ابن الفارض

ابن الفارض
1181- 1235م

يُرجع ابن الفارض نسبه إلى بني سعد. والده سوري، حموي الأصل، هاجر إلى مصر واستقر بها. وكان يثبت الفروض للنساء على الرجال بين يدي الحكام فلقب بالفارض.

ولد ابن الفارض واسمه عمر بن علي في القاهرة بمصر. وكان لوالده يد كبيرة في ثقافته وفي تكييف نزعاته النفسية. قال ابن العماد الحنبلي: ” نشأ تحت كنف أبيه في عفاف وصيانة وعبادة، بل زهد وقناعة وورع، وأسدل عليه لباسه وقناعه. فلما شب وترعرع اشتغل بفقه الشافعية، وأخذ الحديث عن ابن عساكر”.

ظهر فيه منذ أوائل شبابه ميل إلى التديّن والتلذذ بالتجرد الروحي على طريقة المتصوفين. فكان يستأذن والده في الانفراد للعبادة والتأمل. ويظهر أنه كان في جبل المقطم مكان خاص يعرف بوادي المستضعفين يختلف إليه المتجردون، فحبب إلى ابن الفارض الخلاء فيه، فتزهد وتجرد. وكان يأوي إلى ذلك المكان أحيانا. ثم انقطع عنه ولزم أباه. فلما توفي الوالد عاد الولد إلى التجرّد والسياحة الروحية. ثم قُيّض له رجل من الأتقياء أشار عليه أن يقصد مكة. فقصدها وأقام فيها مجاورا نحو 15 سنة. وهناك بين المناسك المقدسة نضجت شاعريته وكملت مواهبه الروحية. ثم عاد إلى مصر، وكانت يومئذ تحت سيادة الأيوبيين، وقد عنوا كل العناية بفتح المدارس والمعاهد فيها، فتجددت في أيامهم الروح الدينية والتعاليم السّنية. حدث ذلك على أثر انتصاراتهم على الصليبيين، تلك الانتصارات التي وطّدت مركزهم في مصر والشام والحجاز، وتركت لهم في تاريخ الشرق الإسلامي ذكرى خالدة.

يجمع مؤرخو ابن الفارض على أنه كان ورعاً وقوراً طيب الأقوال والأفعال. كان شديد التأثر بالجمال إلى درجة الانفعال العصبي يسحره جمال الشكل حتى في الجمادات. وقد يسحره جمال الألحان. فإذا سمع إنشاداً جميلاً استخفه الطرب فتواجد ورقص ولو على مشهد من الناس. ونقل عن ولده أن الشيخ كان ماشياً في السوق بالقاهرة، فمرّ على جماعة يضربون بالناقوس ويغنون. فلما سمعهم صرخ صرخة عظيمة ورقص رقصاً كثيراً في وسط السوق، ورقصت جماعة كثيرة من المارّين. وتواجد الناس إلى أن سقط أكثرهم إلى الأرض. ثم خلع الشيخ ثيابه ورمى بها إليهم وحُمِل بين الناس إلى الجامع الأزهر وهو عريان مكشوف الرأس وفي وسطه لباسه. وأقام في هذه النوبة العصبية ملقى على ظهره مسجى كالميت.

أشهر ما في ديوانه التائية الكبرى التي عرفت “بنظم السلوك” عرض فيها مذهبه الصوفي، ثم الميمية في المعرفة الإلهية ومطلعها:

شربنا على ذكر الحبيب مَدامة          سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم

وورد في “وفيات الأعيان” لابن خلكان: هو أبو حفص وأبو القاسم عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي، الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، المعروف بابن الفارض، المنعوت بالشرف؛ له ديوان شعر لطيف، وأسلوبه فيه رائق ظريف ينحو منحى طريقة الفقراء؛ وله قصيدة مقدار ستمائة بيت على اصطلاحهم ومنهجهم، وما ألطف قوله في جملة قصيدة طويلة:

أهلاً بما لم أكن أهلاً لموقـعـه

 

قول المبشر بعد اليأس بالفـرج

لك البشارة فاخلع ما عليك فقـد

 

ذكرت ثم على ما فيك من عوج

وقوله من قصيدة أخرى:

لم أخل من حسدٍ عليك فلا تـضـع

 

سهري بتشنيع الخيال المـرجـف

واسأل نجوم الليل هل زار الكـرى

 

جفني؟ وكيف يزور من لم يعرف؟

ومنها:

وعلى تفنن واصفيه بحـسـنـه

 

يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف

وله دوبيت ومواليا وألغاز.

وسمعت أنه كان رجلاً صالحاً كثير الخير، على قدم التجرد، جاور بمكة، زادها الله تعالى شرفاً، زماناً. وكان حسن الصحبة محمود العشرة، أخبرني عنه بعض أصحابه أنه ترنم يوماً وهو في خلوة ببيت الحريري، صاحب ” المقامات ” وهو:

من ذا الذي ما ساء قط

 

ومن له الحسنى فقط

قال: فسمع قائلاً ولم ير شخصه وقد أنشد:

محمد الهادي الذي

 

عليه جبريل هبط

وأنشدني له جماعة من أصحابه مواليا في غلام صنعته الجزارة، وهو كيس، ولم أره في ديوانه:

قلتو لجزر عشقتو كم تشرخني

 

قتلتني قال ذا شغلي توبخنـي

ومل إلي وبس رجلي يربخني

 

يريد ذبحي فينفخني ليسلخني

وقد كتبته على اصطلاحهم فإنهم لا يراعون فيه الإعراب والضبط بل يجوزون فيه اللحن، بل غالبه ملحون، فلا يؤاخذ من يقف عليه.

وكان يقول: عملت في النوم بيتين، وهما:

وحـياة أشـواقـي إلـي

 

ك وحرمة الصبر الجميل

لا أبصرت عينـي سـوا

 

ك ولا صبوت إلى خليل

وكانت ولادته في الرابع من ذي القعدة سنة ست وسبعين وخمسمائة بالقاهرة. وتوفي بها يوم الثلاثاء الثاني من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ودفن من الغد بسفح المقطم، رحمه الله تعالى.

والفارض: بفتح الفاء وبعد الألف راء مفتوحة وبعدها ضاد معجمة، وهو الذي يكتب الفروض للنساء على الرجال.

وجاء في “سير أعلام النبلاء“: شاعر الوقت شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي ثم المصري صاحب الاتحاد الذي قد ملأ به التائية.

توفي سنة اثنتين وثلاثين، وله ست وخمسون سنة.

روى عن القاسم بن عساكر.

حدث عنه المنذري. فإن لم يكن في تلك القصيدة صريح الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده، فما في العالم زندقة ولا ضلال، اللهم ألهمنا التقوى، وأعذنا من الهوى فيا أئمة الدين ألا تغضبون الله؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله.

توفي في جمادى الأولى، وقد حج وجاور، وكان بزنق الفقر. وشعره في الذروة لا يلحق شأوه.

من قصائده:..

جوركم على عدل
قلبي يحدثني
ما بين معترك الأحداق والمهج
سائق الأطعان يطوي البيد طي
صدُّ حمى ظمئي لماكَ لماذا
نَعَمْ، بالصَّبا، قلبي صبا لأحِبّتي؛
فلفظٌ، وكُلّي بي لِسانٌ مُحَدِّثٌ،
أوَميضُ بَرْقٍ، بالأُبَيرِقِ، لاحا،
ما بَينَ ضالِ المُنحَنى وظِلالِهِ،
هلْ نارُ ليلى بَدت ليلاً بِذي سَلَمِ،
خفِّفِ السَّيرَ واتّئِدْ، يا حادي،
شربنا على ذكرِ الحبيبِ مدامة ً
إحفَظْ فُؤادَكَ، إن مَرَرْتَ بحاجِرِ،
أبَرْقٌ، بدا من جانِبِ الغَورِ، لامعُ،
زدني بفرطِ الحبِّ فيكَ تحيُّراً
أرى البُعدَ لم يُخْطِرْ سواكم على بالي،
نسخْتُ بحُبّي آية َ العِشقِ من قبلي،
نشرتُ في موكبِ العشَّاقِ أعلامي