يعقوب صروف

يعقوب صروف
1852م-1927

ولد يعقوب صرّوف في الحَدَث قرب بيروت، وتعلم في عبيه، ثم كان من أوائل الطلاب الذّين انضموا إلى الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأميركية فيما بعد) عند افتتاحها سنة 1866 وكان بين أول متخرجيها بعد أربع سنوات. عمل مدرسًا في الخارج ثلاث سنوات ثم رجع إلى الجامعة يدرس فيها، حيث قضى اثنتي عشرة سنة. وخلال هذا العمل، أنشأ مع زميله فارس نمر مجلة “المقتطف” سنة 1876، ولا شك أن هذه الخطوة كانت هامة. وبعد تسع سنوات حمل صروف ونمر “المقتطف” إلى مصر، حيث انقطع صروف للمجلة وحدها. وعلى صفحاتها كان أكبر معلم عرفته ديار العرب في الحقبة الأخيرة.

يعقوب صروف رجل من رجال الفكر والعلم حتى يكاد يكون فريدا في الخدمة التي قدمها للعالم العربي. فاسمه مرتبط بـ”المقتطف” الذي أسسه مع فارس نمر، ثم انصرف إليه كليًا فأصدره اثنتين وخمسين سنة متوالية. و”المقتطف” كانت المجلة العلمية الأولى في العالم العربي التي نقلت إلى قُرّائها أفانين العلوم وأنواع المعرفة العلمية، فوضعت بين أيديهم معنى العلم ومحتواه ومضمونه.

والخدمة التي قام بها يعقوب صرّوف للعلم تدور حول توضيح الأسلوب العلمي في البحث عن الحقيقة والحثّ على الأخذ بها نظرًا وعملاً وإصلاحًا اجتماعيًا. وقد وقف في هذه الأمور موقف المُجاهد في توضيح الكون وطبيعة التطور فيه. وقد خاض صرّوف على صفحات المقتطف معارك علمية مثل معركة التطور وما إليها، وكأن الرجل أعاد في شخصه وعلى صفحات مجلته تاريخ العرب أيام انفتح هؤلاء على الفكر انفتاحًا تامًا في عصورهم الذّهبية. فقد درج علماء العرب القدامى ومفكروهم على الإنصراف إلى تطبيق المنهج العلمي في بحوثهم العلمية والطبية والفلسفية، فاستقام لهم أن أضافوا الكثير إلى المعرفة الإنسانية.

وجاء صروف ورفاق له ينقلون هذا الذي افتقده العرب قرونًا طويلةً ويضعونه في متناول أيدي أبناء الضاد.

ومن الجزء الأول من “المقتطف” إلى الجزء الأخير الذي أشرف على تحريره، كان لا ينفك يُبيّن أن البحث العلمي عن الحقيقة في نطاق علوم الطبيعة وعلوم الحياة لا يبدأ بمسلّمات مطلقة، أو نظم فلسفية أو آراء بعينها، ولا يعتمد على الأحكام المستنبطة من التّأمل في النفس أو من أقوال ذوي العقول الممتازة الذين سيطروا بقوّة عقولهم وامتيازهم على تفكير الناس حقبًا طويلة من الدّهر، بل يعتمد المنهج الذي أُسُسه المشاهدة ووضع الفروض والإستقرار والتجربة لإمتحان الفروض وقبولها أو تعديلها في نطاق قواعد رياضية ومنطقية وتجريبية تخضع لجميع قيود الضبط المُحكمة.