أبو فراس الحمداني

أبو فراس الحمداني
932-968م

هو الشّاعر والأمير الحمداني، أبو فراس. ولد بالمُوصل حيث كانت أسرته. ولم يُكتَب له أن يعيش في كنف والده، فقد قُتِلَ الأب يوم كان الصبي في الثانية أو الثالثة من عمره. قتله ناصر الدولة ابن أخيه لأنه زاحمه على ولاية الموصل.

نشأ أبو فراس في رعاية ابن عمه سيف الدّولة الذي ضمّه إلى عائلته وحمله معه إلى بلاطه في حلب، حيث اتّصل بالعلماء والأدباء فأخذ عنهم. تدرّب على الفروسية والقتال، فرافق ابن عمه في غزواته، وحارب الروم، وأخضع القبائل الثّائرة، ممّا جعل سيف الدولة يثق به فيُوليه إمارة منبج وهو دون العشرين من سنيه. وكانت هذه الإمارة أخطر ثغر من ثغور الدولة الحمدانية وأسهل طريق ينفذ منه البيزنطيّون إلى بلاد الشام، فسهر عليها يدفع عنها أطماع الروم، ويردّ عنها غارات القبائل التي ثارت على الحمدانيين بفعل دعاية القرامطة.

ولكن النّصر الذي حالف أبا فراس في حروبه خانه ذات يومٍ فوقع أسيراً بين أيدي الرّوم الذين ساقوه إلى خرشنة ثم إلى القسطنطينية، وهناك طال أسره.

وكان يأمل أن يسرع ابن عمه إلى افتدائه. ولكن أمير حلب أبطأ في ذلك، فضاق صدر الشّاعر ونظم في أسره أروع أشعاره التي عُرِفَت “بالرّوميات” وفيها يشكو من إبطاء سيف الدولة في افتدائه، ويتأمّل من انصرافه عنه، ويبثّ حنينه إلى أمه العجوز وأهله وأصدقائه، وإلى منبج ملاعب صباه.

شعره من النوع الوجداني الرّقيق الذي تجاوز فيه تجربته الشّخصية الأليمة، كفارسٍ عربيٍّ، فذاق في أسره مرارة السّجن، فأرسل صرخةً ضمّّنها أعمق المشاعر الإنسانية وأنبلها مَقصدًا وأقدرها على استثارة النّفس في توقها إلى الحرية، فاستحقّ معها مرتبة الشاعر الخالد، إذ لا تزال الأجيال العربيّة المتعاقبة -وستبقى- مرددةً رائعته الغنائية الوجدانية:

أقولُ وقد ناحت بقربي حمامةٌ                  أيا جارتاه هل تشعرين بحالي

وورد في “وفيات الأعيان” لابن خلكان: هو أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني ابن عم ناصر الدولة وسيف الدولة ابني حمدان-وسيأتي تتمة نسبه عند ذكرهما إن شاء الله تعالى-؛ قال الثعالبي في وصفه: كان فرد دهره، وشمس عصره، أدباً وفضلاً، وكرماً ومجداً، وبلاغة وبراعة، وفروسية وشجاعة، وشعره مشهور سائر، بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة، ومعه رواء الطبع وسمة الظرف وعزة الملك، ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز. وأبو فراس يعد اشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام. وكان الصاحب بن عباد يقول: بدئ الشعر بملك وختم بملك، يعني امرأ القيس وأبا فراس. وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته ولا يجترئ على مجاراته، وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان تهيباً له وإجلالاً، لا إغفالاً وإخلالاً. وكان سيف الدولة يعجب جداً بمحاسن أبي فراس ويميزه بالإكرام على سائر قومه ويستصحبه في غزواته وستخلفه في أعماله.

وكانت الروم قد أسرته في بعض وقائعها، وهو جريح قد أصابه سهم بقي نصله في فخذه، ونقلته إلى خرشنة، ثم منها قسطنطينية، وذلك في سنة ثمان. وأربعين وثلثمائة، وفداه سيف الدولة في سنة خمس وخمسين.

قلت: هكذا قال أبو الحسن علي بن الزراد الديلمي، وقد نسبوه في ذلك إلى الغلط، وقالوا: أسر أبو فراس مرتين، فالمرة الأولى بمغارة الكحل في سنة ثمان وأربعين وثلثمائة، وما تعدوا به خرشنة، وهي قلعة ببلاد الروم والفرات يجري من تحتها، وفيها يقال: إنه ركب فرسه وركضه برجله، فأهوى به من أعلى الحصن إلى الفرات، والله أعلم، والمرة الثانية أسره الروم على منبج في شوال سنة إحدى وخمسين، وحملوه إلى قسطنطينية. وأقام في الأسر أربع سنين، وله في السر أشعار كثيرة مثبتة في ديوانه. وكانت مدينة منبج إقطاعاً له، ومن شعره: