يونس بن حبيب

يونس بن حبيب
80- 182 هـ

هو يونس بن حبيب البصري النحوي، من أكابر النحويين ، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء وسمع من العرب كما سمع من قبله، وأخذ عنه سيبويه وحكى عنه في كتابه، وأخذ عنه أيضا أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي وأبو زكريا يحي بن زياد الفراء .

ورد في كتاب “معجم الأدباء” لياقوت الحموي:

“أو عبد الرحمن الضبي وقيل الليثي بالولاء. إمام نحاة البصرة في عصره ومرجع الأدباء والنحويين في المشكلات.

 كانت حلقته مجمع فصحاء الأعراب وأهل العلم والأدب، سمع من العرب كما سمع من قبله وأخذ الأدب عن أبي عمرو ابن العلاء، وأخذ عنه سيبويه وروى عنه في كتابه وأخذ عنه أيضاً أبو الحسن الكسائي وأبو زكريا الفراء وأبو عبيدة معمر بن المثني وخلف الأحمر وأبو زيد الأنصاري وغيرهم من الأئمة، وكان له في العربية مذاهب يتفرد بها.

 حدث محمد بن سلام قال: سألت يونس النحوي عن أشعر الناس فقال: لا أومي إلى رجل بعينه ولكني أقول: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب. وكان يونس يفضل الأخطل على جرير والفرزدق وقد انفرد بذلك.

قال أبو عبيدة: سئل يونس النحوي عن جرير والفرزدق والأخطل: أيهم أشعر؟ فقال: أجمعت العلماء على الأخطل. قال أبو عبيدة: فقلت لرجل إلى جنبه: سله ومن هؤلاء العلماء؟ قسأل ه فقالمن شئت: ابن أبي إسحاق، وأبو عمرو ابن العلاء، وعيسى بن عمر الثقفي، وعنبسة الفيل، وميمون الأقرن. هؤلاء طرقوا الكلام لا كمن تحكون عنه لا بدويين ولا نحويين. فقلت للرجل سله: فبأي شيء فضل عليهم؟ قال: بأنه كان أكثرهم عدد قصائد طوال جياد ليس فيها فحش ولا سقط.

ومن نقد يونس للشعر: ما حكاه الأصمعي قال: جاء مروان بن أبي حفصة الشاعر إلى حلقة يونس فسلم ثم قال: أيكم يونس؟ فأومأنا إليه فقال له: أصلحك الله إني أرى قوما يقولون الشعر لأن يكشف أحدهم سوءته ثم يمشي كذلك في الطريق أحسن له من أن يظهر مثل ذلك الشعر، وقد قلت شعرا أعرضه عليك، فإن كان جيدا أظهرته، وإن كان رديئا سترته، فأنشده قوله: طرقتك زائرة فحي خيالها فقال له يونس يا هذا: اذهب فأظهر هذا الشعر، فأنت والله فيه أشعر من الأعشى في قوله: رحلت سمية غدوة أجمالها فقال له مروان: سررتني وسؤتني، سررتني بارتضائك شعري، وساءني تقديمك إياي على الأعشى وأنت تعرف محله فقال له يونس: إنما قدمتك عليه في تلك القصيدة لأفي شعره كله، لأنه قال فيها: فأصاب حبة قلبها وطحالها والطحال لا يدخل في شيء إلا أفسده، وقصيدتك سليمة من هذا وشبهه.

 من تصانيفه: كتاب معاني القرآن الكبير، كتاب معاني القرآن الصغير، كتاب اللغات، كتاب النوادر، كتاب الأمثال”.

وورد في كتاب “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

” أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب النحوي؛ قال أبو عبيد الله المرزباني في كتابه ” المقتبس في أخبار النحويين “: هو مولى ضبة، وقيل هو مولى بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وقيل مولى بلال بن هرمي من بني ضبيعة بن بجالة، وهو من أهل جبل، ومولده سنة تسعين ومات سنة اثنتين وثمانين ومائة، وكان يقول: أذكر موت الحجاج، وقيل مولده سنة ثمانين وأنه رأى الحجاج وعاش مائة سنة وسنتين، وقيل عاش ثمانيا وتسعين سنة.

وقال غير المرزباني: أخذ يونس الأدب عن أبي عمرو بن العلاء وحماد بن سلمة، وكان النحو أغلب عليه، وسمع من العرب، وروى سيبويه عنه كثيراً، وسمع منه الكسائي والفراء، وله قياس في النحو ومذاهب ينفرد بها، وكان من الطبقة الخامسة في الأدب، وكانت حلقته بالبصرة ينتابها الأدباء وفصحاء العرب وأهل البادية.

قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: اختلفت إلى يونس أربعين سنة أملأ كل يوم ألواحي من حفظه. وقال أبو زيد الأنصاري النحوي: جلست إلى يونس بن حبيب عشر سنين، وجلس إليه قبلي خلف الأحمر عشرين سنة. وقال يونس، قال لي رؤبة بن العجاج: حتام تسألني عن هذه البواطل. وأزخرفها لك؟ أما ترى الشيب قد بلغ في لحيتك؟ وليونس من الكتب التي صنفها كتاب “معاني القرآن الكريم” وكتاب ” اللغات ” وكتاب ” الأمثال ” وكتاب ” النوادر ” الصغير. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: عاش يونس مائة سنة وستين. وقيل عاش ثمانياً وتسعين سنة، وقيل ثمانياً وثمانين سنة، لم يتزوج ولم يتسر. ولم تكن له همة إلا طلب العلم ومحادثة الرجال.

وقال يونس: لو تمنيت أن أقول الشعر لما تمنيت أن أقول إلا مثل قول عدي بن زيد العبادي:

أيها الشامت المعير بالدهر

 أأنت المبرأ المـوفـور

 قلت: وهذا البيت من جملة أبيات سائرة بين الأدباء فيها مواعظ وعبر، وبعد هذا البيت:

 أم لديك العهد القـديم مـن الأي

ام بل أنت جـاهـلٌ مـغـرور

من رأيت المنون أخلـدن أم مـن

 ذا عـلـيه أن يضـام خـفـير

أين كسرى كسرى الملوك أنو شر

 وان أم أين قـبـلـه سـابـور

وبنو الأصفر الكرام مـلـوك ال

 روم لم يبق منـهـم مـذكـور

وأخو الحضـر إذ بـنـاه وإذ دج

لة تجبـى إلـيه والـخـابـور

شاده مرمـراً وجـلـلـه كـل

 ساً فللطـير فـي ذراه وكـور

لم يهبه صرف الزمان فبـاد الـم

 لك عنه فـبـابـه مـهـجـور

وتفكر رب الخـورنـق إذا أش

رف يوماً وللهـدى تـفـكـير

سره ملـكـه وكـثـرة مـا يم

لك والبحر معرض والـسـدير

فار عوى قلبه فقال: ومـا غـب

طة حي إلى المـمـات يصـير

ثم بعد الفلاح والـمـلـك والأم

ة وارتهم هـنـاك الـقـبـور

ثم صاروا كأنـهـم ورقٌ جـف

فألوت به الصـبـا والـدبـور

قلت: وهذه الأبيات تحتاج إلى تفسير طويل. ولو شرعت فيه لطال الكلام وخرجنا عن المقصود، فإن أكثرها يتعلق بالتاريخ، وفيها شيء يتعلق بالأدب، فاقتصرت على الإتيان بالغرض وتركت الباقي خوفاً من الإطالة، فلعل الشرح يدخل في أربع خمس كراريس، وليس هذا موضعه.

وروى محمد بن سلام الجمحي عن يونس أنه قال: ما بكت العرب على شيء في أشعارها كبكائها على الشباب، وما بلغت كنهه، فاتبع هذا الكلام منصور النمري فقال من جملة قصيدة طويلة يمدح بها هارون الرشيد بيتاً وهو:

ما كنت أوفي شبابي كنه غرته

حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع

وقال يونس: تقول العرب: فرقة الأحباب سقم الألباب، وأنشد:

شيئان لو بكت الدماء عليهمـا

 عيناي حتى يؤذنا بـذهـاب

لم يبلغا المعشار من حقيهمـا

شرخ الشباب وفرقة الأحباب

 وقال يونس: لم يقل لبيد في الإسلام سوى بيت واحد وهو:

الحمد لله إذ لم يأتني أجـلـي

حتى لبست من الإسلام سربالا

قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قدم جعفر بن سليمان العباسي من عند المهدي الخليفة، فبعث إلى يونس بن حبيب فقال له: أنا وأمير المؤمنين اختلفنا في هذا البيت:

 والشيب ينهض في السواد كأنه

 ليلٌ يصيح بجانبـيه نـهـار

فما الليل والنهار؟ فقال يونس: الليل الليل الذي تعرف، والنهار النهار الذي تعرف، فقال: زعم المهدي أن الليل فرخ الكروان والنهار فرخ الحبارى، فقال أبو عبيدة: القول في البيت ما قاله يونس، والذي قاله المهدي معروف في الغريب من اللغة. وقال يونس: كان جبلة بن عبد الرحمن يخرج إلى طباخه الرقاع يستدعي بها الطعام، وفيها الألفاظ الغريبة الحوشية، فلا يدري الطباخ ما فيها، حتى يمضي بها إلى ابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر وغيرهما يفسرون له ما فيها من الألفاظ، فإذا عرف الطباخ ما فيها أتاه بما استدعاه. فقال له يوماً: ويحك، إني أصوم معك، فقال له الطباخ: سهل كلامك حتى يسهل طعامك، فيقول: يا بن اللخناء أفأدع عربيتي لعيك؟ وكان يونس من أهل جبل، وهي بليدة على دجلة بين بغداد وواسط، وكان لايؤثر أن ينسب إليها، فلقيه رجل من بني أبي عمير فقال له: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في جبل أتنصرف أم لا؟ فشتمه يونس. فالتفت العميري فلم ير أحداً يشهده عليه. حتى إذا كان الغد مجلس للناس أتاه العميري فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في جبل. أتنصرف أم لا؟ فقال له يونس: الجواب ما قلته لك أمس.

وجبل: بفتح الجيم وضم الباء الموحدة المشددة، كذا قال الحافظ بن السمعاني في كتاب ” الأنساب “.

وهذه جبل منها أبو الخطاب الجبلي الشاعر المشهور، ومن شعره قوله:

كم جبت نحوك مهمهاً لو لم يعن

شوقي عليه لما قدرت أجوبـه

وركبت أخطاراً إليك مخـوفة

ولحبذا خطرٌ إلـيك ركـوبـه

قال السمعاني: وتوفي أبو الخطاب المذكور في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، وكان بينه وبين أبو العلاء المعري مشاعرة، وكتب إليه أبو العلاء قصيدته التي أولها:

غير مجد في ملتي واعتقادي

قلت: وهذا غلط منه، بل كتبها أبو العلاء المعري إلى أبي حمزة الحسن بن عبد الله الفقيه الحنفي قاضي منبج، كان، وقد ذكر ذلك الفقيه القاضي كمال الدين عرف بابن العديم الحلبي.

وحبيب: اسم أمه ولهذا لا يصرفونه، فإنه لا يعرف له أب، ويقال إنه ولد ملاعنة، ويقال إنه اسم أبيه فينصرف، والله أعلم، وكذلك محمد بن حبيب النسابة أيضاً.

ودخل يونس المسجد يوماً وهو يتهادى بين اثنين من الكبر، فقال له رجل كان يتهمه في مودته: بلغت ما أرى يا أبا عبد الرحمن، فقال: هو الذي ترى، لا بلغته، فأخذ هذا المعنى جماعة من الشعراء فنظموه.

وقال أبو الخطاب زياد بن يحيى: مثل يونس كمثل كوز ضيق الرأس لا يدخله شيء إلا بعسر، فإذا دخله لم يخرج منه، يعني أنه لا ينسى شيئاً.

وقد ذكرت تاريخ مولده وموته في أول الترجمة، وقيل إنه توفي سنة ثلاث وثمانين، وقيل خمس وثمانين، وقال عبد الباقي بن قانع، سنة أربع وثمانين ومائة، والله أعلم. وقيل إنه عاش ثمانياً وتسعين سنة، رحمه الله تعالى”.

معجم الأدباء