يحيى بن خالد بن برمك

ِيحيى بن خالد بن برمك
توفي 190 هـ

ابو الفضل البرمكي الوزير السري الجواد، كان سيد بني برمك وأفضلهم جوداً وحلماً ورأياً، وكان من أكمل أهل زمانه أدباً وفصاحة وبلاغة، وأخباره في الكرم والشرف مشهورة. تقدم على أكثر أهل عصره في الإنشاء والكتابة.

مما يوي عنه أنه قال: ما رأيت رجلا إلا هبته حتى يتكلم، فإن كان فصيحا عظم في عيني وصدري وإن قصر سقط من عيني. وحدث محمد بن صالح الواقدي قال: دخلت على يحيى ابن خالد البرمكي فقلت: إن ههنا قوما جاءوا يشكرون لك معروفا، فقال يا محمد: هولاء جاءوا يشكرون معروفنا فكيف لنا شكر شكرهم.

وقال: مسألة الملوك عن حالها من سجية النوكي، فاذا أردت أن تقول: كيف أصبح الأمير فقل: صبح الله الأمير بالنعمة والكرامة، وإذا كان عليلا فأردت أن تسأله عن حاله فقل: أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة فإن الملوك لا تسأل ولا تشمت ولا تكيف وأنشد:

إن الملوك لا يخاطبونـا           ولا إذا ملوا يعاتبـونـا
وفي المقال لا ينازعونـا         وفي العطاس لا يشمتونا
وفي الخطاب لا يكيفونا          يثني عليهم وبجلـونـا

وافهم وصاتي لا تكن مجنونا وقيل له: أي الأشياء أقل؟ قال: قناعة ذي الهمة البعيدة بالعيش الدون، وصديق كثير الآفات قليل الإمتاع، وسكون النفس إلى المدح. وقيل له ما الكرم؟ فقال ملك في زي مسكين. قيل له فما اللؤم؟ قال: مسكين في بطش عفريت. قيل فما الجود؟ قال عفو بعد مقدرة. وقال: من ولي ولاية فتاه فيها فقدره دونها وقال: إذا فتحت بينك وبين المعروف فاحذر أن تغلقه ولو بالكلمة الجميلة، إذا أردت أن تنظر مروءة المرء فانظر الي، كانت حسنة فاحكم له بالشرف، وإن رأيت فما وراءها خير. وقال: أحسن جبلة الولاة إصابة السياسة، ورأس إصابة السياسة العمل لطاعة الله وفتح بابين للرعية، أحدهما رأفة ورحمة وبدل وتحنن، والآخر غلظة ومباعدة وإمساك ومنع. وقال: العذر الصادق مع النية الحسنة يقومان مقام النجح. وقال: ما سقط غبار موكبي على أحد إلا وجب علي حقه. وقال الفضل له: يا أبت، مالنا نسدي إلى الناس المعروف فلا يتبين فيهم كتبينه ببر غيرنا؟ قال آمال الناس فينا أعظم من آمالهم في غيرنا، وإنما يسر الإنسان ما بلغه أمله. وقال: أنا مخير في الإحسان إلى أحسن إليه، ومرتهن بالإحسان إلى من أحسنت إليه، لأني إن وصلته فقد أتمته، وإن قطعته فقد أهدرته. وقال: الخط صورة روحها البيان، ويدها السرعة، وقدمها التسوية، وجوارحها معرفة الفصول.

وكان يقول لولده: اكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون. وقال: أنفق من الدنيا وهي مقبلة، فإن الإنفاق لا ينقص منها شيئا، وأنفق منها وهي مدبرة، فإن الإمساك لا يبقى منها شيئا. وقال: الدنيا دول، والمال عارية، ولنا فيمن قبلنا أسوة، ونحن لمن بعدنا عبرة.

قال القاضي يحيى بن أكثم: سمعت المأمون يقول: لم يكن كيحيى بن خالد وكولده أحد في البلاغة والكفاية، والجود والشجاعة، وكان يحيى يجري على سفيان الثوري رضي الله عنه ألف درهم في كل شهر، فكان إذا صلى سفيان يقول في سجوده: اللهم إن يحيى كفاني أمر دنياي فاكفه أمر آخرته. فلما مات يحيى رؤى في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بدعاء سفيان.

مات يحيى في سجن الرشيد في الرافقة .

المرجع: معجم الأدباء