أبو القاسم الشابي

أبو القاسـم الشّـابي
1909-1934م

قّلة هم الشعراء الذين ما إن تشبّثت جذورهم بالأرض حتى حلقوا، فكانوا أشبه بالشّهب التي يكفيها من الحياة أن تلمع في جبين السُّحب ثم تنطفئ، مُرسلين في الأرض ألحان السّماء، مثبّتين غلبة العبقرية على الأيّام. هؤلاء في الشّعراء أشبه شيء بالعنادل في عالم الطير‍.

مات الشّابي وهو في ربيع العمر، في العقد الثالث من حياته القصيرة الزّاخرة بالعطاء.

في مطلع هذا القرن، وُلِدَ أبو القاسم في بلدة الشابية، في جنوب تونس. فتشبّعت عيناه بجمالها الطّبيعي الفتّان. وإذ كان أبوه قاضيًا وشيخًا، فقد أخذ عنه أصول العربية والدّين. ولما بلغ الحادية عشرة من عمره، أُدخِلَ إلى مدرسةٍ دينيّةٍ. وفي مدى سبع سنين تخرّج شيخًا مثقفًا، ثم التحق بكليّة الحقوق التونسية فنال إجازتها سنة 1930. إلاّ أن الأدب في قلبه زحمَ الحقوق فمال إليه واتّصل بجماعةٍ من الأدباء والمفكّرين، وراح ينظم الشّعر، ويكتب المقالات، ويلقي المحاضرات؛ وكان شديد الإعجاب والتّأثر بأدب المهاجرة، وعلى رأسهم جبران. وكان شديد الإخلاص في حُبّ وطنه، داعياً إلى تحريره من الإحتلال الفرنسي، إلى جانب إيمانه الراسخ بقدرة شعبه على تحقيق الإستقلال، وهو القائل في قصيدته الوطنية المعروفة:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة             فلا بُدّ أن يستجيب القدر                

ولا بُـدّ للّيل أن ينجلـي                  ولا بُدّ للقيد أن ينكسـر

تأثّر جدًا لوفاة أبيه سنة 1929، وتسلّل المرض إلى قلبه فأسكته في عنفوان الشّباب.

للشّابي طائفة من الآثار، أهمّها ديوان “أغاني الحياة”، ودراسة أدبيّة بعنوان ” الخيال الشّعري عند العرب”.

من قصائده:..

إذا الشعب يوماً أراد الحياة
في سكون الليل لما
عذْبة ٌ أنتِ كالطّفولة ِ، كالأحلامِ
لكَ الحمْدُ مهْما استطالَ البلاء
نشيد الجبار ( هكذا غنّى بروميثيوس )
أيُّها الحُبُّ أنْتَ سِرُّ بَلاَئِي
سَئِمْتُ الحياة َ، وما في الحياة
في اللّيل نَادَيتُ الكَوَاكِبَ ساخطاً
فلسفة الثعبان المقدس
إني ارى َ..، فَأرَى جُمُوعاً جَمَّة
أيُّها الليلُ! يا أَبَا البؤسِ والهَوْ
لَسْتُ أبْكي لِعَسْفِ لَيْلٍ طَويلٍ،
يا عذارى الجمال، والحبِّ، والأحلامِ،
كلُّ ما هبَّ، وما دبَّ، وما
ليتَ لي أن أعيشَ هذهِ الدنيّا
أنتِ كالزهرة ِ الجميلة ِ في الغاب،
أَتَفنى ابتساماتُ تَلك الجفونِ؟
تَبَرَّمْتَ بالعيشِ خوفَ الفناءِ
إذا لم يكنْ من لقاءِ المنايا
أنتَ يا شعرُ، فلذة ٌ من فؤادي
يا ليلُ! ما تصنعُ النفسُ التي سكنتْ
يَا أيُّها الشَّادِي المغرِّدُ ههُنا
عِشْ بالشُّعورِ، وللشُّعورِ، فإنَّما
يَنْقَضِي العَيْشُ بَيْنَ شَوْقٍ وَيَأْسِ
أيْها الشعبُ! ليتني كنتُ حطَّاباً
ضعفُ العزيمة ِ لَحْدٌ، في سكينَتهِ
قَدَّس اللَّهُ ذِكْرَهُ مِن صَبَاحٍ
بيْتٌ، بَنَتْه ليَ الحياة ُ من الشذَى ،
قضَّيتُ أدْوارَ الحياة ِ، مُفَكِّراً
وأوَدُّ أن أحيا بفكرة ِ شاعرٍ
أرى هيكلَ الأيامُ، مشيَّداً
راعها منهُ صَمتُه ووجُومُه
تُسائلني: مالي سكتُّ، ولا أُهِبْ
تَرجُو السَّعادة َ يا قلبي ولو وُجِدَتْ
يَقُولونَ: «صَوْتُ المُسْتَذِلِّين خَافِتٌ
يا قلبُ! كم فيكَ من دُنْيا محجَّبة ٍ
هَهُنا في خمائل الغابِ، تَحْت الزَّا
ياربَّة َ الشّعرِ والأحلامِ، غنِّيتي
غَنَّاهْ الأَمْسُ، وأَطْرَبَهُ
يا إلهَ الوجودِ! هذي جراحٌ
شعري نُفَاثة صدري
إنَّ الحياة َ صِراعٌ
قد سكرنا بحبنا واكتفَيْنا
يا صَميمَ الحياة ِ! إنّي وَحِيدٌ
لو كَانَتِ الأَيّامُ في قبضتي
كان قلبِيَ فجرٌ، ونجومْ،
أينَ يا شعبُ قلبُكَ الخَافقُ الحسَّاسُ؟
رَفْرَفَتْ فِي دُجْيَة ِ اللَّيْلِ الحَزِينْ
أَزَنْبَقَة َ السفْح! مالي أراكِ
ألا أيها الظَّالمُ المستبدُ