أبو صخر الهذلي

أبو صخر الهذلي
توفي 80 هـ

عبد الله بن سلمة السهمي، هو أحد شعراء الدولة الأموية يكنى أبا صخر وهو من قبيلة بني هذيل. كان مواليا لبني مروان، متعصبا لهم، وله في عبد الملك بن مروان مدائح وفي أخيه عبد العزيز أيضا. له في الغزل شعر رقيق. يعد من الشعراء المتيمين، ويقال إن أغزل شعر للعرب قوله في محبوبته ليلى بنت سعد، وتكنى أم حكيم.

وابو صخر شاعر مشهور وله كثير من القصائد الطويله والمقطعات القصيرة، وشهرته بالغزل شهرة عريضة، فله قصائد عديده في الغزل وذكر محاسن المحبوب وتظهر على اسلوبه ملامح البادية واضحة جلية، كما تظهر فيه اللوعة والحسرة لفراق المحبوب، ويروى انه كان يهوى إمرأه من قضاعة مجاورة فيهم ويقال لها:ليلى بنت سعد وتكنى أم حكيم وكان يتواصلان برهة من دهرهما ثم حدث ان تزوجت ورحل بها زوجها إلى قومه. توفي سنة 80 للهجرة.

ورد في كتاب “الأغاني” للأصفهاني:

” هو عبد الله بن سلم السهمي، أحد بني مرمض .. وهذا أكثر ما وجدته من نسبه في نسخة السكري، وهي أتم النسخ مما يأثره عن الرياشي عن الأصمعي، وعن الأثرم عن أبي عبيدة، وعن ابن حبيب، وعن ابن الأعرابي.

وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، وكان موالياً لبني مروان ، متعصباً لهم، وله في عبد الملك بن مروان مدائح ، وفي أخيه عبد العزيز، وعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد.

وحبسه ابن الزبير إلى أن قتل.

فأخبرني يحيى بن أحمد بن الجون، مولى بني أمية – لقيته بالرقة – قال: حدثني الفيض بن عبد الملك قال: حدثني مولاي عن أبيه، عن مسلمة بن الوليد القرشي، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: لما ظهر عبد الله الزبير بالحجاز وغلب عليها، بعد موت يزيد بن معاوية، وتشاغل بنو أمية بالحرب بينهم في مرج راهط وغيره، دخل عليه أبو صخر الهذلي، في هذيل .
وقد جاءوا ليقبضوا عطاءهم ، وكان عارفاً بهواه في بني أمية، فمنعه عطاءه، فقال: علام تمنعني حقاً لي؛ وأنا امرؤ مسلم، ما أحدثت في الإسلام حدثاً ولا أخرجت من طاعة يداً؟ قال: عليك بني أمية فاطلب عندهم ، عطاءك.

قال: إذن أحدهم سباطا أكفهم، سمحةً أنفسهم، بذلاء لأموالهم وهابين لمجتديهم، كريمةً أعراقهم، شريفةً أصولهم، زاكيةً فروعهم، قريباً من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نسبهم وسبهم، ليسوا إذا نسبوا بأذناب ولا وشائظ ولا أتباع، ولا هم في قريش كفقعة القاع، لهم السؤدد في الجاهلية، والملك في الإسلام، لا كمن لا يعد في عيرها ولا نفيرها ، ولا حكم آباؤه في نقيرها ولا قطميرها ، ليس من أحلافها المطيبين ، ولا من ساداتها المطعمين، ولا من جودائها الوهابين، ولا من هاشمها المنتخبين، ولا عبد شمسها المسودين، وكيف تقابل الرؤوس بالأذناب؟ وأين النصل من الجفن؟ والسنان من الزج؟ والذنابى من القدامى؟ وكيف يفضل الشحيح على الجواد، والسوقة على الملك، والمجيع بخلاً على المطعم فضلاً؟ فغضب ابن الزبير حتى ارتعدت فرائصه، وعرق جبينه، واهتز من قرنه إلى قدمه وامتقع لونه، ثم قال له : يا بن البوالة على عقبيها، يا جلف، يا جاهل، أما والله لولا الحرمات الثلاث: حرمة الإسلام، وحرمة الحرم، وحرمة الشهر الحرام، لأخذت الذي في عيناك.

ثم أمر به إلى سجن عارم ، فحبس به مدة، ثم استوهبته هذيل ومله بين قريش خؤولة في هذيل، فأطلقه بعد سنة وأقسم ألا يعطيه عطاءً مع المسلمين أبداً.

فلما كان عام الجماعة وولي عبد الملك وحج، لقيه أبو صخر فلما رآه عبد الملك قربه وأدناه، وقال له: إنه لم يخف علي خبرك ” مع الملحد ” ولا ضاع لك عندي هواك وموالاتك ؛ فقال: أما إذ شفى الله منه نفسي ، ورأيته قتيل سيفك؛ وصريع أوليائك، مصلوباً مهتوك الستر، مفرق الجمع ، فما أبالي ما فاتني من الدنيا.

ثم استأذنه أبو صخر في الإنشاد، فأذن له، فمثل بين يديه قائماً ، ولأنشأ يقول :

عفت ذا عرق عصلها فرئامـهـا

 

فدهناؤها وحش أجلى سوامـهـا

على أن مرسى خيمة خف أهلهـا

 

بأبطح محلال وهيهات عامـهـا

إذا اعتلجت فيها الرياح فأدرجـت

 

عشياً جرى في جانبيها قمامـهـا

وإن معاجي في الديار وموقـفـي

 

بدارسة الربعين بال ثمـامـهـا

لجهل ولكني أسـلـي ضـمـانة

 

يضعف أسرار الفؤاد سقامـهـا

فأقصر فلا ما قد مضى لك راجع

 

ولا لذة الـدنـيا يدوم دوامـهـا

وفد أمير المؤمنين الـذي رمـى

 

بجأواء جمهور تسيل إكـامـهـا

من أرض قرى الزيتون مكة بعدما

 

غلبنا عليها واستحل حـرامـهـا

 يقول: رمى مكة بالرجال من أهل الشام، وهي أرض الزيتون .

وإذا عاث فيها الناكثون وأفـسـدوا

 

فخيفت أقاصيها وطار حمامـهـا

فشج بهم عرض الفلاة تعـسـفـاً

 

إذ الأرض أخفى مستواها سوامها

فصبحتهم بالخيل تزحف بالـقـنـا

 

وبيضاء مثل الشمس يبرق لامهـا

لهم عسكر ضافي الصفوف عرمرم

 

وجمهورة يثني العدو انتقـامـهـا

فطهر منهم بطـن مـكة مـاجـد

 

أبي الضيم والميلاء حين يسامهـا

فدع ذا وبشر شاعـري أم مـالـك

 

بأبيات ما خزي طويل عرامـهـا

شاعري أم مالك: رجلان من كنانة كانا مع ابن الزبير، يمدحانه ويحرضانه على أبي صخر، لعداوة كانت بينهما وبينه .

فإن تبد تجدع منـخـراك بـمـدية

 

مشرشرة حرى حديد حسامـهـا

وإن تخف عنا أو تخف من أذاتنـا

 

تنوشك نابا حـية وسـمـامـهـا

فلولا قريش لاسترقت عجـوزكـم

 

وطال على قطبي رحاها احتزامها

قال: فأمر له عبد الملك بما فاته من العطاء ، ومثله صلة من ماله، وكساه وحمله.

ونسخت من كتاب أبي سعيد السكري، عن محمد بن حبيب، عن ابن الأعرابي وأبي عبيدة قالا: كان أبو صخر الهذلي منقطعاً إلى أبي خالد عبد العزيز بن عبد الله بن أسيد ، مداحاً له، فقال له يوما: ارثني يا أبا صخر، وأنا حي ، حتى أسمع كيف تقول، وأين مراثيك لي بعدي من مديحك إياي في حياتي؟ فقال: أعيذك بالله يا أيها الأمير من ذلك ، بل يبقيك الله ويقدمني قبلك، فقال: ما من ذلك بد. قال: فرثاه بقصيدته التي يقول فيها:

أبا خالد نفسي وقت نفسك الـردى

 

وكان بها من قبل عثرتك العثـر

لتبكك يا عبد الـعـزيز قـلائص

 

أضر بها نص الهواجر الـزجـر

سمون بنا يجتـبـن كـل تـنـوفة

 

تضل بها عن بيضهن القطا الكدر

فما قدمت حتى تواتـر سـيرهـا

 

وحتى أنيخت وهي ظالـعة دبـر

ففرج عن ركبانها الهم والطـوى

 

كريم المحيا ماجد واجد صـقـر

أخو شتوات تقتـل الـجـوع داره

 

لمن جاء لا ضيق الفناء ولا وعر

ولا تهنئ الفـتـيان بـعـدك لـذة

 

ولا بل هام الشامتين بك القـطـر

وإن تمس رمساً بالرصـافة ثـاوياً

 

فما مات يا بن العيص نائلك الغمر

وذي ورق من فضل مالك مـالـه

 

وذي حاجة قدر شت ليس له وفر

فأمسى مريحاً بعد ما قـد يؤوبـه

 

وكل به المولى وضاق به الأمـر

 قال: فأضعف له عبد العزيز جائزته ووصله، وأمر أولاده فرووا القصيدة.

وقال أبو عمرو الشيباني: كان لأبي صخر ابن يقال له داود لم يكن له ولد غيره، فمات، فجزع عليه جزعاً شديداً حتى خولط، فقال يرثيه:

لقد جاهني طيف لداود بـعـدمـا

 

دنت فاستقلت تاليات الكـواكـب

وما في ذهول النفس عن غير سلوة

 

رواح من السقم الذي هو غالبـي

وعندك لو يحيا صداك فنلـتـقـي

 

شفاء لمن غادرت يوم التناضـب

فهل لك طب نافعي مـن عـلاقة

 

تهيمني بين الحـشـا والـتـرائب

تشكيتها إذ صدع الدهر شعـبـنـا

 

فأمست وأعيت بالرقي والطبـائب

ولولا يقيني أن الـمـوت عـزمة

 

من الله حتى يبعثوا للمـحـاسـب

لقلت له فيمـا ألـم بـرمـسـه:

 

هل أنت غداً غاد معي فمصاحبي

وماذا ترى في غائب لا يغـبـنـي

 

فلست بـنـاسـيه ولـيس بـآئب

سألت مليكي إذ بلانـي بـفـقـده

 

وفاةً بأيدي الروم بين المـقـانـب

ثنوني وقد قدمت ثأري بـطـعـنة

 

تجيش بموار من الجوف ثـاعـب

فقد خفت أن ألقي المنايا وإنـنـي

 

لتابع من وافي حمام الجـوالـب

ولما أطاعن في العـدو تـنـفـلاً

 

إلى الله أبغي فضلـه وأضـارب

وأعطف وراء المسلمين بطـعـنة

 

على دبر مجل من العيش ذاهـب

وقال أبو عمرو: بلغ أبا صخر أن رجلاً من قومه عابه وقدح عليه، فقال أبو صخر في ذلك :

ولقد أتاني ناصح عن كـاشـح

 

بعداوة ظهرت وقبـح أقـاول

أفحين أحكمني المشيب فلا فتىً

 

غمر ولا قحم وأعصل بازلـي

ولبست أطوار المعيشة كلـهـا

 

بمؤبدات للـرجـال دواغـل

أصبحت تنقصني وتقرع مروتي

 

بطراً ولم يرعب شعابك وابلي

وتنلك إظفاري ويبرك مسحلـي

 

بري الشسيب من السراء الذابل

فتكون للباقين بعـدك عـبـرة

 

وأطأ جبينك وطأة المتثـاقـل

وقال أبو عمرو: وكن أبو صخر الهذلي يهوى امرأة من قضاعة، مجاورة فيهم، يقال لها ليلى بنت سعد، وتكنى أم حكيم، وكانا يتواصلان برهة من دهرهما، ثم تزوجت ورحل بها زوجها إلى قومه ، فقال في ذلك أبو صخر: 

ألـم خـيال طـارق مـــتـــأوب

 

لأم حكيم بعدمـا نـمـت مـوصـب

وقد دنت الـجـوزاء وهـي كـأنـهـا

 

ومرزمها بـالـغـور ثـور وربـرب

فبات شرابي في المنام مـع الـمـنـى

 

غريض اللمى يشفي جوى الحزن أشنب

قضـاعـية أدنـى ديار تـحـلـهــا

 

قناة وأني من قـنـاة الـمـحـصـب

سراج الدجى تغتل بالمـسـك طـفـلة

 

فلا هي متفال ولا الـلـون أكـهـب

دميثة ما تـحـت الـثـياب عـمـيمة

 

هضيم الحشا بكـر الـمـجـسة ثـيب

تعلقتـهـا نـفـوداً لـذيذاً حـديثـهـا

 

ليالي لا عمـى ولا هـي تـحـجـب

فكان لها ودي ومـحـض عـلاقـتـي

 

وليداً إلـى أن رأسـي الـيوم أشـيب

فلم أر مثلي أيأست بعـد عـلـمـهـا

 

بودي ولا مثلي على الـيأس يطـلـب

ولو تلتقي أصداؤنـا بـعـد مـوتـنـا

 

ومن دون رمسينا من الأرض سبسـب

لظل صدى رمسي ولـو كـنـت رمة

 

لصوت صدى ليلـى يهـش ويطـرب

وقصيدة أبي صخر التي فيها الغناء المذكور من مختار شعر هذيل ، وأولها:

لليلى بذات الجيش دار عـرفـتـهـا

 

وأخرى بذات البين آياتـهـا سـطـر

وقفت برسميهـا فـلـمـا تـنـكـرا

 

صدفت وعين دمعها سـرب هـمـر

وفي الدمع إن كذبت بالحـب شـاهـد

 

يبين ما أخفي كـمـا بـين الـبـدر

صبرت فلما غال نفسـي وشـفـهـا

 

عجاريف نأي دونها غلب الـصـبـر

إذا لم يكـن بـين الـخـلـيلـين ردة

 

سوى ذكر شيء قد مضى درس الذكر

وهذا البيت خاصة رواه الزبير بن بكار لنصيب :

إذا قلت هذا حبن أسلو يهيجـنـي

 

نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر

وإني لتعروني لذكـراك فـتـرة

 

كما انتفض العصفور بلله القطر

هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى

 

وزرتك حتى قيل ليس له صبـر

صدقت أنا الصب المصاب الذي به

 

تباريح حب خامر القلب أو سحر

أما والذي أبكى وأضحـك والـذي

 

أمات وأحيا والذي أمـره الأمـر

لقد تركتني أحسد الوحـش أن أرى

 

أليفين منها لم يروعهما الـزجـر

فيا هجر ليلى قد بلغت بي المـدى

 

وردت علي ما لم يكن بلغ الهجر

ويا حبها زدني جـوى كـل لـيلة

 

ويا سلوة الأيام موعدك الحـشـر

عجبت لسعي الدهر بيني وبينـهـا

 

فلما انقضى ما بيننا سكن الدهـر

فليست عشيات الحمى بـرواجـع

 

لنا أبداً ما أورق السلم النـضـر

وإني لآتيها لكـيمـا تـثـيبـنـي

 

وأوذنها بالصرم ما وضح الفجـر

فما هـو إلا أن أراهـا فـجـاءة

 

فأبهت لا عرف لدي ولا نـكـر

تكاد يدي تندى إذا ما لمـسـتـهـا

 

وينبت في أطرافها الورق الخضر

في هذه الأبيات ثقيل أول قديم مجهول، وفي البيت الأخير لعريب خفيف ثقيل، وقد أضافت إليه بيتاً ليس من الشعر، وهو:

أبى القلـب إلا حـبـهـا عـامـرية

 

لها كنية ” عمرو ” وليس لها ” عمرو “

أخبرني محمد بن مزيد قال: حدثنا حماد بن إسحاق قال: حدثني أبي عن جدي قال: دخلت يوماً على موسى الهادي وهو مصطبح، فقال لي: يا إبراهيم غنني، فإن أطربتني فلك حكمك، فغنيته:

وإني لتعروني لذكـراك فـتـرة

 

كما انتفض العصفور بلله القطر

فضرب بيده إلى جنب دراعته فشقها حتى انتهى به إلى صدره.

ثم غنيته:

أما والذي أبكى وأضحك والـذي

 

أمات وأحيا والذي أمره الأمـر

لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى

 

أليفين منها لم يروعهما الزجـر

 فشق ذراعه حتى انتهى إلى آخرها.

ثم غنيته:

فيا حبها زدني جوى كل لـيلة

 

ويا سلوة الأيام موعدك الحشر

فشق جبة كانت تحت الدراعة حتى هتكها.

ثم غنيته:

عجبت لسعي الدهر بيني وبينها

 

فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر

 فشق قميصاً كان تحت ثيابه حتى بدا جسمه . ثم قال: أحسنت والله فاحتكم. فقلت: تهب لي، يا أمير المؤمنين، عين مروان بالمدينة، فغضب حتى دارت عيناه في رأسه، ثم قال: لا، ولا كرامة، أردت أن تجعلني أحدوثة للناس، وتقول: أطربته فحكمني، فحكمت، فأمضى حكمي.

ثم قال لإبراهيم الحراني: خذ بيد هذا لجاهل وأدخله ، بيت مال الخاصة فإن أخذ كل شيء فيه فلا تمنعه منه، فدخلت معه فأخذت مالاً جليلاً وانصرفت .

و مما يغنى فيه من شعر أبي صخر الهذلي قوله من قصيدة له:

بيد الذي شغف الفؤاد بكـم

 

فرج الذي ألقى من الهـم

هم من أجلك ليس يكشفـه

 

إلا مليك جائز الـحـكـم

فاستيقني أن قد كلفت بكـم

 

ثم افعلي ما شئت عن علم

قد كان صرم في الممات لنا

 

فعجلت قبل الموت بالصرم

الشعر لأبي صخر الهذلي. والغناء للغريض، ثقيل أول بالوسطى، عن عمرو وفيه لسياط ثقيل أول آخر بالبنصر، ابتداؤه نشيد:

فاستيقني أن قد كلفت بكم

 وهكذا ذكر الهشامي أيضاً، وذكر أن لحن الغريض ثاني ثقيل، وأن فيه لابن جامع خفيف رمل .

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن الحسن الحرون قال: حدثني الكسروي قال: لقي إبراهيم النظام غلاماً أمرد فاستحسنه، فقال لي: يا بني، لولا أنه قد سبق من قول الحكماء ما جعلوا به السبيل لمثلي إلى مثلك في قولهم : ” لا ينبغي لأحد أن يكبر عن أن يسأل كما لا ينبغي لأحد أن يصغر عن أن يقول ” لما أنست إلى مخاطبتك، ولا هششت لمحادثتك ، ولكنه سبب الإخاء، وعقد المودة، ومحلك من قلبي محل الروح من جسد الجبان. فقال له الغلام وهو لا يعرفه: لئن قلت ذاك أيها الرجل لقد قال الأستاذ إبراهيم النظام : ” الطبائع تجاذب ما شاكلها بالمجانسة، وتميل إلى ما يوافقها بالمؤانسة ” وكياني مائل إلى كيانك بكليتي، ولو كان ما أنطوى لك عليه عرضاً ما اعتددت به وداً، ولكنه جوهر جسمي، فبقاؤه ببقاء النفس، وعدمه بعدمها، وأقول كما قال الهذلي:

فاستيقني أن قد كلفت بكم

 

ثم افعلي ما شئت عن علم

فقال له النظام: إنما خاطبتك بما سمعت ، وأنت عندي غلام مستحسن، ولو علمت أنك بهذه المنزلة لرفعتك إلى رتبتها .

قال أبو الحسن الأخفش: فأخذ أبو دلف هذا المعنى فقال:

أحبك يا جنان وأنت مـنـي

 

محل الروح من جسد الجبان

ولولا أني أقول مكان نفسـي

 

لخفت عليك بادرة الزمـان

لإقدامي إذا ما الخيل خامـت

 

وهاب كماتها حر الطعـان

 وتمام أبيات أبي صخر الميمية التي ذكرت فيها الغناء الأخير وخبره أنشدنيها الأخفش عن السكري عن أصحابه:

ولما بقيت لـيبـقـين جـوى

 

بين الجوانح مضرع جسمـي

ويقر عينـي وهـي نـازحة

 

ما لا يقر بعين ذي الحـلـم

أطلال نعم إذ كلفـت بـهـا

 

يأدين هذا القلب مـن نـعـم

ولو أنني أشقى على سقمـي

 

بلمى عوارضها شفى سقمي

ولقد عجبت لنبـل مـقـتـدر

 

يسط الفؤاد بهـا ولا يدمـي

يرمي فيجرحني بـرمـيتـه

 

فلو أنني أرمي كمـا يرمـي

أو كان قلب إذ عزمـت لـه

 

صرمي وهجري كان ذا عزم

أو كان لي غنـم بـذكـركـم

 

أمسيت قد أثريت من غنمـي

 أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد عن أبيه، عن أبي عبد الله الأنصاري، عن غرير بن طلحة الأرقمي قال: قال لي أبو السائب المخزومي، وكان من أهل الفضل والنسك: ” هل لك في أحسن الناس غناءً “؟ قلت: نعم. وكان علي يومئذ طيلسان لي أسميه من غلظه وثقله ” مقطع الأزرار ” فخرجنا حتى جئنا إلى الجبانة ، إلى دار مسلم بن يحيى الأرت صاحب الخمر، مولى بني زهرة فأذن لنا، فدخلنا بيتاً طوله اثنتا عشرة ذراعاً في مثلها ، وسمكه في السماء ست عشرة ذراعاً، ما فيه إلا نمرقتان قد ذهبت منهما اللحمة وبقي السدى، وفراش محشو ليفاً ، وكرسيان من خشب قد تقلع عنهما الصبغ من قدمهما وبينهما مرفقتان محشوتان بالليف. ثم طلعت علينا عجوز كلفاء عجفاء، كأن شعرها شعر ميت، عليها قرقل هروي أصفر غسيل ، كأن وركيها في خيط من رسحها حتى جلست، فقلت لأبي السائب: بأبي أنت وأمي ؟ ما هذه؟ قال: اسكت: فتناولت عوداً فضربت وغنت:

بيد الذي شغف الفؤاد بكم

 

فرج الذي ألقى من الهم

قال غرير: فحسنت – والله -، في عيني وجاء نقاء وصفاء ، فأذهب الكلف من وجهها، وزحف ، أبو السائب وزحفت معه. ثم غنت :

برح الخفاء فأي ما بك تكتم

 

ولسوف يظهر ما يسر فيعلم

مما تضمن من غريرة قلبـه

 

يا قلب إنك بالحسان لمغرم

يا ليت أنك يا حسام بأرضنـا

 

تلقي المراسي دائماً وتخـيم

فتذوق لذة عيشنا ونعـيمـه

 

ونكون أجواراً فماذا تـقـم

الغناء لحكم، خفيف رمل بالوسطى، عن الهشامي.

فقال أبو السائب: إن نقم هذا فيعض بظر أمه، وزحف وزحفت معه، حتى قاربت النمرقة وربت العجفاء في عيني كما يربو السويق شيب بماء قربة.

ثم غنت:

يا طول ليلي أعالج السقمـا

 

إذ حل دون الأحبة الحرما

ما كنت أخشى فراق بينكـم

 

فاليوم أضحى فراقكم عزما

الغناء للغريض، ثقيل أول بالوسطى في مجراها، وله أيضاً فيه ، خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر جميعاً، عن إسحاق.

قال غرير: فألقيت طيلساني وتناولت شاذكونة ، فوضعتها على رأسي وصحت كما يصاح بالمدينة: الدخن بالنوى، وقام أبو السائب، وتناول ربعة فيها قوارير دهن كانت في البيت، فوضعها على رأسه، وصاح بن الأرت صاحب الجارية، وكان ألثغ: ” قواليلي قواليلي ” – يريد: قواريري قواريري – أسألك بالله، فلم يلتفت أبو السائب إلى قوله، وحرك رأسه مرحاً فاضطربت القوارير وتكسرت، وسال الدهن على وجه أبي السائب وظهره وصدره ، ثم وضع الربعة وقال لها: لقد هجت لي داءً قديماً.

قال: ومكثنا نختلف إليها سنين، في كل جمعة يومين، وقال: ثم بعث عبد الرحمن بن معاوية بن هشام من الأندلس، فاشتريت له العجفاء وحملت إليه.

ألا هل إلى ريح الخزامى ونظرة

 

إلى قرقرى قبل الممات سبـيل

فيا أثلاث القاع من بطن توضـح

 

حنيني إلى أطلالـكـن طـويل

ويا أثلاث القاع قلبـي مـوكـل

 

بكن، وجدوى خيركـن قـلـيل

ويا أثلاث القاع قد مل صحبتـي

 

وقوفي، فهل في ظلكن مقـيل؟

الشعر: ليحيى بن طالب الحنفي، والغناء لعلوية، خفيف رمل بالوسطى ، عن عمرو. وفيه لإبراهيم لحن ماخوري بالوسطى، وفيه لعريب رمل، ولمتيم خفيف رمل آخر عن الهشامي. وفيه لابن المكي خفيف ثقيل من كتابه وذكر ابن المعتز أن لحن عريب ومتيم جميعاً من الرمل.