـذيذة

 

ولاعمل يرضى به الله صالح

وقال المرزباني،قال لي ابن دريد: سقطت من منزلي بفارس، فانكسرت ترقوتي، فسهرت ليلتي، فلما كان آخر الليل غمضت عيني فرأيت رجلا طويلا أصفر الوجه كوسجا دخل علي وأخذ بعضادتي الباب وقال: أنشدني أحسن ما قلت في الخمر، فقلت: ما ترك أبو نواس لأحد شيئا، فقال: أنا أشعر منه، فقلت: ومن أنت؟ فقال: أنا أبو ناجية من أهل الشام، وأنشدني:

وحمراء قبل المزج صفراء بعـده

 

أتت بين ثوبي نرجـس وشـقـائق

حكت وجنة المعشوق صرفا فسلطوا

 

عليها مزاجا فاكتست لون عاشـق

فقلت له: أسأت، فقال: ولم؟ قلت: لأنك قلت وحمراء فقدمت الحمراء ثم قلت بين ثوبي نرجس وشقائق فقدمت الصفرة، فهلا قدمتها على الأخرى، فقال: ما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يابغيض؟  وجاء في رواية أخرى أن الشيخ أبا علي الفارسي النحوي قال: أنشدني ابن دريد هذين البينين لنفسه، وقال: جاءني إبليس في المنام وقال: أغرت على أبي نواس؟فقلت: نعم فقال: أجدت إلا أنك أسأت في شيء، ثم ذكر بقية الكلام إلى آخره، والله أعلم.

وتوفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، ودفن بالمقبرة المعروفة بالعباسية من الجانب الشرقي في ظهر سوق السلاح بالقرب من الشارع الأعظم. وتوفي في ذلك اليوم أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي الجبائي المتكلم المعتزلي – المقدم ذكره – فقال الناس: اليوم مات علم اللغة والكلام. ويقال إنه عاش ثلاثا وتسعين سنة لاغير، ورثاه جحظة البرمكي – المقدم ذكره -بقوله:  

فقدت بـابـن دريد كـل فـائدة

 

لما غدا ثالث الأحجار والتـرب

وكنت أبكي لفقد الجود منفـردا

 

فصرت أبكي لفقد الجود والأدب

من قصائده: ..

لنْ تستطيعَ لأمرِ اللهِ تعقيبا
أَمَاطَتْ لِثَاماً عَنْ أَقَاحِي الدَّمَائِثِ
الساقُ والأذنُ والفخذانِ والكبدُ
بنفسي ثرى ً ضاجعتَ في بيتهِ البلى
وَمَا أَحَدٌ مِنْ أَلْسُنِ النِّاسِ سَالِماً
ليسَ المقصرُ وانياً كالمقصرِ
جزعتْ أنْ يقالَ دامٍ عبيطُ
مقلَ الجآذرِ نبلها الألحاظُ
بِمُلْتَفَتَيْهِ لِلْمَشِيبِ طَوَالعُ
إِنَّمَا فَازَتْ قِدَاحُ المَنَايَا
أعنِ الشمسِ عشاءً
دِيَارُ الحَيِّ بالرَّسِّ
غَرَّاءُ لَوْ جَلَتِ الخُدُورُ شُعَاعَهَا
أَرَى النَّاسَ قَدْ أَغْرُوا بِبَغْيٍ وَرِيَبة
ولهٌ نابهٌ وخطبٌ جليلُ
لاَ يَفُوتُ المَوْتَ مِنْ حَذَرٍ
عَلَى أَيِّ رَغْمٍ ظَلْتُ أَغْضِي وَأُكْظِمُ
بِنَا لاَ بِكَ الوَصَبُ المُؤْلِمُ
وَإِذَا قَرَأَتَ كَلاَمَهُ قَدَّرْتَهُ
مَا طَابَ فَرْعٌ لاَ يَطِيبُ أَصلُهُ