أبو قطيفة عمرو بن الوليد

أبو قطيفة عمرو بن الوليد

أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط (أبان) بن أبي عمرو بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي المدني، يكنى أبا الوليد. شاعر يكثر القول في الحنين إلى وطنه بالمدينة بعد أن أخرجه ابن الزبير عنها مع من أخرج من الأمويين ونفاهم إلى الشام. يقول في ذلك:

أيا ليت شعري هل تغير بعدنا بقيع المصلى أم كعهدي القرائن

أحن إلى تلك البلاد صبابة كأني أسير في السلاسل راهن

وذكر أن ابن الزبير لما بلغه شعر أبو قطيفة قال: من لقيه فليخبره أنه آمن فليرجع، فانكفأ راجعاً إلى المدينة، فما أن وصلها حتى مات.

وجاء في “الأغاني” للأصفهاني: هو عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط. واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب. هذا الذي عليه النسابون. وذكر الهيثم بن عدي في “كتاب المثالب” أن أبا عمرو بن أمية كان عبداً لأمية اسمه ذكوان فاستلحقه. وذكر أن دغفلاً النسابة دخل على معاوية فقال له: من رأيت من علية قريش؟ فقال: رأيت عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس. فقال: صفهما لي. فقال: كان عبد المطلب أبيض مديد القامة حسن الوجه، في جبينه نور النبوة وعز الملك، يطيف به عشرة من بنيه كأنهم أسد غاب. قال: فصف أمية. قال: رأيته شيخاً قصيراً نحيف الجسم ضريراً يقوده عبده ذكوان. فقال: مه، ذاك ابنه أبو عمرو. فقال: هذا شيء قلتموه بعد وأحدثتموه، وأما الذي عرفت فهو الذي أخبرتك به. ثم نعود إلى سياقة النسب من لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. والنضر عند أكثر النسابين أصل قريش، فمن ولده النضر عد منهم، ومن لم يلده فليس منهم. وقال بعض نسابي قريش: بل فهر بن مالك “أصل” قريش، فمن لم يلده فليس من قريش. ثم نعود للنسب إلى النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. وولد إلياس يقال لهم خندف، سموا بأمهم خندف وهو لقبها، واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وهي أم مدركة وطابخة وقمعة بني إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن يشجب – وقيل: أشجب – بن نبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم، هذا النسب الذي رواه نسابو العرب وروي عن ابن شهاب الزهري وهو من علماء قريش وفقهائها.

وأم أبي معيطٍ آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، ولها يقول نابغة بني جعدة:

وشاركنا قريشاً في تقاها       وفي أنسابها شرك العنان

بما ولدت نساء بني هلالٍ      وما ولدت نساء بني أبان

وكانت آمنة هذه تحت أمية بن عب شمس، فولدت له العاص وأبا العاص وأبا العيص والعويص وصفية وتوبة وأروى بني أمية. فلما مات أمية تزوجها بعده ابنه أبو عمرو – وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، يتزوج الرجل امرأة ابيه بعده – فولدت له أبا معيطٍ، فكان بنو أمية من آمنة إخوة أبي معيط وعمومته، أخبرني بذلك كله الطوسي عن الزبير بن بكار.

قال الزبير: وحدثني عمي مصعب قال: زعموا أن ابنها أبا العاص زوجها أخاه أبا عمرو، وكان هذا نكاحاً تنكحه الجاهلية. فأنزل الله تعالى تحريمه، قال الله تعالى: “ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً”، فسمي نكاح المقت.

نفي ابن الزبير أبا قطيفة فيمن نقله عن المدينة في وقعة الحرة

قال أبو قطيفة هذا الشعر حين نفاه ابن الزبير مع بني أمية عن المدينة، مع نظائر له تشوقاً إليها. حدثني بالسبب في ذلك أحمد بن محمد بن شبيب بن أبي شيبة البزار، قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني، وأخبرني ببعضه أحمد بن محمد بن الجعد قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدثني أبي قال حدثني وهب بن جرير عن أبيه في كتابه المسمى “كتاب الأزارقة”، ونسخت بعضه من كتابٍ منسوبٍ إلى الهيثم بن عدي. واللفظ للمدائني في الخبر ما اتسق، فإذا انقطع أو اختلف نسبت الخلاف إلى راويه. قال الهيثم بن عدي أخبرنا ابن عياش عن مجالد عن الشعبي وعن ابن أبي الجهم ومحمد بن المنتشر: خروج ابن الزبير على بني أمية ووفد يزيد بن معاوية له أن الحسين بن علي بن أبي طالب لما سار إلى العراق، شمر ابن الزبير للأمر الذي أراده ولبس المعافري وشبر بطنه وقال: إنما بطني شبر، وما عسى أن يسع الشبر! وجعل يظهر عيب بني أمية ويدعو إلى خلافهم. فأمهله يزيد سنةً، ثم بعث إليه عشرةً من أهل الشأم عليهم النعمان بن بشير. وكان أهل الشأم يسمون أولئك العشرة النفر الركب، منهم عبد الله بن عضاه الأشعري، وروح بن زنباع الجذامي، وسعد بن حمزة الهمداني، ومالك بن هبيرة السكوني، وأبو كبشة السكسكي، وزمل بن عمرو العذري، وعبد الله بن مسعود، وقيل: ابن مسعدة الفزاي، وأخوه عبد الرحمن، وشريك بن عبد الله الكناني، وعبد الله بن عامر الهمداني، وجعل عليهم، النعمان بن بشير، فأقبلوا حتى قدموا مكة على عبد الله بن الزبير، وكان النعمان يخلو به في الحجر كثيراً. فقال له عبد الله بن عضاةٍ يوماً: يا ابن الزبير، إن هذا الأنصاري والله ما أمر بشيء إلا وقد أمرنا بمثله إلا أنه قد أمر علينا، إني والله ما أدري ما بين المهاجرين والأنصار. فقال ابن الزبير: يا ابن عضاه، مالي ولك! إنما أنا بمنزلة حمامة من حمام مكة، أفكنت قاتلاً حماماً من حمام مكة؟ قال: نعم، وما حرمة حمام مكة! يا غلام، ائتني بقوسي وأسهمي، فأتاه بقوسه وأسهمه، فأخذ سهماً فوضعه في كبد القوس ثم سدده نحو حمامة من حمام المسجد وقال: يا حمامة، أيشرب يزيد بن معاوية الخمر؟ قولي نعم، فوالله: لئن فعلت لأرمينك. يا حمامة، أتخلعين يزيد بن معاوية وتفارقين أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وتقيمين في الحرم حتى يستحل بك؟ والله لئن فعلت لأرمينك. فقال ابن الزبير: ويحك! أويتكلم الطائر؟ قال: لا! ولكنك يا ابن الزبير تتكلم. أقسم بالله لتبايعن طائعاً أو مكرهاً أو لتتعرفن راية الأشعريين في هذه البطحاء، ثم لا أعظم من حقها ما تعظم. فقال ابن الزبير: أوتستحل الحرم! قال: إنما يستحله من ألحد فيه. فحبسهم شهراً ثم ردهم إلى يزيد بن معاوية ولم يجبه إلى شيء. وفي رواية أحمد بن الجعد: وقال بعض الشعراء – وهو أبو العباس الأعمى، واسمه السائب بن فروخ يذكر ذلك وشبر ابن الزبير بطنه – 

مازال في سورة الأعراف يدرسها

 

حتى بدا لي مثل الخز في اللـين

لو كان بطنك شبراً قد شبعت وقد

 

أفضلت فضلاً كثيراً للمسـاكـين

قال الهيثم: ثم إن ابن الزبير مضى إلى صفية بنت أبي عبيد زوجة عبد الله بن عمر، فذكر لها أن خروجه كان غضباً لله تعالى ورسوله – عليه السلام – والمهاجرين والأنصار من أثرة معاوية وابنه “وأهله” بالفيء، وسألها مسألته أن يبايعه. فلما قدمت له عشاءه ذكرت له أمر ابن الزبير واجتهاده، وأثنت عليه وقالت: ما يدعو إلا إلى طاعة الله جل وعز، وأكثرت القول في ذلك. فقال لها: أما رأيت بغلات معاوية اللواتي كان يحج عليهن الشهب، فإن ابن الزبير ما يريد غيرهن! قال المدائني في خبره: وأقام ابن الزبير على خلع يزيد ومالأه على ذلك أكثر الناس. فدخل عليه عبد الله بن مطيع وعبد الله بن حنظلة وأهل المدينة المسجد وأتوا المنبر فخلعوا يزيد. فقال عبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي: خلعت يزيد كما خلعت عمامتي، ونزعها عن رأسه وقال: إني لأقول هذا وقد وصلني وأحسن جائزتي، ولكن عدو الله سكير خمير. وقال آخر: خلعته كما خلعت نعلي. وقال آخر: خلعته كما خلعت ثوبي. وقال آخر: قد خلعته كما خلعت خفي، حتى كثرت العمائم والنعال والخفاف، وأظهروا البراءة منه وأجمعوا على ذلك، وامتنع منه عبد الله بن عمر ومحمد بن علي بن أبي طالب وجرى بين محمد خاصةً وبين أصحاب ابن الزبير فيه قولٌ كثير، حتى أرادوا إكراهه على ذلك، فخرج إلى مكة، وكان هذا أول ما هاج الشر بينه وبين ابن الزبير.

وقعة الحرة قال المدائني: واجتمع أهل المدينة لإخراج بني أمية عنها، فأخذوا عليهم العهود ألا يعينوا عليهم الجيش، وأن يردوهم عنهم، فإن لم يقدروا على ردهم لا يرجعوا إلى المدينة معهم. فقال لهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان: أنشدكم الله في دمائكم وطاعتكم! فإن الجنود تأتيكم وتطؤكم، وأعذر لكم ألا تخرجوا أميركم، إنكم إن ظفرتم وأنا مقيمٌ بين أظهركم فما أيسر شأني وأقدركم على إخراجي! وما أقول هذا إلا نظراً لكم أريد به حقن دمائكم. فشتموه وشتموا يزيد، وقالوا: لا نبدأ إلا بك، ثم نخرجهم بعدك. فأتى مروان عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن هؤلاء القوم قد ركبونا بما ترى، فضم عيالنا. فقال: لست من أمركم وأمر هؤلاء في شيء. فقام مروان وهو يقول: قبح الله هذا أمراً وهذا ديناً. ثم أتى علي بن الحسين فسأله أن يضم أهله وثقله ففعل، ووجههم وامرأته أم أبان بنت عثمان إلى الطائف ومعها ابناه: عبد الله ومحمد. فعرض حريثٌ رقاصة – وهو مولى لبني بهز من سليم كان بعض عمال المدينة قطع رجله فكان إذا مشى كأنه يرقص، فسمي رقاصة – لثقل مروان وفيه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فضربته بعضاً فكادت تدق عنقه، فولى ومضى. ومضوا إلى الطائف وأخرجوا بني أمية. فحس بهم سليمان بن أبي الجهم العدوي وحريث رقاصة، فأراد مروان أن يصلي بمن معه فمنعوه، وقالوا: لا يصلي والله بالناس أبداً، ولكن إن أراد أن يصلي بأهله فليصل، فصلى بهم ومضى. فمر مروان بعبد الرحمن بن أزهر الزهري، فقال له: هلم إلي يا أبا عبد الملك، فلا يصل إليك مكروه ما بقي رجلٌ من بني زهرة. فقال له: وصلتك رحمٌ، قومنا على أمرٍ فأكره أن أعرضك لهم. وقال ابن عمر بعد ذلك – لما أخرجوا وندم على ما كان قاله لمروان -: لو وجدت سبيلاً إلى نصر هؤلاء لفعلت، فقد ظلموا وبغي عليهم. فقال ابنه سالم: لو كلمت هؤلاء القوم! فقال: يا بني، لا ينزع هؤلاء القوم عما هم عليه، وهم بعين الله، إن أراد أن يغير غير. قال: فمضوا “إلى ذي خشبٍ”، وفيهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان والوليد بن عتبة بن أبي سفيان، واتبعهم العبيد والصبيان والسفلة يرمونهم. ثم رجع حريث رقاصة وأصحابه إلى المدينة، وأقامت بنو أمية ب “ذي خشب” عشرة أيام، وسرحوا حبيب بن كرة إلى يزيد بن معاوية يعلمونه، وكتبوا إليه يسالونه الغوث. وبلغ أهل المدينة أنهم وجهوا رجلاً إلى يزيد، فخرج محمد بن عمرو بن حزم ورجل من بني سليم من بهز وحريث رقاصة وخمسون راكباً فأزعجوا بني أمية منها، فنخس حريثٌ بمروان فكاد يسقط عن ناقته، فتأخر عنها وزجرها وفقال: اعلي واسلمي. فلما كانوا “بالسويداء” عرض لهم مولى لمروان، فقال: جعلت فداك! لو نزلت فأرحت وتغديت! فالغداء حاضر كثير قد أدرك. فقال: لا يدعني رقاصة وأشباهه، وعسى أن يمكن الله منه فتقطع يده. ونظر مروان إلى ماله ب “ذي خشب” فقال: لا مال إلا ما أحرزته العياب فمضوا فنزلوا حقيلاً أو وادي القرى، وفي ذلك يقول الأحوص:

لا ترثين لـحـزمـيٍّ رأيت بـه

 

ضراً ولو سقط الحزمي في النار

الناخسين بمروانٍ بـذي خـشـبٍ

 

والمقحمين على عثمان في الدار

قال المدائني: فدخل حبيب بن كرة على يزيد – وهو واضعٌ رجله في طستٍ لوجع كان يجده – بكتاب بني أمية وأخبره الخبر. فقال: أما كان بنو أمية ومواليهم ألف رجل؟ قال: بلى! وثلاثة آلاف. قال: أفعجزوا أن يقاتلوا ساعة من نهار؟ قال: كثرهم الناس ولم تكن لهم بهم طاقةٌ. فندب الناس وأمر عليهم صخر بن أبي الجهم القيني، أحداً إلا قصر وما صاحبهم غيري، إني رأيت في منامي شجرة غرقدٍ تصيح: على يدي مسلم، فأقبلت نحو الصوت فسمعت قائلاً يقول: أدرك ثأرك أهل المدينة قتلة عثمان فخرج مسلمٌ وكان من قصة الحرة ما كان على يده، وليس هذا موضعه. فقال أبو قطيفة في ذلك – لما أخرجوا عن المدينة -:

شعر أبي قطيفة في تشوقه إلى المدينة

بكى أحدُ لما تـحـمـل أهـلـه

 

فكيف بذي وجد من القوم آلـف

من أجل أبي بكرٍ جلت عن بلادها

 

أمـية، والأيام ذات تـصـارف

وقال أبو قطيفة أيضاً: من غير المائة فيه ثلاث ألحان

بكى أحدٌ لما تحمـل أهـلـه

 

فسلعٌ فدار المال أمست تصدع

وبالشأم إخواني وجل عشيرتي

 

فقد جعلت نفسي إليهم تطلـع

وقال أبو قطيفة أيضاً: صوت من غير المائة المختارة

ليت شعري: هل البلاط كعهدي

 

والمصلى إلى قصور العقيق؟

لامني في هـواك يا أم يحـيى

 

من مبينٍ بغـشـه أو صـديق

حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن يونس بن الوليد قال: كان ابن الزبير قد نفى أبا قطيفة مع من نفاه من بني أمية عن المدينة إلى الشأم، فلما طال مقامه بها قال:

ألا ليت شعري هل تغير بعـدنـا

 

قباءٌ وهل زال العقيق وحاضره؟

وهل برحت بطحاء قبر محـمـدٍ

 

أراهط غرٌ من قريشٍ تبـاكـره

لهم منتهى حبي وصفو مـودتـي

 

ومحض الهوى مني وللناس سائره

قال وقال أيضاً: صوت من غير المائة المختارة

ليت شعري وأين منـي لـيت

 

أعلى العهد يلبـنٌ فـبـرام؟

أم كعهدي العقيق أم غـيرتـه

 

بعدي الـحـادثـات والأيام؟

وبأهلي بدلت عكا ولـخـمـاً

 

وجذاماً، وأين منـي جـذام!

وتبدلت من مساكـن قـومـي

 

والقصور التي بهـا الآطـام

كل قصرٍ مـشـيدٍ ذي أواسٍ

 

يتغنى على ذراه الـحـمـام

إقر مني السلام إن جئت قومي

 

وقليلٌ لهـم لـدي الـسـلام

عروضه من الخفيف، غناه معبد، ولحنه ثقيلٌ بالخنصر في مجرى البنصر. و “يلبن” و “برام”: موضعان. والآطام: وروى الزبير بن بكار هذه الأبيات لأبي قطيفة، وزاد فيها:

أقطع الليل كلـه بـاكـتـئابٍ

 

وزفـيرٍ فـمـا أكـاد أنـام

نحو قومي إذ فرقت بيننا الـدا

 

ر وحادت عن قصدها الأحلام

خشيةً أن تصيبهم عنـت الـده

 

ر وحربٌ يشيب منها الغـلام

فلقد حان أن يكون لهـذا الـده

 

ر عنا تبـاعـدٌ وانـصـرام

عفو ابن الزبير عن أبي قطيفة وعودته إلى المدينة وموته حين وصوله إليها

رجع الخبر إلى سياقته من رواية ابن عمار. وأخبرنا بمثله من هذا الموضع الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن الحزامي، وهو إبراهيم بن المنذر، عن مطرف بن عبد الله المدني قالا: إن ابن الزبير لما بلغه شعر أبي قطيفة هذا قال: حن والله أبو قطيفة وعليه السلام ورحمة الله، من لقيه فليخبره أنه آمنٌ فليرجع. فأخبر بذلك فانكفأ إلى المدينة راجعاً، فلم يصل إليها حتى مات. قال ابن عمار: فحدثت عن المدائني أن امرأةً من أهل المدينة تزوجها رجل من أهل الشأم، فخرج بها إلى بلده على كرهٍ منها، فسمعت منشداً ينشد شعر أبي قطيفة هذا، فشهقت شهقةً وخرت على وجهها ميتةً، هكذا ذكر ابن عمار في خبره. وأخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد: قرأت على أبي عن أيوب بن عباية قال قال حدثني سعيد بن عائشة مولى آل المطلب بن عبد مناف قال: خرجت امرأة من بني زهرة في خفٍ، فرآها رجل من بني عبد شمس من أهل الشأم فأعجبته، فسأل عنها فنسبت له، فخطبها إلى أهلها فزوجوه إياها بكرهٍ منها، فخرج بها إلى الشأم. “وخرجت مخرجاً”، فسمعت متمثلاً يقول:

صوت من غير المائة المختارة

ألا ليت شعري هل تغير بـعـدنـا

 

جبوب المصلى أم كعهدي القرائن؟

وهل أدؤرٌ حول البلاط عـوامـرٌ

 

من الحي أم هل بالمدينة ساكـن؟

إذا برقت نحو الحجـاز سـحـابةٌ

 

دعا الشوق مني برقها المتـيامـن

فلم أتركنها رغبةً عـن بـلادهـا

 

ولكنـه مـا قـدر الـلـه كـائن

وكان يتحرق على المدينة، فأتى عباد بن زياد ذات يوم عبد الملك فقال له: إن خاله أخبره أن العراقين قد فتحا. فقال عبد الملك لأبي قطيفة لما يعلمه من حبه المدينة: أما تسمع ما يقوله عباد عن خاله؟ قد طابت لك المدينة الآن. فقال أبو قطيفة:

إني لأحمق من يمشي على قدمٍ

 

إن غرني من حياتي خال عباد

أنشا يقول لنا المصران قد فتحا

 

ودون ذلك يومٌ شـره بـادي

قال: وأذن له ابن الزبير في الرجوع، فرجع فمات في طريقه.