ابن الدمينة

ابن الدمينة
تو سنة 130 هــ 747 م

هو عبد اللّه بن عبيد اللّه أحد بني عامر والدمينة أمهُ وهي من بني سلول ويكنى أبا السرى وهو شاعر مشهور دقيق المعاني رقيق التشبيب وكان الناس في الصدر الأول يستحلون شعره ويتغنون به.

وورد في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: الدمينة أمه، وهي الدمينة بنت حذيفة السلولية، واسم ابن الدمينة عبد الله بن عبيد الله، أحد بني عامر بن تيم الله بن مبشر بن أكلب بن ربيعة بن عفرس بن حلف بن أفتل وهو خثعم بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك.

وقيل: إن أكلب هو ابن ربيعة بن نزار ليس ابن ربيعة بن عفرس، وإنهم حالفوا خثعم ونزلوا فيها فنسبوا إليهم.

ويكنى ابن الدمينة أبا السري.

وكان بلغه أن رجلاً من أخواله من سلول يأتي امرأته ليلاً فرصده حتى أتاها فقتله، ثم قتلها بعده، ثم اغتالته سلول بعد ذلك فقتلته.

أخبرني بخبره علي بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا أبو سعيد السكري، عن محمد بن حبيب، عن أبي عبيدة وابن الأعرابي، وأضفت إلى ذلك ما رواه الزبير بن بكار عن أصحابه، وما اتفقت الروايتان فيه، فإذا اختلفتا نسبت كل خبر إلى راويه.

سلولي يرمي بامرأته:

قال الزبير: حدثني موهوب بن رشيد الكلابي، وإبراهيم بن سعد السلمي، وعمر بن إبراهيم السعدي، عن ميناس بن عبد الصمد، عن مصعب بن عمرو السلولي، أخي مزاحم بن عمرو، قالوا جميعاً: إن رجلاً من سلول يقال له مزاحم بن عمرو كان يرمى بامرأة ابن الدمينة، وكان اسمها حماء، قال السكري: كان اسمها حمادة، فكان يأتيها ويتحدث إليها حتى اشتهر ذلك، فمنعه ابن المدينة من إتيانها، واشتد عليها.

مزاحم يشهر به:

فقال مزاحم يذكر ذلك – وهذا من رواية ابن حبيب، وهي أتم وأصح -:

يابن الدمينة والأخبار يرفـعـهـا

 

وخد النجائب والمحقور يخفـيهـا

يابن الدمينة إن تغضب لما فعلـت

 

فطال خزيك أو تغضب مواليهـا

أو تبغضوني فكم من طعنة نـفـذ

 

يغذو خلال اختلاج الجوف غاذيها

جاهدت فيها لكم إني لـكـم أبـداً

 

أبغي معايبكم عـمـداً فـآتـيهـا

فذاك عندي لكم حتى تـغـيبـنـي

 

غبراء مظلمة هـار نـواحـيهـا

أغشى نساء بني تيم إذا هجـعـت

 

عني العيون ولا أبغي مقـاريهـا

كم كاعب من بني تيم قعدت لـهـا

 

وعانس حين ذاق النوم حامـيهـا

كقعدة الأعسر العلفوف منتـحـياً

 

متينة من متون النبـل ينـحـيهـا

وشهقة عند حس الماء تشهـقـهـا

 

وقول ركبتها: قض ، حين تثنيهـا

علامة كية ما بـين عـانـتـهـا

 

وبين سبتـهـا لا شـل كـاويهـا

وتعدل الأير إن زاغت فتبـعـثـه

 

حتى يقيم برفق صـدره فـيهـا

بين الصفوقين في مستهدف ومـد

 

ذي حرة ذاق طعم الموت صاليها

ماذا ترى ابن عبيد الله في امـرأة

 

ليست بمحصنة عذراء حـاويهـا

أيام أنت طـريد لا تـقـاربـهـا

 

وصادف القوس في الغرات باريها

ترى عجوز بني تـيم مـلـفـعة

 

شمطاً عوارضها ربداً دواهـيهـا

إذ تجعل الدفنس الورهاء عذرتهـا

 

قشارة مـن أديم ثـم تـفـريهـا

حتى يظل هدان القوم يحسـبـهـا

 

بكراً وقبل هوى في الدار هاويها

يستدرج مزاحماً ويقتله قال الزبير عن رجاله، وابن حبيب عن ابن الأعرابي: لما بلغ ابن الدمينة شعر مزاحم أتى امرأته فقال لها: قد قال فيك هذا الرجل ما قال، وقد بلغك! قالت: والله ما أرى ذلك مني قط. قال: فمن أين له العلامات؟ قالت: وصفهن له النساء. قال: هيهات والله أن يكون ذلك كذلك. ثم أمسك مدة وصبر حتى ظن أن مزاحماً قد نسي القصة، ثم أعاد عليها القول، وأعادت الحلف أن ذلك مما وصفه له النساء. فقال لها: والله لئن لم تمكنين منه لأقتلنك. فعلمت أنه سيفعل ذلك، فبعثت إليه وواعدته ليلاً، وقعد له ابن الدمينة وصاحب له، فجاءها للموعد، فجعل يكلمها وهي مكانها فلم تكلمه، فقال لها: يا حماء، ما هذا الجفاء الليلة؟ قال: فتقول له هي بصوت ضعيف: ادخل، فدخل فأهوى بيده ليضعها عليها، فوضعها على ابن الدمينة، فوثب عليه هو وصاحبه، وقد جعل له حصى في ثوب، فضرب بها كبده حتى قتله، وأخرجه فطرحه ميتاً، فجاء أهله فاحتملوه، ولم يجدوا به أثر السلاح، فعلموا أن ابن الدمينة قتله.

يهجو سلولاً قال الزبير في حديثه: وقد قال ابن الدمينة في تحقيق ذلك :

قالوا: هجتك سلول اللؤم مخـفـية

 

فاليوم أهجو سلولاً لا أخـافـيهـا

قالوا: هجاك سلولي، فقلت لـهـم:

 

قد أنصف الصخرة الصماء راميها

رجالهم شر من يمشي ونسوتـهـم

 

شر البرية واستٌ ذل حـامـيهـا

يحككن بالصخر أستاهاً بها نـقـب

 

كما يحك نقاب الجرب طالـيهـا

قال: وقال أيضاً يذكر دخول مزاحم ووضعه يده عليه:

لك الخير إن واعدت حماء فالقها

 

نهاراً، ولا تدلج إذا الليل أظلما

فإنك لا تدري أبيضاء طـفـلة

 

تعانق أم ليثاً من القوم قشعمـا

فلما سرى عن ساعدي ولحيتـي

 

وأيقن أني لست حماء جمجمـا

يقتل امرأته وصغيرة له منها:

قالوا جميعاً: ثم أتى ابن الدمينة امرأته، فطرح على وجهها قطيفة، ثم جلس عليها حتى قتلها، فلما ماتت قال :

إذا قعدت على عرنين جـارية

 

فوق القطيفة فادعوا لي بحفار

فبكت بنية له منها، فضرب بها الأرض فقتلها، وقال متمثلاً: “لا تتخذن من كلب سوء جرواً “.

أخو المقتول يستعدي الوالي قال الزبير في خبره، عن عمه مصعب، عن حميد بن أنيف، قال: فخرج جناح أخو المقتول إلى أحمد بن إسماعيل فاستعداه على ابن الدمينة، فبعث إليه فحبسه.

أم المقتول تحضض أخويه على الثأر وقالوا جميعاً: قالت أم أبان والدة مزاحم بن عمرو المقتول، وهي من خثعم، ترثي ابنها، وتحضض مصعباً وجناحاً أخويه :

بأهلي ومالي، بل بجل عشـيرتـي

 

قتيل بنـي تـيم بـغـير سـلاح

فهلا قتلتم بالسلاح ابن أخـتـكـم

 

فتظهر فيه للـشـهـود جـراح

فلا تطعموا في الصلح ما دمت حية

 

وما دام حياً مصـعـب وجـنـاح

ألم تعلمـوا أن الـدوائر بـينـنـا

 

تدور، وأن الطالـبـين شـحـاح

اشتداد الشر بين خثعم وبني سلول:

قالوا: فلما طال حبسه، ولم يجد عليه أحمد بن إسماعيل سبيلاً ولا حجة خلاه، وقتلت بنو سلول رجلاً من خثعم مكان المقتول، وقتلت خثعم بعد ذلك نفراً من سلول. ولهم في ذلك قصص وأشعار كثيرة. 

قالوا: وأقبل ابن الدمينة حاجاً بعد مدة طويلة، فنزل بتبالة ، فعدا عليه مصعب أخو المقتول لما رآه، وقد كانت أمه حرضته عليه، وقالت: اقتل ابن الدمينة، فإنه قتل أخاك، وهجا قومك، وذم أختك، وقد كنت أعذرك قبل هذا، لأنك كنت صغيراً، وقد كبرت الآن. فلما أكثرت عليه خرج من عندها، وبصر بابن الدمينة واقفاً ينشد الناس، فغدا إلى جزار فأخذ شفرته، وعدا على ابن الدمينة، فجرحه جراحتين، فقيل: إنه مات لوقته. وقيل: بل سلم تلك الدفعة، ومر به مصعب بعد ذلك وهو في سوق العبلاء ينشد، فعلاه بسيفه حتى قتله، وعدا وتبعه الناس حتى اقتحم داراً وأغلقها على نفسه، فجاءه رجل من قومه فصاح به: يا مصعب، إن لم تضع يدك في يد السلطان قتلتك العامة فاخرج، فلما عرفه قال له: أنا في ذمتك حتى تسلمني إلى السلطان؟ قال: نعم، فخرج إليه ووضع يده في يده، فسلمه إلى السلطان، فقذفه في سجن تبالة.

يحرض قومه ويوبخهم:

قال السكري في خبره: ومكث ابن الدمينة جريحاً ليلته، ومات في غد، فقال في تلك الليلة يحرض قومه ويوبخهم:

هتفت بأكلب ودعوت قيسـاً

 

فلا خذلاً دعوت ولا قلـيلا

ثأرت مزاحماً وسررت قيساً

 

وكنت لما هممت به فعولا

فلا تشلـل يداك ولا تـزالا

 

تفيدان الغنائم والـجـزيلا

فلو كان ابن عبد اللـه حـيا

 

لصبح في منازلها سلـولا

مصعب السلولي يحرض قومه لإنقاذه قال: وبلغ مصعباً أن قوم ابن الدمينة يريدون أن يقتحوا عليه سجن تبالة فيقتلوه به غيلة؛ فقال يحرض قومه:

لقيت أبا السري وقد تـكـالا

 

له حق العداوة في فـؤادي

فكاد الغيظ يفرطنـي إلـيه

 

بطعن دونه طعن الـسـداد

إذا نبحت كلاب السجن حولي

 

طمعت هشاشة وهفا فؤادي

طماعة أن يدق السجن قومي

 

وخوفاً أن يبيتنـي الأعـادي

فما ظني بقومي شـر ظـن

 

ولا أن يسلموني في البـلاد

وقد جدلت قاتلهم فأمـسـى

 

يمج دم الوتين على الوسـاد

هروب مصعب السلولي إلى صنعاء فجاءت بنو عقيل إليه ليلاً، فكسروا السجن، وأخرجوه منه.

قال مصعب: فلما أفلت من السجن هرب إلى صنعاء، فقدم علينا وأبى بها يومئذ وال، فنزل على كاتب لأبي كان مولى لهم، فرأيته حينئذ ولم يكن جلداً من الرجال.

مما يغني به من شعره:

ومما يغنى به من شعر ابن الدمينة قوله من قصيدة أولها :

اقمت على زمان يومـاً ولـيلة

 

لأنظر ما واشي أميمة صانـع

فقصرك مني كل عام قصـيدة

 

تخب بها خوص المطي النزائع

وهذه القصيدة ذكر أحمد بن يحيى ثعلب أن عبد الله بن شبيب أنشده إياها، عن محمد بن عبد الله الكراني لابن الدمينة. والذي يغنى به منها قوله : صوت

أقضي نهاري بالحديث وبالمنى

 

ويجمعني والهم بالليل جامـع

نهاري نهار الناس حتى إذا بـدا

 

لي الليل شاقتني إليك المضاجع

لقد ثبتت في القلب منك محـبة

 

كما ثبتت في الراحتين الأصابع

غناه إبراهيم رملاً بالوسطى، عن عمرو بن بانة.

يحب أميمة ويتزوجها:

نسخت من كتاب أبي سعد، قال: حدثنا ابن أبي السري، عن هشام، قال: هوي ابن الدمينة امرأة من قومه يقال لها أميمة، فهام بها مدة، فلما وصلته تجنى عليها، وجعل ينقطع عنها، ثم زارها ذات يوم فتعاتبا طويلاً، ثم أقبلت عليه فقالت : صوت

وأنت الذي أخلفتني ما وعدتنـي

 

وأشمت بي من كان فيك يلـوم

وأبرزتني للناس ثم تركتـنـي

 

لهم غرضاً أرمى وأنت سلـيم

فلو أن قوماً لا يكلم الجسم قد بدا

 

بجسمي من قول الوشاة كلـوم

الشعر لأميمة: امرأة ابن الدمينة، والغناء لإبراهيم الموصلي خفيف رمل بالوسطى، عن عمرو والهشامي. وذكر حبش أن لإبراهيم أيضاً فيه لحناً من الثقيل الأول بالوسطى، وذكر حكم الوادي أن هذا اللحن ليعقوب الوادي، وفيه لعريب خفيف ثقيل.

قال: فأجابها ابن الدمينة، فقال :

وأنت التي قطعت قلبي حزازة

 

ومزقت قرح القلب فهو كليم

وأنت التي كلفتني دلج السـرى

 

وجون القطا بالجلهتين جثـوم

وأنت التي أحفظت قومي فكلهم

 

بعيد الرضا داني الصدود كظيم

قال: ثم تزوجها بعد ذلك، وقتل وهي عنده.

قصة عاشقين:

فأخبرني الحسين بن يحيى، قال: قال حماد بن إسحاق: حدثني أبي، قال: حدثنا سعيد بن سلم، عن أبي الحسن الينبعي، قال: بينا أنا وصديق لي من قريش نمشي بالبلاط ليلاً إذا بظل نسوة في القمر، فالتفتنا فإذا بجماعة نسوة، فسمعت واحدة منهن وهي تقول: أهو هو؟ فقالت الأخرى: نعم، والله إنه لهو هو. فدنت مني ثم قالت: يا كهل، قل لهذا الذي معك:

ليست لياليك في خاخ بعائدة

 

كما عهدت ولا أيام ذي سلم

فقلت له: أجب، فقد سمعت. فقال: قد والله قطع بي، وأرتج علي، فأجب عني، فالتفت إليها ثم قلت:

فقلت لها: يا عز كل مصـيبة

 

إذا وطنت يوماً لها النفس ذلت

فقالت المرأة: أوه! ثم مضت ومضينا، حتى إذا كنا بمفرق طريقين مضى الفتى إلى منزله، ومضيت أنا إلى منزلي؛ فإذا أنا بجويرية تجذب ردائي، فالتفت إليها، فقالت: المرأة التي كلمتك تدعوك. فمضيت معها حتى دخلت داراً، ثم صرت إلى بيت فيه حصير، وثنيت لي وسادة فجلست عليها، ثم جاءت جارية بوسادة مثنية فطرحتها، وجاءت المرأة فجلست عليها، وقالت: أنت المجيب؟ قلت: نعم. قالت: ما كان أفظ جوابك وأغلظهّ! قلت: والله ما حضرني غيره. فبكت، ثم قالت لي: والله ما خلق الله خلقاً أحب إلي من إنسان كان معك. قلت: أنا الضامن لك عنه ما تحبين. قالت: أو تفعل. قلت: نعم. فوعدتها أن آتيها به في الليلة القابلة. وانصرفت، فإذا الفتى ببابي، فقلت: ما جاء بك؟ قال: علمت أنها سترسل إليك، وسألت عنك فلم أجدك فعلمت أنك عندها، فجلست أنتظرك. فقتل: فقد كان كل ما ظننت، ووعدتها أن آتيها بك في الليلة القابلة. فمضى ثم أصبحنا فتهيأنا، ورحنا فإذا الجارية تنتظرنا، فمضت أمامنا، حتى دخلنا الدار، فإذا برائحة الطيب، وجاءت فجلست ملياً، ثم أقبلت عليه فعاتبته طويلاً، ثم قالت: صوت

وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني

 

وأشمت بي من كان فيك يلوم

وابرزتني للناس ثم تركتنـي

 

لهم غرضاً أرمي وأنت سليم

فلو أن قولاً يكلم الجسم قد بدا

 

بجسمي من قول الوشاة كلوم

ثم سكتت، فسكت الفتى هنيهة، ثم قال:

غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخن

 

وفي دون هذا للمحـب عـزاء

جزيتك ضعف الود ثم صرمتني

 

فحبك في قلـبـي إلـيك أداء

فالتفتت إلي وقالت: ألا تسمع ما يقول؟ قد أخبرتك! قال: فغمزته فكف، ثم قالت : صوت

تجاهلت وصلي حين لجت عمايتي

 

وهلا صرمت الحبل إذ أنا مبصر!

ولي من قوى الحبل الذي قطعتـه

 

نصيب وإذ رايي جميع مـوفـر

ولكنما آذنت بـالـصـرم بـغـتة

 

ولست على مثل الذي جئت أقـدر

غنى في هذه الأبيات إبراهيم الموصلي ثقيل أول بالوسطى عن عمرو، وذكر حبش أن فيها ثاني ثقيل بالبنصر. قال: فقال الفتى مجيباً لها:

لقد جعلت نفسي وأنت اجترمتهوكنت أحب الناس عنك تطيب

فبكت، ثم قالت: أو قد طابت نفسك! لا والله ما فيك خير بعدها، فعليك السلام. ثم قامت والتفتت إلي، وقالت: قد علمت أنك لا تفي بضمانك عنه، وانصرفنا.

العباس بن الأحنف ينشد شعراً له:

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، قال: حدثني أبي، قال: كان العباس بن الأحنف إذا سمع شيئاً يستحسنه أطرفني به، وافعل مثل ذلك، فجاءني يوماًن فوقف بين البابين، وأنشد لابن الدمينة : صوت

ألا يا صبا نجد متى هجت من نجـد

 

فقد زادني مسراك وجداً على وجد

أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى

 

على فنن غض النبات من الرنـد

بكيت كما يبكي الحـزين صـبـابة

 

وذبت من الشوق المبرح والصـد

بكيت كما يبكي الوليد، ولم تـكـن

 

جزوعاً وأبديت الذي لم تكن تبـدي

وقد زعموا أن المـحـب إذا دنـا

 

يمل وأن النأي يشفى من الـوجـد

بكل تداوينا فلـم يشـف مـا بـنـا

 

على أن قرب الدار خير من البعد

وزيد على ذلك بيت، وهو:

ولكن قرب الدار ليس بنافـع

 

إذا كان من تهواه ليس بذي ود

ثم ترنح ساعة، وترجح أخرى، ثم قال: أنطح العمود برأسي من حسن هذا! فقلت: لا، ارفق بنفسك.

الغناء في هذه الأبيات لإبراهيم له فيه لحنان: أحدهما ماخوري بالبنصر أوله البيت الثاني، والآخر خفيف ثقيل بالوسطى أوله البيت الأول.

ابن هرمة وصديق له أخبرني الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني عبد الله بن إبراهيم الجمحي، قال: حدثني أحمد بن سعيد عن ابن زبنج راوية ابن هرمة، قال: لقي ابن هرمة بعض أصدقائه بالبلاط، فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من المسجد، قال: فأي شيء صنعت هناك؟ قال: كنت جالساً مع إبراهيم بن الوليد المخزومي، قال: فأي شيء قال لك؟ قال: أمرني أن أطلق امرأتي. قال: فأي شيء قلت له؟ قال: ما قلت له شيئاً. قال: فوالله ما قال لك ذلك إلا لأمر أظهرته عليه وكتمتنيه، أفرأيت إن أمرته بطلاق امرأته، أيطلقها؟ قال: لا، والله، قال: فابن الدمينة كان أنصف منك، كان يهوى امرأة من قومه، فأرسلت إليه: إن أهلي قد نهوني عن لقائك ومراسلتك، فأرسل إليها : صوت

أطعت الآمريك بقطع حـبـلـي

 

مريهم في أحـبـتـهـم بـذاك

فإن هم طاوعوك فطـاوعـيهـم

 

وإن عاصوك فاعصي من عصاك

أما والراقـصـات بـكـل فـج

 

ومن صلى بـنـعـمـان الأراك

لقد أضمرت حبـك فـي فـؤادي

 

وما أضمت حـبـاً مـن سـواك

في هذه الأبيات لإسحاق رمل، وفيها لشارية خفيف رمل بالوسطى، ولعريب خفيف ثقيل، ابتداؤه ينشد في الثالث والرابع ثم الثاني والأول، وفيه لمتيم خفيف رمل آخر.

رد عاشق على صاحبته ببيتين له وحدثني بعض أصدقائنا، عن أبي بكر بن دريد – ولم أسمعه منه – قال: حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، عن عمه، ووجدته أيضاً في بعض الكتب بغير هذا الإسناد عن الأصمعي، فجمعت الحكايتين، قال: مررت بالكوفة، وإذا أنا بجارية تطلع من جدار إلى الطريق، وفتى واقف وظهره إلي، وهو يقول لها: أسهر فيك وتنامين عني، وتضحكين مني وأبكي، وتستريحين وأتعب، وأمحضك المودة وتمذقينها لي، وأصدقك وتنافقيني، ويأمرك عدوي بهجري فتطيعينه، ويأمرني نصيحي بذلك فأعصيه! ثم تنفس وأجهش باكياً. فقالت له: إن أهلي يمنعونني منك، وينهونني عنك؛ فكيف أصنع؟ فقال لها:

أطعت الآمريك بصرم حـبـلـي

 

مريهم في أحـبـتـهـم بـذاك

فإن هم طاوعوك فطـاوعـيهـم

 

وإن عاصوك فاعصي من عصاك

ثم التفت فرآني، فقال يا فتى؛ ما تقول أنت فيما قلت؟ قلت له: والله لو عاش ابن أبي ليلى ما حكم إلا بمثل حكمك.
تمت أخبار ابن الدمينة

صوت

وإن الذي بيني وبين بـنـي أبـي

 

وبين بني عمي لمختـلـف جـدا

فما أحمل الحقد القـديم عـلـيهـم

 

وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

وليسوا إلى نصري سراعاً وإن هم

 

دعوني إلى نصر أتيتـهـم شـدا

إذا أكلوا لحمي وفرت لحومـهـم

 

وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجـدا

يعاتبني في الدين قومي وإنما

 

تدينت في أشياء تكسبهم حمدا

عروضه من الطويل. الشعر للمقنع الكندي، والغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه من روايته أيضاً لمالك خفيف رمل بالوسطى. وذكر علي بن يحيى أن لحن ابن سريج خفيف ثقيل. وذكر إبراهيم أن فيه لقفا النجار لم يذكر طريقته، وأظنه من خفيف الثقيل.

المرجع: كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني

من قصائده:..

ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد
أَلاَ يا حِمَى وادِي المِيَـاهِ قَتلَتنِـي
شَفى النَّفسَ أَسيَافٌ بِأَيـمانِ فِتيَـةٍ
يُقُولـونَ لَيلَـى بِالمَغِيـبِ أَمِينَـةٌ