يعقوب الصفار

يعقوب الصفار
878-861 م

يعقوب بن الليث الصفار نسبة إلى حرفته: صناعة الصُفر أو النحاس.

تقول الروايات أنه ينحدر من جبال شرق فارس، انتسب في بداية أمره إلى إحدى عصابات قطاع الطرق. وهو رجل مغامر، انتهز فرصة ضعف الخلافة العباسية، واضطراب الأحوال السياسية واستفحال فتنة الزنج.

استطاع يعقوب بن الليث  بعد ذلك أن ينشئ ثم يقود وحدات عسكرية كبيرة ثم أعلن نفسه حاكما على موطنه في سستان (شرق فارس). سنة 867 م ضم إليه المناطق التي حكمها الطاهريون (منذ 868 م: هراة، فارس، شيراز، بلخ ثم تخارستان). كان مقر ملكه مدينة زرنج بأفغانستان المعاصرة.

وأسقط الدولة الطاهرية، فاعترفت به بغداد أميرًا مستقلاً، ولكنه لم يكتف بهذا، بل طمع في أن يحل محل الأتراك ببغداد. فرأت الدولة أن ترضيه ريثما تعد عدتها لمواجهته. فأرسلت إليه تقليدًا بولاية خراسان وطبرستان وجرجان والري وفارس وتعيينه أميرًا على شرطة بغداد وسامراء، وبذلك حققت له جميع ما طلب.

لم يقتنع الصَّفار بهذا كله، فأراد السير إلى بغداد ليرغمها على الإذعان لقوته وليحتل فيها مركز الأتراك من قبل، لذلك لم يجد الخليفة الموفق بدًا من الدخول معه في حرب، فخرج إليه على رأس جيش، فهزمه وكان سبب الهزيمة هو أنه عندما رأى جند الصَّفار الخليفة على رأس الجيش يحارب الصفار الذي كان أول أمره جنديًا مع المتطوعة يحارب الخارجين على الخليفة، انضموا للخليفة.

عاد الصفار إلى مناطقه ليحصنها ويستعد لجولة أخرى مع الخليفة. فاستولى على الأحواز من صاحب الزنج، ومع هذا أرسلت إليه الدولة تسترضيه، فجاءه رسولها وهو على فراش الموت، فلم يقبل الترضية، وعاد الرسول، ولم يلبث أن مات الصفار سنة 265هـ، 878م، وخلّف أخاه عَمْرًا، الذي مال إلى طاعة الخلافة.

ورد في “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

أبو يوسف يعقوب بن الليث الصفار الخارجي؛ وقد أكثر أهل التاريخ من ذكر هذا الرجل وذكر أخيه عمرو وما ملكا من البلاد وقتلا من العباد، وما جرى للخلفاء معهما من الوقائع، وقد اخترت من ذلك ما أودعته في هذه الأوراق فأقول: قال أبو عبد الله بن محمد الأزهر الأخباري: حدثني علي بن محمد، وكان عالماً بأمور يعقوب بن الليث الصفار ومحاربته، وأول أمره أنه وأخاه عمراً كانا صفارين في حداثتهما، وكانا يظهران الزهد، وأن رجلاً من أهل سجستان كان مشهوراً بالتطوع في قتال الخوارج، يقال له صالح بن النضر الكناني المطوعي من أهل بست، فصحباه وحظيا به، فقتلت الخوارج الذين يقال لهم الشراة أخا يعقوب المذكور، وأقام صالح المذكور يعقوب المذكور مقام الخليفة، ثم هلك صالح فتولى مكانه درهم بن الحسين من المطوعة أيضاً، فصار يعقوب مع درهم كما كان مع صالح. ثم إن صاحب خراسان احتال لدرهم حتى ظفر به، فحمل إلى بغداد فحبس بها ثم أطلق وخدم السلطان، ثم لزم بيته يظهر النسك والحج والاقتصاد، حتى غلظ أمر يعقوب.

وذكر شيخنا عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير في تاريخه في سنة سبع وثلاثين ومائتين ابتداء أمر يعقوب المذكور، فقال: في هذه السنة تغلب إنسان من أهل بست اسمه صالح بن النضر الكناني على سجستان ومعه يعقوب بن الليث، فعاد طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، أمير خراسان، واستنقذها منه، ثم ظهر بها إنسان اسمه درهم بن الحسين من المطوعة فغلب عليها، وكان غير ضابط لأمور عسكره، وكان يعقوب بن الليث قائد عسكره، فلما رأى أصحاب درهم ضعفه وعجزه اجتمعوا على يعقوب بن الليث، وملكوه أمرهم، لما رأوا من تدبيره وحسن سياسته وقيامه بأمرهم، فلما تبين ذلك له لم ينازعه في الأمر وسلمه إليه، واعتزل عنه، فاستبد يعقوب بالمر وضبط البلاد وقويت شوكته، وقصدته العساكر من كل ناحية، فصار من أمره ما سنذكره.

رجعنا إلى تمام ما ذكره علي بن محمد بن أحمد: قال: فلما دخل درهم بن الحسين بغداد تولى يعقوب أمر المطوعة، وحارب الخوارج الشراة فرزق الظفر بهم حتى أفناهم وأخرب ضياعهم، وأطاعه أصحابه بمكره ودهائه طاعة لم يطيعوها أحدها كان قبله. ثم اشتدت شوكته وزادت صولته، فغلب على سجستان وهراة وبوشنج وما والاها. وكان الترك بتخوم سجستان وملكهم رتبيل، ويسمى هذا القبيل من الترك الدراري، فحرضه أهل سجستان على قتالهم، وأعلموه أنهم أضر من الشراة الخوارج وأوجب محاربة، فغزا الترك فقتل رتبيل ملكهم، وقتل ثلاثة من ملوكهم بعد رتبيل، ويسمى كل ملك لهم رتبيل، وانصرف يعقوب إلى سجستان، وقد حمل رؤوسهم مع رؤوس ألوف منهم، فرهبته الملوك الذين حوله، منهم ملك المولتان وملك الرخج وملك الطبسين وملك زابلستان، وملك السند ومكران وغيرهم، وأذعنوا له. وكان قصده هراة وبوشنج في سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وأمير خراسان يومئذ محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي، وعامله عليها محمد بن أوس الأنباري، فخرج لمحاربته في تعبئة وبأس شديد وزي جميل، فحاربه مقاومته حتى احتال له يعقوب، فحال بينه وبين دخول المدينة، وهي بوشنج، وانحاز ابن أوس منهزماً، فقيل إنه لم يقاتله أحد أحسن موافقته كما أحسنها ابن أوس، ودخل يعقوب بوشنج وهراة، وصارت المدينتان في يده، وظفر بجماعة من الطاهرية، وهم المنسوبون إلى طاهر بن الحسين الخزاعي، فحملهم إلى سجستان، حتى وجه المعتز بالله الخليفة إليه المعروف بابن بلعم، وهو رجل من الشيعة، برسالة وكتاب، فأطلقهم.

قال ابن الأزهر الأخباري المذكور: حدثني محمد بن عبد الله بن مروان، قال: حدثني ابن بلعم المذكور قال: صرت إليه بكتاب أمير المؤمنين المعتز بالله زرنج – قلت: بفتح الزاي والراء وسكون النون وبعدها جيم، وهي كرسي بلاد سجستان – قال ابن بلعم: فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت ولم أسلم عليه، وجلست بين يديه من غير أمره، ودفعت الكتاب إليه فلما أخذه قلت له: قبل كتاب أمير المؤمنين فلم يقبله، وفضه، فتراجعت القهقرى إلى باب مجلسه الذي كان فيه ثم قلت: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله، فأعجبه ذلك، وأحسن مثواي ووصلني، وأطلق الطاهرية.

وقال ابن بلعم المذكور أيضاً: دخلت على يعقوب الصفار يوماً فقال لي: ينبغي أن يجيئنا رجل من ناحية فارس مستأمن، ومعه ثلاثة أنفس أو أربعة، بل هو تمام الخمسة، قال: فأنكرت هذا منه، وأمسك، فما علمت إلا وحاجبه قد دخل فسلم، وقال: أيها الأمير، بالباب رجل مستأمن ومعه أربعة أنفس، فقال: أدخله، فدخل وسلم وقال: أيها الأمير، معي أربعة أنفس، فأذن لهم فدخلوا عليه، فالتفت إلى الحاجب وقلت: قد أخذتم في المخازيق، فحلف لي أيماناً مغلظة أنهم جاءوا بغتة ما علم بهم أحد من الناس، وسألت يعقوب بعد ذلك، وقلت له: أيها الأمير، لقد رأيت منك عجباً في أمر المستأمنة فكيف علمت بهم؟ فقال: أخبرك أني فكرت في أمر فارس، ورأيت غراباً واقفاً بإزاء طريقها، واختلجت إحدى أصابع رجلي، ثم تبع بعضها بعضاً، فعلمت أنه عضو غير شريف، وأنه سيأتينا من ذلك الصقع قوم مستأمنة، أو رسل ليسوا بأجلة، فكانوا هؤلاء.

وقال علي بن الحكم: سألت يعقوب بن الليث الصفار عن الضربة التي على وجهه، وهي منكرة على قصبة أنفه ووجنته، فذكر أن ذلك أصابه في بعض وقائع الشراة، وأنه طعن رجلاً منهم، فرجع عليه فضربه هذه الضربة، فسقط نصف وجهه حتى رد وخيط، قال: فمكثت عشرين يوماً في فمي أنبوبة قصب، وفمي مفتوح لئلا يتقرح رأسي، وكان يصب في حلقي الشيء بعد الشيء من الغذاء، قال حاجبه: وقد كان مع هذه الضربة يخرج ويعبي أصحابه للحرب ويقاتل.

وأرسل يعقوب إلى المعتز بالله هدية سنية، من جملتها مسجد فضة مخلع يصلي فيه خمسة عشر إنساناً، وسأل أن يعطى بلاد فارس، ويقرر عليه خمسة عشر ألف ألف درهم، على أن يتولى إخراج علي بن الحسين بن قريش، وكان على فارس، ثم شخص يعقوب من سجستان في أثر كتابه إلى المعتز، يريد كرمان، ثم نزل بم – قلت: وهي بالباء الموحدة المفتوحة وبعدها ميم مخففة، وهي الحد الفاصل بين سجستان وكرمان – قال: وكان بكرمان العباس بن الحسين بن قريش، أخو علي بن الحسين المذكور، ومعه أحمد بن الليث الكردي، فخرجا عن كرمان يريدان شيراز، وقدم يعقوب أخاه علي بن إلى السيرجان – قلت: وهي بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها ثم راء وجيم وبعد الألف نون، وهي مدينة كرمان – قال: وضم إليه جماعة فأقام هو على بم، فرد أحمد بن الليث الكردي إليه من الطريق في جمع كثير من الأكراد وغيرهم، فصاروا إلى درابجرد – قلت: وهي بفتح الدال المهملة ثم راء وألف وبعدها دال مهملة، وهذا الاسم يقع بالاشتراك على ثلاثة مواضع: الأول: كورة عظيمة مشهورة بفارس، قصبتها درابجرد، والثاني قرية بفارس أيضاً من أعمال اصطخر فيها معدن الزئبق، فيحتمل أن يكون مصيرهم إلى الأولى أو إلى الثانية، وأما الثالثة: فهو موضع بنيسابور، ولا يحتمل مصيرهم إليه، لأنه بخراسان فلا تعلق له بفارس.

قال الراوي: فظفر أحمد بن الليث بجماعة من أصحاب يعقوب يطلبون العلف، فقتل بعضهم وهرب منهم جماعة، ووجه أحمد بن الليث برؤوس من قتل من أصحاب يعقوب إلى فارس، فنصب علي بن الحسين رؤوسهم، فبلغ الخبر يعقوب، فدخل كرمان، فندب علي بن الحسين لمحاربته طوق بن المغلس في خمسة آلاف من الأكراد، سوى من تقدم مع أحمد بن الليث الكردي، وسار طوق حتى نزل على مدينة إياس من عمل كرمان، فورد عليه كتاب يعقوب يعلمه أنه أخطأ إذ دخل عملاً ليس إليه، فرد عليه طوق: أنت بعمل الصفر أعلم منك بعمل الحروب، فعظم ذلك على يعقوب، وكان في عسكر طوق ثلثمائة رجل من الأبناء، فوافى يعقوب مدينة إياس فأوقع بطوق وقتل أصحابه وهزم من بقي منهم، وصبر الأبناء الثلثمائة حتى أشجوا يعقوب فأعطاهم الأمان، فلم يقبلوا حتى قتلوا عن آخرهم، وقتل يعقوب في هذه الوقعة ألفي رجل وأسر ألفاً، وأسر طوق بن المغلس وقيده بقيد خفيف، ووسع عليه في مطعمه وغيره، واستخرج منه الأموال، ورحل يعقوب عن إياس ودخل عمل فارس، فخندق علي بن الحسين على نفسه بشيراز، وذلك في يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين ومائتين.

وكتب علي بن الحسين إلى يعقوب بعلمه أن طوق بن المغلس فعل ما فعل من غير أمره، وانه لم يأمره بمحاربته وقال له: إن كنت تطلب كرمان فقد خلفها وراءك، وإن كنت من أمير المؤمنين بتسليم العمل لأنصرف. فرد عليه يعقوب: إن كتاباً من السلطان معه لا يتهيأ أن يوصله حتى يدخل البلد فقد ودع وأزاح علته، وإلا فالسيف بيننا والموعد مرج سنكان، وهو مرج واسع بينه وبين شيراز ثلاثة فراسخ، وكتب صاحب البريد ووجوه البلد إلى يعقوب يعلمونه أنه ما ينبغي له. مع ما وهب له الله تعالى من التطوع والديانة وقتل الخوارج ونفيهم عن بلاد خراسان وسجستان، التسرع إلى سفك الدماء، لأن علي بن الحسين لن يسلم البلد إلا بكتاب الخليفة، واعتد أهل شيراز للحصار، وقد كانت المنهزمة من أصحاب طوق ثلاثة أنفس من أصحاب يعقوب، فحبسهم علي بن الحسين. وقد كان طوق خروجه إلى يعقوب اشترى داراً بشيراز بسبعين ألف درهم، وقد للنفقة عليها مالاً، فكتب طوق إلى ابنه: لا تقطع البناء عن الدار، فإن الأمير يعقوب قد أكرمني وأحسن إلي، وسأل في إطلاق الثلاثة المأسورين من أصحاب يعقوب، وكان يعقوب سأله ذلك ليطلقه إذا وافوا إليه، فقال علي بن الحسين: اكتبوا إلى يعقوب ليصلب طوق بن المغلس، وإن أقل عبد من عبيده أكبر عنده منه، وسأل يعقوب طوق بن المغلس عن أمور علي بن الحسين، فضعف أمره عنده، فتقرب طوق إلى يعقوب بمال عنده بشيراز، وأنه كتب إلى أهله إليه ليقوى به على حربه، فأمره يعقوب أن يفعل ذلك، فكتب إلى ابنه فوقع الكتاب في يد علي بن الحسين، فأخذ المال وغيره من دار طوق، وحمله إلى داره، وزحف يعقوب، واحتشد علي بن الحسين.

قال أحمد بن الحكم، قال لي يعقوب: أخبرني عن علي بن الحسين أمسلم هو؟ قلت: نعم، قال: أفرأيت مسلماً يوجه بالأكراد الكفار إلى بلاد المسلمين فيقتلونهم ويحملون نساءهم ويأخذون أموالهم؟ ألم تعلم أن أحمد بن الليث الكردي قتل بكرمان سبعمائة إنسان على دم واحد، وافتض الأكراد مائتي بكر من أهل البيوتات، وحملوا معهم نحو ألفي امرأة إلى بلادهم؟ أفرأيت مسلماً يرضى بهذا؟ قال:، قلت: فعل أحمد هذا من غير أمره. ثم قال له يعقوب في بعض مناظراته: قل لعلي بن الحسين: إن معي قوماً أحراراً جئت بهم ليس يتأتى لي درهم إلا بما يحبون، فوجه إلي بما يرضيهم ووجه لي في نفسي ما يشبه مثلي من البر، فإذا فعلت فأنا أخوك وعونك على من حاربك وأدفع لك كرمان تأكلها، وأنصرف إلى عملي. وارتحل يعقوب، فنزل قرية يقال لها خوزاستان، ووافى أحمد بن الحكم إلى علي بن أبي الحسين يوم الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الأولى من السنة، وعلى يده كتاب يعقوب.

قال ابن الحكم: فلم يفهم علي بن الحسين شيئاً مما جئت به من الدهش، وحاصل الكتاب بعد الدعاء له: فهمت كتابك، وذكرك ورودي هذا البلد العظيم خطره بغير، إذن أمير المؤمنين، فإني لست ممن تطمع نفسه في محاولة ظلم، ولا ممن يمكنه ذلك، وقد أسقطت عنك مؤونة الاهتمام في هذا الباب، فإن البلد لأمير المؤمنين، ونحن عبيده بأمره في أرضه وسلطانه، وفي طاعة الله وطاعته، وقد استمعت من رسولك، ورجعت إليه في جواب ما عملته وأدائه ما يورده عليك لنا ولك فيه صلاحاً، فإن استعملته ففيه السلامة إن شاء الله تعالى، وإن أبيت فإن قدر الله تعالى نافذ لا محيص عنه، ونحن نعتصم بالله من الهلكة، ونعوذ به من دواعي البغي ومصارع الخذلان، ونرغب إليه في السلامة ديناً ودنيا بلطفه، مد الله في عمرك؛ وكتب يوم الاثنين، لليلة خلت من جمادى الأولى، سنة خمس وخمسين ومائتين.

ثم تزاحف الفريقان، وقد اجتمع في عسكر علي بن الحسين خمسة عشر ألف إنسان، ووجه أحمد بن الليث الطلائع، وذلك في غداة الأربعاء لأربع خلون من الشهر المذكور. ولما كان يوم الخميس وافت طلائع يعقوب، ثم التقى الجيشان، فحملوا حملة، وفي الثانية أزالوا أصحاب علي بن الحسين عن مواضعهم، وصدقت المجالدة، فانهزموا ومروا على وجوههم لا يلوي أحد على أحد، وعلي بن الحسين يتبع أصحابه ويصيح فيهم: أن ارجعوا وقفوا، يناشدهم الله تعالى، فلم يلتفتوا إليه، وبقي في عدة من أصحابه، فوافت المنهزمة أبواب شيراز مع العصر يوم الخميس المذكور، وكانت الوقعة بعد الظهر، فضاقت عليهم الأبواب، فمروا على وجوههم في نواحي شيراز، وبلغت هزيمتهم الأهواز، وكانت القتلى معهم منهم مقدار خمسة آلاف. وأصابت علي بن الحسين ثلاث ضربات، واعتورته أسياف أصحاب يعقوب، وسقط عن دابته فأرادوا قتله، فاعلمهم أنه علي بن الحسين، فأخذوا عمامته ووضعوها في وسطه، وقادره إلى يعقوب، وطلب الذي أسره الثواب من يعقوب، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فأبى أن يأخذها، فقال: إنما جئتيني، بكلب أسرته، مالك عندي غيرها، فانصرف الرجل. وقنع يعقوب علياً عشرة أسواط بيده، وأخذ حاجبه بلحيته فنتف أكثرها، وأمر يعقوب أن يقيد بقيد فيه عشرون رطلاً، وصيره مع طوق بن المغلس في الخيمة، وكان قد أنفذ إلى ابن المغلس وقيده أيضاً؛ وصار يعقوب من فوره إلى شيراز، وتفرق أصحاب علي بن الحسين في النواحي. ثم دخل يعقوب إلى شيراز والطبول تضرب بين يديه، وظن أهل شيراز يؤديهم ويستحل دماءهم وأموالهم بحربهم. فلم ينطق أحد لأنه كان وعد أصحابه إن هو ظفر أن يطلقهم وينهب شيراز، وبلغ القوم ذلك فلزموا بيوتهم، ورجع يعقوب من ليلته إلى عسكره بعد أن طاف شيراز، فلما أصبح نادى بالأمان ليخرجوا إلى الأسواق، فخرج الناس، ونادى في كتاب علي بن الحسين: أن برئت الذمة ممن آواهم، وحضرت الجمعة فأمر الخطيب، فدعا للإمام المعتز بالله ولم يدع لنفسه، فقيل في ذلك فقال: الأمير لم يقدم بعد، وقال: إنما مقامي عندكم عشرة أيام، ثم أرجع إلى عمل سجستان؛ وبعث أخاه إلى منزل علي بن الحسين فأحضر الفرش والأثاث، وفتش على الموال فلم يقف عليها، فأحضر علياً فتهدده وتوعده، فذكر أنه يدلهم على المال، فحمل إلى منزله فاستخرج أربعمائة بدرة، وقيل إنه أخذ منه ألف بدرة، وعوض يعقوب أصحابه من نهب شيراز كل رجل ثلثمائة درهم.

ثم عذب يعقوب علياً بأنواع العذاب، وعصر أنثييه وشد الجوزتين على صدغيه، فقال علي: قد أخذت ما أخذت، أخذت مني فرشي وقيمته أربعون ألف دينار، وألح عليه بالعذاب وأعلمه أنه لا يقنعه منه دون ثلاثين ألف ألف دينار، وخلط ووسوس من شدة العذاب وقيده بأربعين رطلاً، فدلهم على موضع في داره، فاستخرجوا أربعة آلاف ألف درهم، وجوهراً كثيراً، ثم ألح عليه بالعذاب وسلمه إلى الحسن بن درهم فضربه وعذبه وشتمه، وعذب طوق بن المغلس أيضاً، وحبسهما في بيت واحد. وارتحل يعقوب من شيراز يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى من السنة إلى بلاده، وحمل علي بن الحسين وطوق بن المغلس معه، فلما أتى كرمان ألبسهما المصبغ من الثياب، وقنعهما بمقانع، ونادى عليهما وحبسهما، ومضى إلى سجستان.

وخلع الخليفة المعتز بالله لثلاث خلون من رجب من هذه السنة وتولى الخلافة الإمام المهتدي بالله في ذلك اليوم وخلع المهتدي بالله مع صلاة الظهر من يوم الثلاثاء لأربع عشرة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين، وبويع المعتمد على الله. ولم يكن ليعقوب الصفار في خلافة المهتدي كبير أمر، بل كان يغزو ويحارب من يليه من الملوك بسجستان وأعمالها، ويتطرف كور خراسان وما قرب من قوهستان ونواحي هراة وبوشنج وما اتصل بسجستان. ثم عاد يعقوب إلى بلاد فارس وجبى غلاتها ورجع بثلاثين ألف ألف درهم، وصار إلى سجستان وأقام محمد بن واصل بفارس يتولى الحرب والخراج، ويكاتب الخليفة، ويحمل ما يجبى من الأموال، فكان مقدار ما يحمل في السنة خمسة آلاف ألف درهم من الخراج ببلاد فارس، وكان مقيماً بها غلبة عليها، ولو أمكن الخليفة صرفه عنها ببعض أوليائه لما أقره.

ثم ورد الخبر في جمادى الآخرة من سنة ثمان وخمسين ومائتين بدخول يعقوب مدينة بلخ، ثم خرج منه ودخل نيسابور في ذي القعدة من سنة تسع وخمسين ومائتين، واحتاط على محمد بن طاهر الخزاعي أمير خراسان وجميع الطاهرية، ثم خرج عنها في المحرم من سنة ستين ومائتين ومعه محمد بن طاهر مقيداً ونيف وستون من أهله. وتوجه نحو جرجان للقاء الحسن بن زيد العلوي أمير طبرستان وجرجان، ولما بلغ الحسن بن زيد أن يعقوب يقصده أخذ من أموال الخراج ثلاثة عشر ألف ألف درهم بقايا وسلفاً، وتخلص من جرجان إلى طبرستان، ودخل يعقوب جرجان، ووجه من أصحابه من أخذ سارية طبرستان، وكان بجرجان يعلق على دوابه كل يوم ألف قفيز شعيراً، ثم خرج يعقوب إلى طبرستان وخرج إليه الحسن بن زيد في خلق كثير، وأعلم يعقوب أصحابه أنه يقتل من انهزم منهم، وتقدم بنفسه للحرب، فتبعه خمسمائة من عبيده، فحمل على الحسن وأصحابه حملة واحدة فكانت الهزيمة على القوم، وكان الحسن بن زيد قد أعد في كل قرية في طريقه لانهزامه برذوناً وبغلاً لأنه كان رجلاً ثقيلاً كثير اللحم، وتلاحق أصحاب يعقوب به فتبع الحسن بن زيد في خمسة آلاف خيل جريدة، وأخذ يعقوب مما كان مع الحسن بن زيد ثلثمائة وقر مالاً أكثرها عين، وظفر بجماعة من آل أبي طالب فأساء إليهم وأسرهم، وكانت الوقعة يوم الاثنين لأربع بقين من رجب سنة ستين ومائتين.

ثم تقدم يعقوب فدخل آمل – قلت: وهي بالهمزة الممدودة والميم المضمومة وبعدها لام، وهي كرسي بلاد طبرستان – قال: وهرب الحسن بن زيد إلى مدينة يقال لها سالوس، فلم يجد من أهلها ما كان يعرفه منهم، فتنحى عنهم، ثم خرج يعقوب من آمل فطلب الحسن بن زيد، فرحل مرحلة واحدة، وبلغه الخبر أن الحسين بن طاهر بن عبد الله قد دخل مرو الروذ ومعه صاحب خوارزم في ألفي تركي، فانزعج يعقوب لذلك، وقصر من الإيغال في طلب الحسن بن زيد، فرجه وكتب إلى أمير الري في ذي الحجة من سنة ستين يأمره أن يخرج من الري، ويعلمه أن أمير المؤمنين قد ولاه إياه، فبلغ ذلك الخليفة فأنكره وعاقب غلمانه الذين كانوا ببغداد بالحبس وأخذ الأموال.

ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائتين ويعقوب ببلاد طبرستان، فخرج في المحرم يريد جرجان، فلحقه الحسن بن زيد من ناحية البحر فيمن اجتمع إليه من الديلم وأهل الجبال وطبرستان فشعث من يعقوب وقتل من لحق من أصحابه، فانهزم يعقوب إلى جرجان، فجاءت بها زلزلة عظيمة قتلت من أصحابه ألفي إنسان ورجعت طبرستان إلى الحسن بن زيد، وهي آمل وسارية وما يتصل بهما، وأقام يعقوب بجرجان يعسف أهلها بالخراج، ويأخذ أموال الناس، ودامت الزلزلة ثلاثة أيام، وأتى جماعة من أهل جرجان إلى بغداد فسئلوا عن يعقوب الصفار، فذكروه بالجبروت والعسف، فعزم الخليفة على النهوض إليه واستعد لذلك، ولما رجع الصفار إلى جوار الري ورجع عن الموسم كتب الخليفة المعتم على الله إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين وهو يومئذ متولي العراق بأن يجمع الحاج من أهل خراسان وطبرستان وجرجان والري يقرأ عليهم كتاباً منه إليه، فجمع الحاج القادمين من أقاصي البلاد، وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين بالوقوع في الصفار، وعمل ثلاثين نسخة، ودفع إلى أهل كل كورة نسخة لتذيع الأخبار بهذه النسخ في الآفاق. ونمي الخبر إلى يعقوب الصفار بما كان من حنس غلمانه، وما كان من جمع الحاج في دار عبيد الله، وما دفع إليه من النسخ، وانكشف له رأي الخليفة في قصده، فرجع إلى نيسابور، وإنما رجع لأنه لم يجد عدة تصلح للقاء الخليفة، ولما دخل إلى نيسابور أساء إلى أهلها بأخذ الأموال ورجع يريد جهة سجستان في جمادى الأولى من سنة إحدى وستين ومائتين.

ولما رجع إلى سجستان خرجت كتب الخليفة إلى أصحاب الممالك بخراسان وذوي الجاه بتولية كل رجل ناحية، فوردت الكتب وأصحاب الصفار متفرقون في كور خراسان. ثم إن الصفار وصل إلى عسكر مكرم من أعمال خوزستان وكاتب الخليفة، وسأله ولاية خراسان وبلاد فارس وما كان مضموماً إلى آل طاهر بن الحسين الخزاعي من الكور وشرطتي بغداد وسر من رأى، وأن يعقد له على طبرستان وجرجان والري وأذربيجان وقزوين، وأن يعقد له على كرمان وسجستان والسند، وأن يحضر من قرئت عليهم الكتب التي نسخت في دار عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ويقرأ عليهم خلاف ما قرئ عليهم أولاً من ذكره، ليبطل ذلك الكتاب بهذا الكتاب، ففعل ذلك الموفق بالله أبو أحمد طلحة بن المتوكل على الله، وهو أخو الخليفة المعتمد على الله والد المهتضد بالله الخليفة القائم بعد عمه المعتمد على الله، وكان الموفق مستولياً على الأمور كلها وليس للمعتمد معه سوى اسم الخلافة لا غير، وأجابه إلى ما طلب، وجمع الناس وقرأ عليهم ما أحبه الصفار، وأجيب إلى الولاية التي طلبها، واضطربت الموالي بسر من رأى من إجابة الخليفة إلى ما طلبه الصفار، وتحركوا. ثم إن الصفار لم يلتفت إلى ما أجيب إليه من ذلك، ودخل السوس وهي أيضاً مدينة من أعمال خوزستان بالقرب من عسكر مكرم، ولما دخلها عزم على محاربة الخليفة المعتمد وتأهب له الخليفة لينحدر إليه في دجلة، ثم تقدم الصفار وتقدم إليه عسكر الخليفة، وقد كانت الموالي ارتابت واتهمت المير الموفق، وتوهمت أن إقبال الصفار بسبب ما أنفذ إليه من الكتب، وإلا فأي عجيب أعجب من خارج قصد من زرنج كرسي سجستان، وهي الحد الفاصل بين السند والترك وخراسان، والوصول إلى بلاد العراق لمحاربة الخليفة، وهو في جيوشه وعدده وتقادم مملكته في شرق الأرض وغربها، والصفار منفرد بجيشه ليس معه من يعضده ولا يشاركه في هذا الأمر؟! ولما بلغ الخليفة ذلك دعا ببرد النبي صلى الله عليه وسلم وقضيبه، وأخذ القوس ليكون أول من رمى، ولعن الصفار، فطابت أنفس الموالي.

ولما كان صبيحة الأحد لتسع خلون من رجب وردت عساكر الصفار في التعبية إلى موضع يقال له اصطربند، وهي قرية بين السيب ودير العاقول من النهروان الأوسط، وجمع أصحابه ليحمل بهم، وتقدم بنفسه كما كان يفعل قبل ذلك، وأقبل وعليه دراعة ديباج سوداء، ولما تواقف الصفان خرج من الموالي خشتج القائد فقام بين الصفين وقال لأصحاب الصفار: يا أهل خراسان وسجستان، ما عرفناكم إلا بطاعة السلطان وتلاوة القرآن وحج البيت وطلب الإنكار، وإن دينكم لا يتك إلا باتباع الإمام، وما نشك أن هذا الملعون قدموه عليكم، وقال لكم: إن السلطان قد كتب إليه بالحضور، وهذا السلطان قد خرج لمحاربته، فمن آثر منكم الحق بدينه وشرائع الإسلام فلينفرد عنه إذ كان شاقاً للعصا محارباً للسلطان، فلم يجيبوه عن كلامه، وكان هذا خشتج شجاعاً مقداماً.

ولما تخلص محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين أمير خراسان من أسر الصفار – وقد تقدم ذكر أسره وحمله مقيداً – قال له خشتج: يا آل طاهر، اشتريتمونا بأموالكم وأهديتمونا إلى ولد العباس، فاستخلفونا وملكونا الضياع والأموال، حتى قدنا الجيوش وحاربنا عن بيضة الإسلام، فلم نخرج من الدنيا حتى حاربنا الصفار عنك يا والي خراسان مع مولانا أمير المؤمنين، وخلصناك بعد الأسر والقيد الثقيل من مدينة إلى مدينة على بغل إكاف ورددناك من العراق إلى خراسان، فالحمد لله على ما تفضل به مولانا من خلاصك، وأولانا هذا الفعل الجميل فيك.

رجعنا إلى تتمة خبر الصفار: قال الراوي: وحزر عسكر الصفار فكانت مساحة معسكره ميلاً في ميل وكانت دوابهم في غاية الفراهة، وقيل إن جمعهم كان يزيد على عشرة آلاف إنسان، ووضع الخليفة العطاء في الجند وقطع ما في الطريق من الشجر والدغل، واستعدوا للحرب وجدوا فيها وشمروا، وقيل ما هو إلا أن تنصروا أو تنهزموا فلا ترجع دولتكم إليكم، ووقف الخليفة المعتمد بنفسه وإلى جانب ركابه محمد بن يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني – وقد تقدم ذكر جده يزيد بن مزيد – ووقف معه جماعة واكتنفوا من أهل البأس والنجدة، وتقدم بين يديه الرماة بالنشاب، وكشف الموفق أخو الخليفة رأسه وقال: أنا الغلام الهاشمي، وحمل على أصحاب الصفار، وقتل بين الطائفتين خلق كثير، فلما رأى الصفار تلك الحال ولى راجعاً تاركاً أمواله وخزائنه وذخائره، ومر على وجهه فلم تتبعه العساكر، وما أفلت من أصحابه رجل إلا بسهم أصابه، وأدركهم الليل فتساقطوا في النهار لازدحامهم وثقل الجراح بهم، قال أبو الساج داود ابن دوست الذي تنسب إليه الأجناد الساجية ببغداد للصفار لما انهزم: ما رأيت معك شيئاً من تدبير الحروب، وكيف كنت تغلب الناس، فإنك جعلت ثقلك وأموالك وأسراك أمامك وقصدت بلداً على قلة المعرفة منك به وبمغايصه وأنهاره بغير دليل، وقاتلت يوم الأحد والريح عليك، وسرت من السوس إلى واسط في أربعين يوماً، وأحوال العساكر مختلة، فلما توافت عددهم، وجاءتهم أموالهم واستحكم أمرهم عليك أقبلت من واسط إلى دير العاقول في يومين، وتأخرت عند إمكان الفرصة وأقبلت تعدو في موضع التثبت، فقال الصفار: لم اعلم أني أحار ولم أشك في الظفر، وتوهمت أن الرسل ترد علي، فبدروا الأمر فأتيت بما قدرت عليه.

قلت: هذا آخر ما نقلته من كلام ابن الزهر مع الاختصار.

ونقلت من تاريخ أبي الحسين عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر الذي جعله ذيلاً على تاريخ أبيه في ” أخبار بغداد ” وقد أطال القول فيه فاختصرته وحذفت ما تكرر منه، فقال: كان وثوب يعقوب بن الليث على درهم وغلبته على سجستان يوم السبت لخمس خلون من المحرم سنة سبع وأربعين ومائتين، وكانت ولاية درهم بن نضر كذا ثلاث سنين بعد إخراجه صالح بن النضر، وهو رجل من بني كنانة، من سجستان في ذي الحجة سنة سبع وثلاثين ومائتين، ولم يزل يعقوب الصفار مقيماً بسجستان يحارب الشراة والتراك ويظهر أنه متطوعي، حتى كانت سنة ثلاث وخمسين ومائتين، فخرج إلى هراة ثم قصد بوشنج وحاصرها وأخذها عنوة، وكان ذلك في خلافة المعتز ومات المعتز ويعقوب على حاله، ولم يزل على ذلك إلى أيام المعتمد على الله، ثم دخل بلخ وخرج منها، ثم وصل إلى رامهرمز وهو يظهر الطاعة للخليفة المعتمد، وذلك في المحرم من سنة اثنتين وستين ومائتين، ثم أرسل رسله إلى المعتمد فدخلوا بغداد لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من السنة المذكورة، ثم صار إلى واسط، وأقام بها نائباً عنه ثم صار إلى دير العاقول يوم السبت لثمان خلون من رجب، ثم صار إلى اصطربند فنزل بها، ولما اتصل خبره بالمعتمد وأنه يقصد بغداد جمع أصحابه من الأطراف، وخرج من سر من رأى قاصداً لمحاربته، ودخل بغداد يوم الأحد لخمس بقين من ذي الحجة من السنة.

قال أبو الفرج كاتب القاضي أبي عمر: لما نهض الخليفة لمحاربة الصفار لم تزل كتبه تسير إليه من الطريق يؤمر بالانصراف، ويحذر سوء عاقبة فعله، وأن أمير المؤمنين قد نهض إليه في العدد والعدد، وكتب الصفار واردة بأني قد علمت نهوض أمير المؤمنين ليشرفني وينبه على موقعي منه، ثم عبر الخليفة جيشه للقتال على القرية المذكورة، وأرسلوا الماء على طريق الصفار، فكان سبب هزيمته، فإنهم أخذوا عليه الطريق وهو لا يدري، واصطف الفريقان، ولم يزل القوم يحمل بعضهم على بعض حتى انهزم الصفار، فغنم الناس من أثقاله غنيمة عظيمة، وتوهموا أن ذلك حيلة منه مكر، ولولا ذلك لاتبعوه، ولقد حدثني من حضر ذلك أن رشق الجند الموالي كان في ذلك الوقت عشرين ألف سهم، وانصرف الخليفة مسروراً بما فتح الله عليه.

وكان ممن تخلص من أسره ذلك اليوم أبو عبد الله محمد بن طاهر أمير خراسان وجاء إلى الخليفة وهو في قيده، ففك الخليفة عنه القيد، وخلع عليه خلعة سلطانية. وذكر المعتمد ذلك النهار أنه رأى تلك الليلة في المنام كأن إنساناً كتب على صدره “إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً” “الفتح: ” وقص الرؤيا على خواصه، وقال لهم: قد وثقت بنصر الله تعالى.

وقبل الواقعة وردت كتب الصفار إلى الخليفة وفيها خضوع وتضرع، ويخبر بأنه لم يجئ إلا لخدمة أمير المؤمنين، والتشرف بالمثول بين يديه، والنظر إليه، وأن يموت تحت ركابه، فقال المعتمد: نحن في مخاريق الصفار بعد، أعلموه أنه ما له عندي إلا السيف. وأمر الخليفة بالكتاب إلى أبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وهو عم محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، يخبره بالفتح وخلاص ابن أخيه محمد بن طاهر، فكتب إليه وهو يومئذٍ يتولى الشرطة ببغداد نيابة عن ابن أخيه المذكور، فإنه يتولى خراسان وشرطتي بغداد وسر من رأى وفي الكتاب فصول طويلة، وحاصله أنه عدد ذنوب الصفار، وما قابله به الخليفة من الإحسان والإنعام، وأنه قلده خراسان والبلاد التي تقدم ذكرها قبل هذا، وأنه رفع مرتبته وأمر بتكنيته في كتبه وأقطعه الضياع السنية، ولم يبق شيء مما يقدر فيه استصلاحه إلا فعله، فما زاده ذلك إلا البغي والطغيان، والتمس أشياء إن رد عنها قصد أبواب أمير المؤمنين لإثارة الفتنة وابتغاء الغلبة، فلم ير أمير المؤمنين إجابته إلى ما التمسه، وتابع الكتب بالرجوع إلى أعماله الجليلة التي ولاه إياها، وحذره التعرض لزوال النعم التي أنعم الله عليه بها، فقد خالفه وعصاه وخرج عن طاعته، وعرفه أنه إن أقام على المصير إلى الباب فقد عصاه وخرج عن طاعته، ثم وجه إليه في ذلك مرة بعد أخرى مع جماعة من القضاة والفقهاء والقواد، وقدر بتوجههم إليه أنه يرجع إلى ما هو ألزم به وأوجب عليه، فأقام على سبيل واحد في البغي والعناد والعصيان، ولم يثنه الإرشاد، ولم يزل استحواذ الشيطان عليه يقوده إلى الحين ويصده عن سبيل النجاة إلى مهاوي الهلكة، فلما تبين أيمر المؤمنين ذلك منه رأى أن يقضي عليه في أمر مثله، فنهض متوكلاً على الله تعالى معتمداً على كفايته لدفع الملعون عما يحاوله، وهو يغذ السير إلى المصرع الذي سبق به قضاء الله تعالى فيه، حتى توسط الطريق بين مدينة السلام وواسط، وأظهر أعلاماً على بعضها الصلبان، واستنجد أهل الشرك على أهل الإيمان، وبارز الله بسريرته ليسلمه بجريرته، وفارق شرائع الإسلام وأحكامه، نقضاً للعهود ونكثاً وخفراً للذمة وإعلاناً للمشاقة، فقدم أمير المؤمنين أخاه الموفق بالله أحمد ولي عهد المسلمين ومعه جماعة من موالي أمير المؤمنين الذين أخلصوا لله طاعتهم وثبت في المحاماة عن دولته بصائرهم، وأتبعهم أمير المؤمنين الرغبة إلى الله تعالى في تأييدهم ونصرهم على عدوهم، ولعنه أمير المؤمنين في الأوقات والمواقف التي علم الله صدق نيته فيها، وألحقه وبالها، ووقف أمير المؤمنين يتأمل ما يكون من أخيه ومواليه وأوليائه، ويواصل الإمداد والجيوش إليهم، وكان الموفق بالله في قلب العسكر، وظهر الملعون عدو الله في أشياع ضلالته قد ادرع العصيان، وتسربل البغي واعتمد على وفور حشده وكثرة أتباعه، فلما تراءى الجمعان شهر عدو الله وأشياع ضلالته السلاح، وأسرعوا إلى موالي أمير المؤمنين وأوليائه، وشرعت في الملعون وضلاله سيوف الحق باترة ورماحه طاعنة وسهامه نافذة، حتى أثخن الملعون بالجراح، ورأى أتباع ضلالته ما حل به، فبادروا بالويل والثبور، وأكب عليهم موالي أمير المؤمنين وأوليائه، يقتلون فيهم ويأسرون منهم، وعجل الله إلى النار من جماعته من لا يحصى عدده، ولم يزل الأمر كذلك حتى انتزع أبو عبد الله محمد بن طاهر مولى أمير المؤمنين سالماً من أيديهم، وحسروا عن مستقرهم، فولى الباقون منهزمين مفلولين، لا يلوون على شيء، وأسلم الله تعالى الملعون، وهم وما كانوا حووه وملكوه في سالف الأيام التي أملى الله تعالى لهم فيها أقطار الأرض من الأموال والأمتعة والأثاث والإبل والدواب والبغال والحمير، فأفاءه الله على الموالي وسائر الأولياء وملكهم إياه، وصاروا به إلى رحالهم.

وعلى الجملة فإن هذا الكاتب أطال القول في ذلك فاختصرته، ثم كتب في آخره: وكتبه عبيد الله بن يحيى يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة اثنتين وستين ومائتين.

ثم قال هذا المؤرخ بعد هذا: ومضى الصفار منهزماً إلى واسط يتخطف أهل القرى، وتؤخذ أسلحتهم وأسلابهم، ولم تتبعه الموالي مخافة رجعته ولاشتغالهم بالكسب والنهب، فأمسكوا عنه، ورجع الخليفة إلى معسكره، ثم رجع الصفار إلى السوس وجبى الأموال، ثم قصد تستر وحاصرها وأخذها ورتب فيها نائباً، وكثر جمعه، ثم رحل إلى فارس في شوال، وكان الخليفة قد رجع إلى المدائن وأقام بها يومين، ثم رحل إلى بغداد ومنها إلى سر من رأى، ودخلها يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان.

ثم ذكر المؤرخ هذا: وورد الخبر على الخليفة بوفاة يعقوب بن الليث الصفار يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال، والذي أصيب في بيوت أمواله من العين أربعة آلاف ألف دينار، ومن الورق خمسون ألف ألف درهم، ووافى أحمد بن أبي الأصبغ يوم الخميس لسبع بقين من شوال، وقد كان الخليفة أنفذه ليصلح أمر يعقوب، فانصرف من عند يعقوب، فلما قرب من واسط اتصل به وفاة يعقوب، وقد كان قلد خراسان وفارس وكرمان والري وقم وأصبهان، وصيرت إليه الشرطتان ببغداد وسر من رأى، على أن يوليها من أحب، وعلى أن يوجه ثلثي ما يجبى من خراج البلاد التي يتولاها من جميع الأعمال.

وتولى أخوه عمرو بن الليث مكانه باجتماع عسكر يعقوب عليه، ووردت كتب عمرو إلى الموفق أخي الخليفة المعتمد على الله بالسمع والطاعة، وأن يتولى ما كان أخوه يتولاه، فاجيب إلى سؤاله، وولاه في ذي القعدة من السنة.

قلت: سياقة هذا التاريخ يدل على أن يعقوب الصفار توفي في بقية سنة اثنتين وستين ومائتين، لأنه حكى الوقعة في هذه السنة، وأن يعقوب انهزم.

ثم قال عقيب هذا: وورد الخبر بوفاة يعقوب في شوال، ولم يذكر السنة، فيدل على موته في تلك السنة. والذي أعرفه من عدة تواريخ خلاف هذا، فإن أبا الحسين السلامي ذكر في كتاب ” تاريخ أخبار ولاة خراسان “، في أول الفصل المختص بعمرو بن الليث الصفار فقال: كان سبب وفاة يعقوب بن الليث أنه أصابه القولنج، فأشير عليه بالعلاج فامتنع منه واختار الموت عليه، فمات بجنديسابور من خوزستان يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال من سنة خمس وستين ومائتين.

قال أبو الوفاء الفارسي: رأيت على قبر يعقوب بن الليث صحيفة، وقد كتبوا عليها:

ملكت خراسانا وأكناف فـارس

 

وما كنت من ملك العراق بآيس

سلام على الدنيا وطيب نسيمهـا

 

إذا لم يكن يعقوب فيها بجالـس

 

ورأيت بخطي في جملة مسوداتي: أن يعقوب بن الليث الصفار توفي سنة خمس وستين ومائتين بالأهواز، وحمل تابوته إلى جنديسابور فدفن بها، وكتب على قبره: هذا قبر يعقوب المسكين، وكتب بعده:

أحسنـت الأيام إذ حـسـنـت

 

ولم تخف سوء ما يأتي به القدر

وسالمتك الليالي فاغتررت بهـا

 

وعند صفو الليالي يحدث الكدر

 

ورأيت بخطي أيضاً في موضع آخر أنه توفي بجنديسابور ودفن بميدانه، واله أعلم، وهو قاصد العراق في التاريخ المذكور. وكانت وفاته بعلة القولنج، وأخبره طبيبه أن لا دواء له إلا الحقنة، فامتنع منها واختار الموت عليها، وكانت مدة علته بالقولنج والفواق ستة عشر يوماً. ومدة تغلبه على سجستان وتلك النواحي أربع عشرة سنة وشهوراً.

وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه في سنة خمس وستين ومائتين أنه مات فيها يعقوب بن الليث في تاسع عشر شوال من السنة، وذكر حديث القولنج وامتناعه من الحقنة، وأنه مات بجنديسابور من كور الأهواز – قلت: وهي من أعمال خوزستان بين العراق وبلاد فارس – وقال شيخنا أيضاً: وكان الخليفة المعتمد قد أنفذ إليه رسولاً يترضاه ويستميله ويقلده أعمال فارس، فوصل الرسول إليه ويعقوب مريض، فجلس له، وجعل عنده سيفاً ورغيفاً من خبز الخشكار ومعه بصل. وأحضر الرسول، فأدى الرسالة، وقال له: قل للخليفة إني عليل، فإن مت فقد استرحت منك واسترحت مني، وإن عوفيت فليس بيني وبينك إلا هذا السيف حتى آخذ بثأري أو تكسرني وتفقرني، فأعود إلى هذا الخبز والبصل، وعاد الرسول، فلم يلبث يعقوب أن مات.

وقال ابن حوقل في كتاب ” المسالك والممالك ” إن جنديسابور مدينة حصينة واسعة الخير، وبها نخل وزروع كثيرة ومياه، وقطنها يعقوب بن الليث الصفار لخصبها واتصالها بالمير الكثيرة. وكان الحسن بن يزيد العلوي يسمى يعقوب ” السندان ” لثباته، وكان قل أن يرى متبسماً، وكان عاقلاً حازماً، وكان يقول: كل من عاشرته أربعين يوماً ولا تعرف أخلاقه لا تعرفها في أربعين سنة.

ولما تولى عمرو أحسن في التدابير والسياسة غاية الإحسان، حتى يقال ما أدرك في حسن السياسة للجنود والهداية إلى قوانين المملكة منذ زمن طويل مثل عمرو بن الليث. وذكر السلامي في كتاب ” أخبار خراسان ” شيئاً كثيراً من كفايته ونهضته، وقيامه بقواعد الولاية، فتركته طلباً للاختصار. وذكر أنه كان ينفق في الجند في كل ثلاثة أشهر مرة، ويحضر بنفسه على ذلك، وأن عارض الجيش يقعد والأموال بين يديه، والجند بأسرهم حاضرون وينادي المنادي أولاً باسم عمرو بن الليث، فتقدم دابته إلى العارض بجميع آلة الفارس، فيفتقدها ويأمر بوزن ثلثمائة درهم باسم عمرو، فتحمل إليه في صرة فيأخذ الصرة ويأمر بوزن ثلثمائة درهم باسم عمرو، فتحمل إليه في صرة فيأخذ الصرة فيقبلها ويقول: الحمد لله الذي وفقني لطاعة أمير المؤمنين حتى استوجبت منه الرزق، ثم يضعها في خفه، فتكون لمن ينزع خفه، ثم يدعى بعد ذلك بأصحاب الرسوم على مراتبهم، فيستعرضون بآلاتهم التامة وبدوابهم الفره، ويطالبون بجميع ما يحتاج إليه الفارس والراجل من صغير آلة وكبيرها، فمن أخل بإحضار شيء منها حرموه رزقه، فاعترض يوماً فارساً كانت دابته غاية الهزال، فقال له عمرو: يا هذا تأخذ مالنا تنفقه على امرأتك فتسمنها، وتهزل دابتك التي عليها تحارب وبها تجد الأرزاق؟ امض فليس لك عندي شيء، فقال له الجندي: جعلت لك الفداء، لو اعترضت امرأتي لاستسمنت دابتي، فضحك عمرو وأمر بإعطائه وقال: استبدل بدابتك.

قلت: ذكر القاضي كمال الدين، المعروف بابن العديم الحلبي رحمه الله تعالى، في ” تاريخ حلب “حكاية يليق أن أذمرها هاهنا، لأنها مثل هذه الحكاية، وهي: كان كسرى أنوشروان بن قباذ قد ولى رجلاً من الكتاب نبيهاً، معروفاً بالعقل والكفاية، يقال له بابك بن البهروان، ديوان الجند، فقال لكسرى: أيها الملك إنك قد قلدتني آمراً من صلاحه أن تحتمل لي بعض الغلظة في الأمور وهي عرض الجنود في كل أربعة أشهر، وآخ كل طبقة بكمال آلتها ومحاسبة المؤدبين على ما يأخذون على تأديب الرجال بالفروسية والرمي والنظر في مبالغتهم في ذلك وتقصيرهم، فإن ذلك ذريعة إلى إجراء السياسة مجاريها، فقال كسرى: ما المجاب بما سأل بأحظى من المجيب، لاشتراكهما في فضله، وانفراد المجيب بعد الراحة، حق مقالتك، فأمر فبنيت له موضع العرض مصطبة، وبسط له عليها الفرش الفاخرة، ثم جلس ونادى مناديه: لا يبقين أحد من المقاتلة إلا حضر للعرض، فاجتمعوا ولم ير كسرى، فأمرهم فانصرفوا، وفعل ذلك في اليوم الثاني، ولم ير كسرى فيهم فأمرهم فأمرهم فانصرفوا، فنادى في اليوم الثالث: أيها الناس لا يتخلفن من المقاتلة أحد، ولا من أكرم بالتاج والسرير، فإنه عرض لا رخصة فيه ولا محاباة، وبلغ كسرى ذلك، فتسلح بسلاحه ثم ركب فاعترض على بابك، وكان الذي يؤخذ به الفارس تجفافاً ودرعاً وجوشناً وبيضة ومغفراً وساعدين وساقين ورمحاً وترساً وجرزاً تلزمه منطقة وطبرزيناً وعموداً، وجعبة فيها قوسان بوتريهما وثلاثة نشابة، ووترين ملفوفين يعلقهما الفارس في مغفره ظهرياً، فاعترض كسرى على بابك بسلاح تام، خلا الوترين اللذين يستظهر بهما، فلم يجز بابك على اسمه، فذكر كسرى الوترين فعلقهما في مغفره، واعترض على بابك، فاجاز على اسمه، وقال: لسيد الكماة أربعة آلاف درهم ودرهم، وكان أكثر ماله من الروق أربعة آلاف درهم، ففضل كسرى بدرهم.

فلما قام بابك من مجلسه دخل على كسرى فقال: أيها الملك، لا تلمني على ما كان من إغلاظي، فما أردت به إلا الدربة للمعدلة والإنصاف، وحسم مادة المحاباة، قال كسرى: ما أغلظ علينا أحد فيما يريد به إقامة أودنا وصلاح ملكنا إلا احتملنا له غلطته، كاحتمال الرجل شرب الدواء الكريه، لما يرجوه من منفعته.

رجعنا إلى تتمة أخبار عمرو بن الليث الصفار:  قال السلامي أيضاً: كان رافع بن هرثمة تبعاً لأبي ثور، وكان أبو ثور أحد قواد محمد بن طاهر الخزاعي، فلما وافى يعقوب الصفار نيسابور كان أبو ثور من جملة من مايل يعقوب على محمد بن طاهر، فلما انصرف يعقوب إلى سجستان صحبه أبو ثور، ومعه رافع بن هرثمة، وكان رجلاً طويل اللحية كريه الوجه قليل الطلاقة، فدخل يوماً إلى يعقوب، فما خرج من عنده قال يعقوب: إني لا أميل إلى هذا الرجل فليلحق بحيث يشاء، فباع رافع جميع آلاته ثم انصرف إلى منزله بيامين، وهي من قرى كنج رستاق، وأقام هناك إلى أن استقدمه أحمد بن عبد الله الخجستاني – وخجستان: من جبل هراة، من قرى بادغيس؛ وكان الحجستاني من أتباع يعقوب الصفار، ثم خلع طاعته وتغلب على نيسابور وبسطام في سنة إحدى وستين ومائتين، وكان يظهر الميل إلى الطاهرية مستميلاً بذلك قلوب أهل نيسابور إليه، حتى إنه كان يكتب في كتبه: أحمد بن عبد الله الطاهري.

ثم كتب الخجستاني إلى رافع بن هرثمة، وهو في يلده، يستقدمه، فقدم عليه، فجعله صاحب جيشه، وللخجستاني حروب ومواقف مشهورة، وليس الغرض ذكر شيء منها هاهنا. ثم إن غلامين من غلمانه اتفقا عليه وقتلاه، وقد سكر ونام، وذلك في ليلة الأربعاء لست بقين من شوال سنة ثمان وستين ومائتين. وكان رافع بن هرثمة غائباً، فقدم بعد ذلك على جيش الخجستاني، فقدموه عليهم وبايعوه بمدينة هراة، وقيل بنيسابور.

ثم عزل الموفق بالله عمرو بن الليث الصفار عن ولاية خراسان، وجعلها لأبي عبد الله محمد بن طاهر الخزاعي في سنة إحدى وسبعين ومائتين، وهو مقيم ببغداد، فاستخلف محمد بن طاهر عليها رافع بن هرثمة، ما خلا أعمال ما وراء النهر فإن الموفق بالله أقر عليها نصر بن أحمد بن أسد الساماني خليفة لمحمد بن طاهر.

ثم وردت كتب الموفق على رافع بقصد جرجان وطبرستان، وكانتا للحسن بن زيد العلوي، وتوفي سنة سبعين ومائتين، واستولى عليهما أخوه محمد بن زيد، فجاءه رافع في سنة أربع وسبعين، ففارقها محمد بن زيد إلى استراباذ فحاصره بها رافع مدة سنتين، ثم فارقها ليلاً في نفر يسير إلى بلاد الديلم.

واستولى رافع على طبرستان في سنة سبع وسبعين ومائتين.

ثم توفي الخليفة المعتم على الله في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين وتولى الخلافة بعده المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق المذكور، وولى المعتضد أبا إبراهيم إسماعيل بن أحمد الساماني ما وراء النهر بعد وفاة أخيه نصر بن أحمد المذكور – قلت: وكانت وفاة نصر لسبع بقين من جمادى الآخرة، سنة تسع وسبعين بسمرقند – قال: وعزل رافع بن هرثمة عن خراسان وولاها عمرو بن الليث، وبقي رافع بالري، ثم إنه هادن الملوك المجاورين له ليستعين بهم على عمرو بن الليث، فلكا تم له ذلك خرج إلى نيسابور، فواقعه عمرو بن الليث في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثمانين، وهزمه عمرو وتبعه إلى أبيورد، وقصد رافع أن يخرج منها إلى هراة أو مرو، فعلم عمرو أن مقصده سرخس، فقصدها عمرو ليأخذ عليه الطريق، فعلم رافع ذلك، فخرج من أبيورد ومعه دليل، فأخذ به على جبال طوس حتى أورده باب نيسابور فدخلها، فعاد عمرو إليها، وحاصره بها فانهزم رافع وأصحابه ووصل إلى نواحي خوارزم على الجمازات، وحمل ما كان معه من آلة ومال في شرذمة قليلة، وذلك يوم السبت لخمس بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائتين، فوجه إليه أمير خوارزم نائباً يقوم بخدمته وما يحتاج إليه إلى أن يصل خوارزم، فوجده النائب في خف من أصحابه، فقتله لسبع خلون من شوال يوم الجمعة سنة ثلاث وثمانين، وحز رأسه، وحمله إلى عمرو بن الليث وهو بنيسابور، فأنفذ عمرو رأسه إلى المعتضد بالله، ولم يكن رافع ابن هرثمة، وإنما هرثمة زوج أمه، فانتسب رافع إليه لأنه أشهر، ورافع ابن تومرد.

وقال ابن جرير الطبري في تاريخه في سنة ثلاث وثمانين: وفي يوم الجمعة لثمان بقين من ذي القعدة قرئت الكتب على المنابر بقتل رافع بن هرثمة، وقدم رسول عمرو بن الليث برأس رافع إلى بغداد يوم الخميس لأربع خلون من المحرم سنة أربع وثمانين ومائتين على المعتضد، فأمر بنصبه في الجانب الشرقي إلى الظهر، ثم تحويله إلى الجانب الغربي بقية النهار إلى الليل، ثم ردوه إلى دار السلطان، قال السلامي: وصفت خراسان إلى شط جيحون لعمرو بن الليث.

 قلت: وقد مدح البحتري الشاعر المشهور رافع بن هرثمة، وكناه أبا يوسف في مديحه، وأرسلها إليه، فأرسل إليه عشرين ألف درهم وهو بالعراق.

قال السلامي: ولما وجه عمرو بن الليث برأس رافع بن هرثمة إلى المعتضد سأل أن يولوه عمل ما وراء النهر مثل ما كان برسم عبد الله بن طاهر، فوعدوه بذلك ثم أرسل إليه المعتضد فوصلته وهو في نيسابور، فأبى أن يقبلها دون الوفاء بما وعدوه من تولية أعمال ما وراء النهر، فكتب الرسول إلى المكتفي بالله بن المعتضد، وكان بالري وعنده جماعة من خواص أبيه، بما سأله عمرو، فأنفذوا إليه العهد بها، فحمل إليه العهد والهدايا التي سيرها له المعتضد بالله وامتنع من أخذها، وكان في الهدايا سبع دسوت خلع، فوضعت بين يديه، وأفاض عليه الرسول الخلع واحدة بعد أخرى، وكلما لبس خلعة صلى ركعتين، ثم وضع العهد قدامه، فقال: ما هذا؟ قال: الذي سألته، فقال عمرو: ما أصنع به؟ فإن إسماعيل بن أحمد لا يسلم إلي ذلك إلا بمائة ألف سيف، فقال: أنت سألته فشمر الآن لتتولى العمل في ناحيته، فاخذ العهد وقبله ووضعه بين يديه، ثم أنفذ عمرو إلى الرسول ومن معه سبعمائة ألف درهم وصرفهم، ثم جهز عمرو جيشاً إلى إسماعيل بن أحمد، فعبر إسماعيل إليهم نهر جيحون وقاتلهم، فقتل بعضهم وهزم الباقين، وعمرو بن الليث الصفار في نيسابور، وكانت الوقعة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شوال سنة ست وثمانين ومائتين، وعاد إسماعيل إلى بخارا، وهي من أعمال ما وراء النهر.

قال السلامي: انتدب عمرو بن الليث لمحاربة إسماعيل، محمد بن بشر، فلما عبر إسماعيل جيحون دخل موسى السجزي على محمد بن بشر وهو يحلق رأسه فقال له: هل استأذنت إسماعيل في حلق رأسك؟ يعني أن رأسه لإسماعيل لأنه انتصب لمحاربته، فقال له محمد: اغرب عني لعنك الله، ثم تحاربوا من الغد، فانكشف أصحاب بشر وقبضوا عليه وحز رأسه في جملة من سائر الرؤوس وحملوها إلى إسماعيل، وأدخلوا جماعة من أصحابه ليميزوا الرؤوس عن رأس ابن بشر، فأعلم بعضهم إسماعيل بما قال موسى السجزي لابن بشر، فتعجب مما جرى الفأل به.

وذكر الطبري في تاريخه في سنة سبع وثمانين ومائتين ما مثاله: وفي يوم الأربعاء لخمس بقين من جمادى الأولى ورد كتاب فيما ذكر على السلطان أنه كانت بين إسماعيل بن أحمد وبين عمرو بن الليث وقعة، فأسر عمراً واستباح عسكره. وكان من خبر عمرو وإسماعيل أن عمراً سأل السلطان أن يوليه ما وراء النهر فولاه ذلك، ووجه إليه وهو مقيم بنيسابور بالخلع واللواء على ما وراء النهر، لمحاربة إسماعيل بن أحمد، فكتب إليه إسماعيل: إنك قد وليت دنيا عريضة، وأنا في يدي ما وراء النهر، وأنا في ثغر، فاقنع بما في يدك، واتركني مقيماً بهذا الثغر، فأبى إجابته إلى ذلك، وذكر له من أمر نهر بلخ وشدة عبوره، فقال عمرو: لو أشاء أن أسكره ببدر الأموال وأعبر لفعلت.

فلما يئس إسماعيل من انصرافه عنه جمع من معه من التناء والدهاقين وعبر النهر إلى الجانب الغربي، وجاء عمرو بن الليث فنزل بلخ، وأخذ إسماعيل عليه النواحي، فصار كالمحاصر، وندم على ما فعل، وطلب المحاجزة فيما ذكر، فأبى إسماعيل عليه ذلك، ولم يكن بينهم قتال كثير حتى هزم عمرو، فولى هارباً، ومر بأجمة في طريقه قيل إنها أقرب، فقال لعامة من معه: امضوا في الطريق الواضح، ومضى في نفر يسير، فدخل الأجمة، ووحلت به دابته فوقعت، ولم يكن له في نفسه حيلة، ومضى من معه ولم يلووا عليه، وجاء أصحاب إسماعيل فأخذوه أسيراً، فلما بلغ المعتضد ما جرى مدح إسماعيل وذم عمراً، وقال: يقلد أبو إبراهيم إسماعيل كل ما في يد عمرو، ويوجه إليه بالخلع.

ثم ذكر الطبري أيضاً في سنة ثمان وثمانين ما مثاله: وفي أول جمادى الأولى يوم الخميس أدخل عمرو بن الليث بغداد، وذكر لي أن إسماعيل بن أحمد خيره بين المقام عنده أسيراً وبين توجيهه إلى أمير المؤمنين، فاختار توجيهه إلى أمير المؤمنين، فوجهه.
 وقال السلامي في ” أخبار خراسان “: ثم خرج عمرو إلى بلخ فلاقاه بها إسماعيل فهزمه وقبض عليه، وذلك يوم الثلاثاء النصف من ربيع الأول سنة سبع وثمانين ومائتين، وأنفذه مقيداً إلى سمرقند – قلت: وهي من بلاد ما وراء النهر أيضاً، وهذا النهر هو جيحون – قال: وضم إليه أخاه أبا يوسف ليخدمه، إلى أن ورد عليه من عند المعتضد عبد الله بن الفتح بعهد خراسان واللواء والتاج والخلع في سنة ثمان وثمانين، وقدم معه إنسان ليتولى حمل عمرو بن الليث إلى بغداد فسلمه إسماعيل إليه، فحمله.

وقال ابن طاهر المذكور قبل هذا في تاريخه: إن عمرو بن الليث الصفار انهزم وقتل خلق كثير من أصحابه. وكانت الوقعة على باب بلخ يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة سبع وثمانين ومائتين، وقبل ذلك هرب ابن أبي ربيعة كاتب عمرو بن الليث إلى إسماعيل بن أحمد، ومعه قائد من قواده في خلق كثير، فأصبح عمرو في يوم الوقعة وقد عرف الخبر، ثم كثر هرب أصحابه إلى إسماعيل، فضعف قلب عمرو وهرب، واشتغل بالعسكر، وبعث في طلب عمرو جيشاً، فوجدوه واقفاً على فرس، فقبضوا عليه، وسره إسماعيل إلى المعتضد، وأخبره بما جرى، وانه سيره إلى سمرقند، حتى يرد عليه أمر أمير المؤمنين، فاشتد سرور الخليفة بذلك، وقلد الخليفة إسماعيل ما كان مقلده مضافاً إلى عمله. وتوجه عبد الله بن الفتح إلى إسماعيل في طلب عمرو، فلما وصل إلى إسماعيل وجه إليه، فقيده وأرسله، وإلى جانبه رجل من أصحاب إسماعيل بيده سيف مشهور، وقيل لعمرو: إن تحرك في أمرك أحد رمينا رأسك إليهم، فلم يتحرك أحد، ووصلوا إلى النهروان يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين، وحل قيد عمرو، فلما كان يوم الخميس مستهل جمادى الأولى ركب الجند للقائه وعمرو في القبة قد أرخى جلالها عليه، فلما بلغ باب السلامة أنزل عمرو من القبة، وألبس دراعة ديباج وبرنس السخط، وحمل على جمل له سنامان، يقال له إذا كان ضخماً على هذه الصورة ” الفالج “، في غاية الارتفاع، وكان عمرو قد أهداه فيما أهدى للخليفة، وقد ألبس الجمل الديباج وحلي بذوائب وأرسان مفضضة، وأدخل بغداد فاشتقها في الشارع العظم إلى دار الخليفة بقصر الحسني، وعمرو رافع يديه يدعو ويتضرع دهاء منه، فرقت له العامة، وأمسكت عن الدعاء عليه، ثم أدخل على الخليفة وقد جلس له واحتفل به، فوقف بين يديه ساعة، وبينهما قدر خمسين ذراعاً، وقال له: هذا ببغيك يا عمرو، ثم أخرج من بين يديه إلى حجرة قد أعدت له، وكان أخوه يعقوب الصفار قد تزوج امرأة من العرب من بلد سجستان، فلما توفي يعقوب تزوجها أخوه عمرو، ثم توفيت ولم تخلف ولداً، وكان لها ألف وسبعمائة جارية.

قال بعضهم: كنت عند أبي علي الحسين بن محمد بن الفهم المحدث، فدخل رجل من أصحاب الحديث فقال له: يا أبا علي، رأيت عمرو بن الصفار أمس على جمل فالج من الجمال التي كان أهداها عمرو منذ ثلاث سنين للخليفة فأنشد أبو علي:

 

وحسبك بالصفار نبـلاً وعـزة

 

بروح ويغدو في الجيوش أميرا

حباهم بأجمـالٍ ولـم يدر أنـه

 

على جملٍ منها يقـاد أسـيرا

 

وعمل في ذلك علي بن محمد بن نصر بن بسام الشاعر – المقدم ذكره:

 

أيها المغتر بـالـدن

 

يا أما أبصرت عمرا

أركب الفالج بعد ال

 

ملك والعزة القسرا

وعليه برنس للسـخ

 

ط إذلالاً وقـهـرا

رافعاً كفـيه يدعـو

 

الله إسراراً وجهـرا

أن ينجيه من القـت

 

ل وأن يعمل صفرا

 

قال الطبري: وتوفي المعتضد بالله ليلة الاثنين لثمان بقين من شهر ربيع الآخر تسع وثمانين ومائتين. وتولى الخلافة ولده المكتفي بالله أبو محمد علي، وكان غائباً في الرقة عند موت أبيه، فقدم بغداد، وأمر يوم الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الآخرة من السنة المذكورة بهدم المطامير التي كان أبوه احتفرها لأهل الجرائم. ومات عمرو بن الليث الصفار في غد هذا اليوم ودفن بالقرب من القصر الحسني، وقد كان المعتضد عند موته لما امتنع من الكلام أمر بقتل عمرو بالإيماء والإشارة ووضع يده على رقبته وعلى عينيه: أي اذبحوا الأعور، وكان عمرو أعور فلم يفعل صافي الحرمي ذلك، وهو الذي أمره المعتضد بقتله، وإنما امتنع من قتله لعلمه بحال المعتضد وقرب وفاته، وكره قتل عمرو. ولما دخل المكتفي بغداد سأل، فيما قيل، القاسم بن عبيد الله عن عمرو: أحي هو؟ فقال: نعم، فسر بحياته وقال: أريد أن أحسن إليه. وكان عمرو يهدي إلى المكتفي ويبره براً كثيراً أيام مقامه بالري في حياة أبيه المعتضد، فذكر أن القاسم كره سؤاله عنه، ودس إليه من قتله. وكانت مدة مملكته اثنتين وعشرين سنة تقريباً.

قلت: وإنما قيل ليعقوب: الصفار، لأنه كان يعمل الصفر، وهو النحاس وهو بضم الصاد المهملة وسكون الفاء وبعدها راء. وكان أخوه عمرو بكري الحمير.

حكى شيخ من الصفارين قال: كان يعقوب وهو غلام في دكانه يتعلم عمل الصفر، ولم أزل أتأمل بين عينيه وهو صغير ما آل أمره إليه، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: ما تأملته قط من حيث لا يعلم بتأملي إياه وجدته مطرقاً إطراق ذي همة وروية، فكان من أمره ما كان.

وقال علي بن المرزبان الأصفهاني الكاتب: سألت بعض أصحاب بني الصفار عن عمرو بن الليث أخي يعقوب بن الليث الصفار وصناعته، وعمر يومئذ محبوس بمدينة السلام، فسكت عني، فلما توفي عمرو قال لي: كنت سألتني عن عمرو وصناعته، ولم يكن من الحزم إخبارك وهو يرجى ويخشى، فاعلم الآن أنه لم يزل مكارياً إلى أن عظم شأن أخيه يعقوب وتمكن من خراسان، فلحق به وترك إكراء الحمير.

قلت: ذكر جماعة من أرباب التواريخ في كتبهم أن أبا أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي – المقدم ذكره في هذا الكتاب – كان يقول: عجائب الدنيا ثلاث: جيش العباس بن عمرو الغنوي يؤسر العباس وحده وينجو من القتل ثم يطلق ويقتل جميع جيشه، وكانوا عشرة آلاف. وجيش عمرو بن الليث يؤسر عمرو وحده ويموت في السجن ويسلم جميع جيشه وكانوا خمسين ألفاً، وأنا أترك في بيتي بطالاً ويتولى ابني أبو العباس الجسرين ببغداد.

قلت: وكان من حديث العباس بن عمرو الغنوي أن القرامطة لما اشتد أمرهم وانتشروا في البلاد وبالغوا في الفتك أرسل إليهم المعتضد بالله في سنة سبع وثمانين ومائتين جيشاً مقدمه العباس المذكور، فاسره أبو سعيد القرمطي رئيس القرامطة في الوقعة، وأسر جميع من معه من الجيش. وفي اليوم الثاني من الوقعة أحضر أبو سعيد القرمطي الأسرى فقتلهم بأسرهم وأحرقهم، وأطلق العباس، فجاء إلى المعتضد وحده، وكان ذلك في آخر شعبان من السنة، وكانت الوقعة بين البصرة والبحرين. وهي قصة طويلة مشهورة، وهذا خلاصتها إذ ليس هذا موضع التطويل في شرحها – وسيأتي ذكرها مع الاستقصاء ف التاريخ الكبير إن شاء الله تعالى.

 

قلت: والبيتان المذكوران قبل هذا، وأنهما مكتوبان على قبر يعقوب الصفار، وآخر البيت الأول منهما:

وما كنت من ملك العراق بآيس

هذا نصف بيت من جملة أبيات ترنم بها معاوية بن أبي سفيان الأموي لما تغلب على الشام، وجاءه جرير بن عبد الله البجلي برسالة من علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وكان علي إذ ذاك مقيماً بالكوفة، فلما أدى جرير الرسالة إلى معاوية وانفض المجلس أمر معاوية بنزول جرير في مكان قريب منه، وجعل يترنم بهذه الأبيات تلك الليلة ليسمع جرير، فيعيد ذلك على علي رضي الله عنه، والأبيات المشار إليها هي:

تطاول ليلي واعتراني وساوسي

 

لآتٍ أتى بالترّهات البسـابـس

أتاني جرير والحـوادث جـمة

 

بتلك التي فيها اجتداع المعاطس

أكايده والسيف بينـي وبـينـه

 

ولست لأثواب الدني بـلابـس

إن الشام أعطت طاعةً يمـنـيةً

 

تواصفها أشياخها في المجالس

 

فإن يفعلوا أصدم علياً بجبـهةٍ

 

تفت عليه كل رطبٍ ويآبس

وإني لأرجو خير ما نال نائل

 

وما أنا من ملك العراق بآيس

قلت: ” الترهات ” بضم التاء المثناة من فوقها وتشديد الراء وبعد الهاء والألفتاء ثانية. والبسابس: بفتح الباء الموحدة وبعدها سين مهملة وبعد الألف باء ثانية مكسورة ثم سين، وهي الباطل. وأصل الترهات: الطرقات الصغار غير الجادة تتشعب عنها، الواحدة: ترهة فارسي معرب، ثم استعير في الباطل، فقيل: الترهات البسابس، والجبهة: الجماعة من الناس أيضاً، فكأنه قال: أصدره بالخيل والرجال، والباقي معروف لا حاجة إلى تفسيره.

ورأيت بخط بعض أهل هذا الفن أن عمرو بن الليث لما أسر ملك بعده بلاد فارس حفيده طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث المذكور لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر ثمان وثمانين ومائتين، ثم قبض عليه غلام جده شبك السبكري في سنة ست وتسعين ومائتين ومعه أخوه يعقوب بن محمد، وبعث بهما إلى مدينة السلام.

ثم ولي بعده الليث بن علي بن الليث، وهو ابن أخي يعقوب وعمرو بن الليث المذكورين، كان تغلب على بلاد سجستان في سنة ست وتسعين ومائتين، وجرى بين سبك السبكري وطاهر بن محمد المذكور ما جرى، واستقرت البلاد بيد السبكري، فاستخلف الليث المذكور على سجستان أخاه المعدل بن الليث، وسار إلى بلاد فارس، فهرب السبكري منه يطلب من الخليفة النجدة، فجرد المقتدر بالله الجيوش في شهر رمضان سنة ست وتسعين، وقدم عليها مؤنساً المظفر وبدراً الكبير والحسين بن حمدان، والتقوا مع الليث بن علي، فانهزم جيشه وأسر هو وأخوه محمد وابنه إسماعيل، وعاد مؤنس إلى بغداد ومعه الأسرى في المحرم سنة سبع وتسعين، وشهر بن علي على الفيل، وولي المعدل بن علي بن الليث على سجستان، فسار إليه أحمد بن إسماعيل الساماني في خلق كثير من الفارس والراجل، فأخذ منه البلاد. ثم ملك سبك السبكري الصفار مدة، ثم حمل معه محمد بن علي بن الليث إلى بغداد، وانقضى أمر الصفارية، والله أعلم.