ابن الخياط

ابن الخياط
1058 – 1123 م

هو عبد الله بن محمد بن سالم بن يونس بن سالم. ذكر الزبير بن بكار أنه مولى لقريش، وذكر غيره أنه مولى لهذيل.

وهو شاعر ظريف، ماجن خليع، هجاء خبيث، مخضرم من شعراء الدولة الأموية والعباسية. وكان منقطعا إلى آل زبير بن العوام مداحا لهم، وقدم على المهدي مع عبد الله بن مصعب فأوصله إليه، وتوصل له إلى أن سمع شعره وأحسن صلته.

حدثني يونس بن عبد الله بن سالم الخياط قال: دخل أبي على المهدي فمدحه، فأمر له بخمسين ألف درهم، فقال يمدحه:

أخذت بكفي كفه أبتغي الغنـى

 

ولم أدر أن الجود من كفه يعدى

فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغـنـى

 

أدت وأعداني فأتلفت ما عنـدي

قال: فبلغ المهدي خبره، فضاعف جائزته، وأمر بحملها إليه إلى منزله.

قال الزبير بن بكار: سرق ابن الخياط هذا المعنى من ابن هرمة.

 حدثني مصعب بن عبد الله قال: سمعت أبي يقول: لم يبرح هذه الثنية قط أحد يقذف أعراض الناس ويهجوهم، قلت: مثل من؟ قال: الحزين الكناني، والحكم بن عكرمة الدؤلي، وعبد الله بن يونس الخياط، وابنه يونس، وأبو الشدائد.

وكان يونس بن الخياط عاقا لأبيه، فقال أبوه فيه:

يونس قلبي عليك يلتـهـف

 

والعين عبرى دموعها تكف

تلحفني كسوة العقـوق فـلا

 

برحت منها ما عشت تلتحف

أمرت بالخفض للجناح وبالر

 

فق فأمسى يعوقك الأنـف

وتلك واللـه مـن زبـانـية

 

إن سلطوا في عذابهم عنفوا

فأجابه ابنه يونس، فقال:

أصبح شيخي يزري به الخرف

 

ما إن له حرمة ولا نصـف

صفاتنا في العـقـوق واحـدة

 

ما خلتنا في العقوق نختلـف

لحفته سالـفـا أبـاك فـقـد

 

أصبحت مني كذاك تلتحـف

 حدثني مصعب بن عثمان قال: ما رأيت بريق صلع الأشراف في سوق الرقيق أكثر منها يوم رحب القتيلة جارية إبراهيم بن أبي قتيلة، وكان يعشقها، وبيعت في دين عليه، فبلغت خمسمائة دينار فقال المغيرة بن عبد الله لابن أبي قتيلة: ويحك! اعتقها فتقوم عليك، فتتزوجها، ففعل. فرفع ذلك إلى أبي عمران – وهو القاضي يومئذ- فقال: أخطأ الذي أشار عليه في الحكومة. أما نحن في الحكومة فقد عرفنا أن قد بلغت خمسمائة دينار، فاذهبوا فقوموها، فإن بلغت القيمة أكثر من هذا ألزمناه، وإلا فخذوا منه خمسمائة دينار، فاستحسن هذا الرأي، وليس عليه الناس قبلنا، فقال ابن الخياط يذكر ذلك من أمر ابن قتيلة وما كان من أمر جاريته:

يا معشر العشاق من لم يكـن

 

مثل القتيلـي فـلا يعـشـق

لما رأى السوام قد أحـدقـوا

 

وصيح في المغرب والمشرق

واجتمع الناس عـلـى درة

 

نظيرها في الخلق لم يخلق

وأبدت الأموال أعناقـهـا

 

وطاحت العسرة للمملـق

قلب فيه الرأي في نفسـه

 

يدير ما يأتي وما يتـقـي

أعتقها والنفس في شدقهـا

 

للمعتق المن على المعتق

وقال للحاكم في أمـرهـا

 

إن افترقنا فمتى نلتقـي؟

 

وأخبرني بهذا الخبر وكيع قال: قال الزبير بن بكار، وذكر مثل ما ذكره الحرمي، وزاد فيه: فكان فيهم -يعني فيمن حضر- لابتياعها موسى بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي، والقاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر، وغيرهم. قال: فرأيتهم قياما في الشمس يتزايدون فيها. وقال في خبره: ابن أبي قتيلة بالتاء.

يسأل سائل عنه ابنه يونس فيمضي به إليه فيستنشده شعره في العصبية: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني يونس بن عبد الله بن سالم الخياط قال: كنت ذات عشية في مسجد رسول الله( وقت العصر في أيام الحاج، فإذا أنا برجل جميل عليه مقطعات خز، وإذا معه جماعة. فوقف إلى جانبي فصلى ركعتين، ثم أقبل علي -وكان ذلك من أسباب الرزق- فقال: يا فتى، أتعرف عبد الله ابن سالم الخياط؟ فقلت: نعم. فلما صلينا قال: امض بنا إليه،

فمضيت به ، فاستخرجت له أبي من منزله، فقال الرجل: بلغني أنك قلت شعرا في أمر العصبية، فقال له أبي: ومن أنت بأبي أنت وأمي؟ فقال: أنا خزيم بن أبي الهيذام، فقال له أبي: نعم قد قلته، وأنشده:

اسـقـيانـي مـن صـرف هـذي الــمـــدام

 

ودعـانـي وأقـصـر مــن مـــلامـــي

واشـربـا حـيث شـئتـمــا إن قـــيســـا

 

قد عـلا عـــزهـــا فـــروع الأنـــام

ليس والـلـــه بـــالـــشـــآم يمـــان

 

فيه روح ولا بـــغـــير الـــشـــــآم

يطعم النوم حين تكتحل الأعين بالنوم عند وقت المنام

 

 

حذرا من سيوف ضرغامة عا

 

د عـلـى الـهـول بـاســـل مـــقـــدام

من بـنـي مــرة الأطـــايب يكـــنـــى

 

عنـد دسـر الـرمــاح بـــالـــهـــيذام

قال: فأشرع الفتى يده إليه بشيء وجزاه خيرا. قال يونس: فبادرت فأخذت بيد المري وقلت له: لا تعجل فإني قد قلت شعرا أجود من شعره. قال أبي: ويلك يا يونس يا عاض بظر أمه! تحرمني؟ فقلت: دع هذا عنك، فوالله لا تجوع امرأتي وتشبع امرأتك، فقلت ليونس: ومن كانت امرأة أبيك يومئذ؟ فقال: أمي، وجمعت والله عقوقهما . فقال لي المري أنشد فأنشدته:

اسقياني يا صاحبي اسقيانـي

 

ودعاني من الملام دعانـي

اسقياني هديتما من كـمـيت

 

بننت عشر مشمولة أسقياني

فض عنها ختامها إذ سباهـا

 

واضح الخد من بني عدنـان

نتحايا بالكأس أربعة في الـد

 

ور هذان نـاعـمـان وذان

ذا لهذا ريحانة مـثـل هـذا

 

ك لهذا من طيب الريحـان

فنهضنا لموعد كـان مـنـا

 

إذ سمعنا تجارب البكـمـان

فنعمنا حولين بهرا وعشـنـا

 

بين دف ومسـمـع ودنـان

ثم هجنا للحرب إذ شبت الحر

 

ب ففزنا فيها بسبق الرهان

إن قيسا في كل شرق وغرب

 

خارج سهمها على السهمان

منع الله ضيمنا بأبي الـهـي

 

ذام حلف السماح والإحسان

واليمانون يفخـرون أمـا يد

 

رون أن النبي غـير يمـان

قال: فقال الفتى لأبي: قد وجب علينا من حقه ما وجب علينا من حقك يا شيخ؛ واستظرف ما جرى بيني وبين أبي، وقسم الدنانير بيننا، وكانت خمسين دينارا.

يا سائلي من أنا أو من يناسبنـي

 

أنا الذي ماله أصل ولا نـسـب

الكلب يختال فخرا حين يبصرني

 

والكلب أكرم مني حين ينتسـب

لو قال لي الناس طرا أنت الأمنا

 

ما وهم الناس في ذاكم ولا كذبوا

قال: فوثب إلي ليضربني، وعدوت من بين يديه، فجعل يشتمني وأصحابه يضحكون.

 المصدر: كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني

من قصائده: ..

لكَ الخيرُ قدْ أنْحى علَيَّ زماني
أُمنِّي النفسَ وصلاً من سُعادِ
إذا لمْ يكنْ مِنْ حادِثِ الدَّهْرِ موئِلُ
أحتى إلى العلياءِ يا خطبُ تطمحُ
لئنْ عدانِي زمانق عنْ لقائكُمُ
ألا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي عَلِيًّا
أما وَالهَوى يَوْمَ اسْتَقَلَّ فَرِيقُها
بِنَفْسِي عَلى قُرْبهِ النَّازِحُ
أرى العلياءَ واضحة َ السبيلِ
خليليَّ إنْ لم تُسعِدا فذرانِي
أعطى الشبابَ منَ الآرابِ ما طَلَبا
هَبُوا طيفَكُمْ أعْدى علَى النِّأْي مَسراهُ
أتُرى الهِلالَ أنارَ ضَوْءَ جَبِينهِ
ببَهاءِ وجْهكَ تُشْرِقُ الأنْوارُ
بَكَيْتُكَ لِلْبِيْنِ قَبْلَ الحِمامِ
صُروفُ المنايا ليسَ يُودى قَتيلها
مَنْ كانَ مِثْلَ أبِي عَليٍّ فَلْيَنَلْ
وَتَعْذِلُني القَوافِي فِيكَ طَوْراً سأشْكُرُ ما مَنَنْتَ بِهِ وَمِثْلِي
ألا فتًى مِنْ صُروفِ الدَّهرِ يَحْمِيني
تَحرّانِي الزَّمانُ بكُلِّ خطبٍ
إذا عزَّ نفسِي عنْ هواكَ قصُورُها
أيا بَيْنُ ما سُلِّطْتَ إلا علَى ظُلْمِي
هِيَ الدِّيارُ فعُجْ في رسْمِها العارِي
متى أنا طاعِنٌ قلبَ الفِجاجِ
تغيَّرْتُمُ عنْ عهْدِكمْ آلَ كامِلٍ
خُذا مِنْ صَبا نجدٍ أماناً لقلْبِهِ
متى ارتجعَتْ مواهِبَها الكِرامُ
فدَتْكَ الصّواهلُ قُبّاً وجُرْدا
جرى لكَ بالتوفيق أمَنُ طائِرِ
نشدتُكَ لا تُعْدِمِ الرّاحَ راحا
لنا مجلِسٌ ما فيهِ للهمِّ مدخَلٌ
شرفاً لمجدِكَ بانِياً ومُقَوِّضاً
سِوى باكيكَ مَنْ ينْهى العَذُولُ
ويومٍ أخذْنا بهِ فُرصة ً
ليسَ البُكاءُ وإنْ أُطيلَ بمقنِعي
أبعدَكَ أتَّقِي نُوَبَ الزَّمانِ
هُوَ الرسْمُ لوْ أغنى الوُقوفُ على الرسْمِ
بنيَ العُلى والنَّدى مالِي صَفَتْ وضَفَتْ
ألا هكذا فليُحْرِزِ الحمدَ والأجْرا
ألمْ تَكُ لِلمُلوكِ الغُرِّ تاجا
أفَيْضُ دُمُوعٍ أمْ سُيُولٌ تَمَوَّجُ
أظُنُّ الدَّهْرَ جاءَكَ مُستَثيراً
لوْ كنتَ شاهِدَ عبْرَتِي يومَ النَّقا
وما الشَّهْرُ والدَّهْرُ إلاّ بِأنْ بقاؤُكَ أوْفى اقتِرَاحِ الأمانِي
ألمْ أكُ للقوافِي الغُرِّ خِدْناً
أنْتَ لِلْمُسلِمينَ حِصْنٌ وحِرْزُ
أمينَ المُلكِ حسبُكَ مِنْ أمينِ
أما وَعِتاقِ العَيسِ لَوْ وَجَدَتْ وَجْدِي
أصُونُ لِسانِي والجنانُ يُذالُ
أدنى اشتِياقِي أنْ أبِيتَ عَليلا