أبو دلامة

أبو دلامة
توفي 161 هـ

أبو دُلامة هو زند أو زيد بن جون ، كان غلاماً حبشياً أسوداً ، و هو أحد الشعراء المعاصرين لخلفاء بني العباس الثلاث الأوائل وهم السفاح والمنصور والمهدي ، بل يعتبر شاعرهم ونديمهم الخاص .

ورد في كتاب “وفيات الأعيان” لابن خلكان قوله:

” أبو دلامة زند بن الجون؛ كان صاحب نوادر وحكايات وأدب ونظم، وذكر الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب “تنوير الغبش” أنه كان أسود عبداً حبشياً مولى لبني أسد وكان أوه عبداً لرجل منهم يقال له قصاقص فأعتقه. أدرك أبو دلامة آخر بني أمية ولم يكن له نباهة في أيامهم، ونبغ في أيام بني العباس، فانقطع إلى السفاح والمنصور والمهدي، وكانوا يقدمونه ويفضلونه ويستطيبون نوادره، ومدح المنصور وذكر قتله أبا مسلم من جملة قصيدة فقال فيها:

أبا مسلم خوفتني القتل فانتحى

 

عليك بما خوفتني الأسد الورد

أبا مسلم ما غير الله نـعـمة

 

على عبده حتى يغيرها العبد

وأنشدها المنصور في ملإ من الناس فقال له: احتكم، فقال له: عشرة آلاف درهم، فأمر له بها، فلما خلا به قال: أما والله لو تعديتها لقتلتك. وقد قيل إنه بقي إلى خلافة الرشيد ولا يثبت، وكان مطبوعاً كثير النوادر.

وقال محمد بن زياد: سمعت ثعلباً يقول: لما ماتت حمادة بنت عيسى ابنة عم أبي جعفر فحضر جنازتها وجلس لدفنها وهو متألم لفقدها كئيب عليها وهي زوجته، فأقبل أبو دلامة وجلس قريباً منه، فقال له المنصور: ويحك! ما أعددت لهذا المكان؟ وأشار إلى القبر، فقال: ابنة عم أمير المؤمنين، فضحك المنصور حتى استلقى، ثم قال له: ويحك، فضحتنا بين الناس.

وامر المهدي أبا دلامة بالخروج نحو عبد الله بن علي، فقال أبو دلامة: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تحضرني شيئاً من عساكرك فإني شهدت تسعة عساكر انهزمت كلها، وأخاف أن يكون عسكرك العاشر، فضحك منه وأعفاه.

قال أبو العيناء: بلغنا عن أبي دلامة أنه دخل على المهدي فأنشده قصيدة، فقال له: سلني حاجتك، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي كلباً، فغضب، وقال: أقول لك سلني حاجتك، فتقول: هب لي كلباً؟ فقال: يا أمير المؤمنين، الحاجة لي أم لك؟ قال بل لك، قال: فإني أسألك أن تهب لي كلب صيد، فأمر له بكلب، فقال: يا أمير المؤمنين، هبني خرجت إلى الصيد أفأعدو على رجلي؟ فأمر له بدابة، فقال: يا أمير المؤمنين، من يقوم عليها؟ فأمر به بغلام، فقال: يا أمير المؤمنين، هبني صدت صيداً وأتيت به المنزل فمن يطبخه؟ فأمر له بجارية، فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء يبيتون في البادية؟ فأمر له بدار، فقال: يا أمير المؤمنين، قد صيرت في عنقي كفاء من عيال، جريب غامراً، قال: أما العامر فقد عرفت، فما الغامر؟ قال: الخراب الذي لا شيء فيه، قال: أنا أقطع أمير المؤمنين مائة ألف جريب بالبدو، ولكني أسأل أمير المؤمنين من ألف جريب جريباً واحداً عامراً، قال: من أين؟ قال: من بيت المال، فقال المهدي: حولوا المال وأعطوه جريباً، قال: يا أمير المؤمنين، إذا حول منه المال صار غامراً، فضحك منه، قال: فهل بقيت لك حاجة؟ قال: نعم، تأذن لي أن أقبل يدك، فقال: ما لك إلى ذلك سبيل، قال: والله ما رددتني عن حاجة أهون علي فقداً منها.

واتفق أن أبا دلامة تأخر عن الحضور بباب أبي جعفر أياماً ثم حضر، فأمر بإلزامه القصر، وألزمه بالصلاة في مسجده، ووكل به من يلاحظه في ذلك، فمر به أبو أيوب المورياني وهو إذ ذاك وزير أبي جعفر، فقام إليه أبو دلامة ودفع رقعة مختومة، وقال: هذه ظلامة لأمير المؤمنين، فأوصلها أعزك الله إليه بخاتمها، فأخذها أبو أيوب، فلما دخل على أبي جعفر أوصلها إليه فقرأها فإذا فيها:

 

ألم تعلموا أن الـخـلـيفة لـزنـي

 

بمسجده والقصر، ما لي وللقصـر

أصلي به الأولى مع العصر دائمـاً

 

فويلي من الأولى وويلي من العصر

ووالله ما لي نية فـي صـلاتـهـم

 

ولا البر والإحسان والخير من أمري

وما ضره والـلـه يصـلـح أمـره

 

لو أن ذنوب العالمين على ظهـري

فضحك المنصور وأمر بإحضاره، فلما حضر قال: هذه قصتك؟ قال: دفعت إلى أبي أيوب رقعة مختومة أسأل فيها إعفائي من لزوم الذي أمرني بلزومه، فقال له أبو جعفر: اقرأها، قال: ما أحسن أن أقرأ، وعلم أنه إن أقر بكتابته لها يحده بذكره الصلاة وتعريضه بها، فلما رآه يحيد من ذلك، قال له: يا خبيث أما لو أقررت لضربتك الحد، ثم قال: لقد أعفيتك من لزوم المسجد، فقال أبو دلامة: أو كنت ضاربي يا أمير المؤمنين لو أقررت؟ قال: نعم، قال: مع قول الله عز وجل “يقولون ما لا يفعلون”. الشعراء. فضحك منه وأعجب من انتزاعه، ووصله.

وذكر ابن شبة في كتاب “أخبار البصرة” أن أبا دلامة كتب إلى سعيد بن دعلج-وكان يومئذ يتولى الأحداث بالبصرة-وأرسلها إليه من بغداد مع ابن عم له:

 

إذا جئت الأمير فقـل سـلام

 

عليك ورحمة الله الـرحـيم

وأما بعد ذاك فـلـي غـريم

 

من الأعراب قبح من غـريم

له ألف علي ونصف أخـرى

 

ونصف النصف في صك قديم

دراهم ما انتفعت بها ولكن

 

وصلت بها شيوخ بني تميم

فسير له ابن دعلج ما طلب.

وكان روح بن حاتم المهلبي والياً على البصرة، فخرج إلى حرب الجيوش الخراسانية ومعه أبو دلامة، فخرج من صف العدو مبارز، فخرج إليه جماعة فقتلهم، فتقدم روح إلى أبي دلامة بمبارزته فامتنع فألزمه فاستعفاه فلم يعفه، فأنشد أو دلامة:

 

إني أعوذ بروح أن يقـدمـنـي

 

الى القتال فيخزى بي بنو أسـد

إن المهلب حب الموت أورثكـم

 

ولم أرث أنا حب الموت من أحد

إن الدنو إلى الأعداء أعـلـمـه

 

مما يفرق بين الروح والجسـد

فأقسم عليه ليخرجن، وقال: لماذا تأخذ رزق السلطان؟ قال: لأقاتل عنه، قال: فمالك لا تبرز إلى عدو الله؟ فقال: أيها الأمير، إن خرجت إليه لحقت بمن مضى، وما الشرط أن أقتل عن السلطان، بل أقاتل عنه، فحلف روح: لتخرجن إليه فتقتله أو تأسره أو تقتل دون ذلك، فلما رأى أبو دلامة الجد منه قال: أيها الأمير، تعلم أن هذا أول يوم من أيام الآخرة، ولابد فيه من الزوادة، فأمر له بذلك، فأخذ رغيفاً مطوياً على دجاجة ولحم وسطيحة من شراب وشيئاً من نقل، وشهر سيفاً وحمل، وكان تحته فرس جواد، فأقبل يجول ويلعب بالرمح، وكان مليحاً في الميدان، والفارس يلاحظه ويطلب منه غرة، حتى إذا وجدها حمل عليه، والغبار كالليل، فأغمد أبو دلامة سيفه وقال للرجل: لا تعجل واسمع مني-عافاك الله-كلمات ألقيهن إليك، فإنما أتيتك في مهم، فوقف مقابله وقال: ما المهم؟ قال: أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا أبو دلامة، قال: قد سمعت بك حياك الله، فكيف برزت إلي وطمعت في بعد من قتلت من أصحابك؟ فقال: ما خرجت لأقتلك ولا لأقاتلك، ولكني رأيت لباقتك وشهامتك فاشتهيت أن تكون لي صديقاً، وإني لأدلك على ما هو أحسن من قتالنا، قال: قل على بركة الله تعالى، قال: أراك قد تعبت وأنت بغير شك سغبان ظمآن، قال: كذلك هو، قال: فما علينا من خراسان والعراق، إن معي خبزاً ولحماً وشراباً ونقلاً كما يتمنى المتمني، وهذا غدير ماء نمير بالقرب منا، فهلم بنا إليه نصطبح وأترنم لك بشيء من حداء الأعراب، فقال: هذا غاية أملي، فقال: ها أنا أستطرد لك فاتبعني حتى نخرج من حلق الطعان، ففعلا، وروح يتطلب أبا دلامة فلا يجده، والخراسانية تطلب فارسها فلا تجده، فلما طابت نفس الخراساني قال له أبو دلامة: إن روحاً كما عملت من أبناء الكرام، وحسبك بابن المهلب جواداً، وإنه يبذل لك خلعة فاخرة وفرساً جواداً ومركباً مفضضاً وسيفاً محلى ورمحاً طويلاً وجارية بربرية وينزلك في أكثر العطاء، وهذا خاتمه معي لك بذلك، قال: ويحك! وما أصنع بأهلي وعيالي؟ فقال: استخر الله وسر معي ودع أهلك، فالكل يخلف عليك، فقال: سر بنا على بركة الله، فسارا حتى قدما من وراء العسكر، فهجما على روح، فقال: يا أبا دلامة أين كنت؟ قال: في حاجتك، أما قتل الرجل فما أطقته، وأما سفك دمي فما طبت به نفساً، وأما الرجوع خائباً فلم أقدم عليه، وقد تلطفت وأتيتك به أسير كرمك، وقد بذلت له عنك كيت وكيت، فقال: ممضى إذا وثق لي، قال: بماذا؟ قال: بنقل أهله، قال الرجل: أهلي على بعد ولا يمكنني نقلهم الآن، ولكن امدد يدك أصافحك وأحلف لك متبرعاً بطلاق الزوجة أني لا أخونك، فإن لم أف إذا حلفت بطلاقها لم ينفعك نقلها، قال: صدقت، فحلف له وعاهده، ووفى له بما ضمنه أبو دلامة وزاد عليه، وانقلب معهم الخراساني يقاتل الخراسانية، وينكي فيهم أشد نكاية، وكان أكبر أسباب ظفر روح.

وكان المنصور قد أمر بهدم دور كثيرة وكان من جملتها دار أبي دلامة، فكتب إلى المنصور:

يا بن عم النـبـي دعـوة شـيخ

 

قد دنـا هـدم داره وبــواره

فهو كالماخض التي اعتادها الطل

 

ق فقـرت ومـا يقـر قـراره

لكم الأرض كلـهـا فـأعـيروا

 

عبدكم ما احتوى علـيه جـداره

فأمر له بدار عوضاً عنها ولما قدم المهدي بن المنصور من الري إلى بغداد دخل عليه أبو دلامة للتسليم والتهنئة بقدومه، فأقبل عليه المهدي، وقال له: كيف أنت يا أبا دلامة؟ فقال: يا أمير المؤمنين:

إني حلفت لئن رأيتك سالمـاً

 

بقرى العراق وأنت ذو وفر

لتصلين على النبي محـمـد

 

ولتملأن دراهماً حـجـري

 فقال المهدي: أما الأولى فنعم، وأما الثانية فلا، فقال: جعلني الله فداك! إنهما كلمتان لا يفرق بينهما، فقال: يملأ حجر أبي دلامة دراهم، فقعد وبسط حجره فملئ دراهم، فقال له: قم الآن يا أبا دلامة، فقال: ينخرق قميصي يا أمير المؤمنين، حتى أشيل الدراهم وأقوم، فردها إلى الأكياس ثم قام فدعا له وخرج بها وله أشعار كثيرة، وذكره ابن المنجم في كتاب “البارع في اختيار شعر المحدثين”.

ومن أخباره: أنه مرض ولده، فاستدعى طبيباً ليداويه وشرط له جعلاً معلوماً، فلما برئ قال له: والله ما عندنا شيء نعطيك، ولكن ادع على فلان اليهودي-وكان ذا مال كثير-بمقدار الجعل، وأنا وولدي نشهد لك بذلك، فمضى الطبيب إلى القاضي بالكوفة-وكان يومئذ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقيل: عبد الله بن شبرمة-وحمل إليه اليهودي المذكور، وادعى عليه بذلك المبلغ، فأنكر اليهودي، فقال: لي بينة، وخرج لإحضارها، فأحضر أبا دلامة وولده، فدخلا إلى المجلس، وخاف أبو دلامة أن يطالبه القاضي بالتزكية فأنشد في الدهليز قبل دخوله بحيث يسمع القاضي:

إن الناس غطوني تغطيت عنهم

 

وإن بحثوا عني ففيهم مباحث

وإن نبثوا نبـثـت بـئارهـم

 

ليعلم قوم كيف تلك النـبـائث

ثم حضرا بين يدي القاضي، وأديا الشهادة، فقال له: كلامك مسموع وشهادتك مقبولة، ثم غرم المبلغ من عنده وأطلق اليهودي، وما أمكنه أن يرد شهادتهما خوفاً من لسانه، فجمع بين المصلحتين وتحمل الغرم من ماله.

قال العتابي: خرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد ومعهما أبو دلامة، فرمى المهدي ظبياً فأصابه، ورمى علي بن سليمان ظبياً فأخطأه وأصاب كلباً، فضحك المهدي، وقال: يا أبا دلامة، قل في هذا، فقال:

قد رمى المهدي ظبياً

 

شك بالسهم فـؤاده

وعلي بن سـلـيمـا

 

ن رمى كلباً فصاده

فهنيئاً لكما كل امرئ

 

يأكـــــل زاده

فأمر له بثلاثين ألف درهم.

ودخل أبو دلامة على المهدي، فقال: يا أمير المؤمنين، ماتت أم دلامة، وبقيت ليس أحد يعاطيني، فقال: إنا لله، أعطوه ألف درهم يشتري بها أمة تعاطيه، وكان قد دس أم دلامة على الخيزران، فقالت: يا سيدتي مات أبو دلامة وبقيت ضائعة، فأمرت لها بألف درهم، فدخل المهدي على الخيزران، وهو حزين، فقالت: ما بال أمير المؤمنين؟ قال: ماتت أم دلامة، فقالت: إنما مات أبو دلامة، فقال: قاتل الله أبا دلامة وأم دلامة، قد خدعانا والله.

وكان أبو عطاء السندي مولى بني أسد قد هجاه بقوله:

ألا أبلغ هـديت أبـا دلامة

 

فليس من الكرام ولا كرامة

إذا لبس العمامة كان قـرداً

 

وخنزيراً إذا وضع العمامة

فلم يتعرض له أبو دلامة. ونوادره كثيرة.

وكانت وفاته سنة إحدى وستين ومائة. رحمه الله تعالى، ويقال: إنه عاش إلى أيام هارون الرشيد، وكانت ولاية الرشيد في سنة سبعين ومائة.

ودلامة: بضم الدال المهملة.

وزند: بفتح الزاي وسكون النون وبعدها دال مهملة، وقيل اسمه “زبد” بالياء الموحدة، والأول أثبت.

والجون: بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها نون.