محمود شكري الألوسي

محمود شكري الألوسي
1924-1856م

للأسرة الآلوسية منزلة في العلم كبيرة بين أهل بغداد. فقد توفر غير جيل منها على تحصيل العلم ونشره، بحيث أصبحت الآلوسية مرادفة للاشتغال بالعلم. وما كان السيد محمود شكري، المولود في بغداد بالعراق ليشذّ عن هذه الخطة التي اختطها له السلف الصالح. ولكن بما أنه عاش في فترة لاحقة، فقد شغلته أفانين من العلوم ونواح من المعرفة وقضايا في الحياة لم يعرفها الذين سبقوه. وهذه ميزة الخلف.

عاش محمود الآلوسي آخر فترة من حياة الدولة العثمانية، وقضى بضع عشرة سنة والعراق تحت النفوذ البريطاني، وقد دهمت البلاد فيما بين هذه السنوات وتلك حرب طاحنة اقضّت المضاجع وحركت السواكن وقلبت أوضاع كثير من الناس. والسيد الآلوسي يعايش هذه الأحداث ويفكر فيها. وموقفه من الدولة العثمانية كان على حد تعبير أحد أصفيائه الخلص: “فهو قد عاش تسعاً وستين سنة، قضى معظمها تحت راية الخلافة العثمانية حتى شهد زوالها، وكان حائراً بين الرضى بها والكره لها”.

ومن أسباب رضاه بها أنها كانت في هذا الشرق طوال خمسة قرون مؤئل المسلمين، وحامية الإسلام والحصن المنيع الذي قام بوجه الغرب المتحفز للاستيلاء على دياره وإخضاعها لسلطانه الذي قد يتعذر الخلاص منه، إذا هي وقعت في قبضته. فإذا زالت هذه الخلافة، يزول معها الوجود السياسي للإسلام، ويحدث بعدها فراغ في الحياة الإسلامية.

“وأما باعثه على كرهها، فهو الفساد الذي أصاب حياة الدولة في أخريات أيامها وكان قد استشرى، وجاوز المدى، وبلغ الحد الذي جزع منه الأحرار، وعلاه القنوط من إصلاحه. ولم تغن معه حيلة ولا أجدى اجتهاد”.

أما من حيث الدافع الخاص الذي أثر في تحديد وجهته فقد أجمله الأستاذ محمد بهجة الأثري بقوله: “هذا إلى دأبه المطبوع على حب المعرفة واستكمالها، وتجرده المطلق للعلم، وعزوفه عن جميع حظوظ الدنيا سواه. كأنه كان يرى نفسه مفتقرة أبداً إلى الزاد الروحي والعقلي، فسعى إلى إغنائها به وتجميلها بحيلة العلم والأدب والزهد”. وجل حياة هذا الرجل صرفت في العلم وسبيله، مدرساً مؤلفاً كاتباً.

توفي محمود شكري الآلوسي فقيراً، وكانت أحواله المالية سيئة للغاية، ومع ذلك فلم يسمح لنفسه أن يتخلى عن همته ومروءته في سبيل سد هذا النقص المادي. ولم يقبل هبة مالية أو منصباً إدارياً لا يتفق مع ما كان يتصف به من خلق صاف.

لم يكتب محمود شكري الآلوسي في التاريخ فحسب، بل وضع كتباً في الفقه والتشريع واللغة وفقهها. وللرجل آراء في اللغة العربية من حيث إمكاناتها لمتابعة التطور الحديث إذ يقول:

“لقد سمعت بعض من لا خلاق له من الناس أنه ادعى أن لغات الافرنج أوسع من لغة العرب، بناء على ما حدث فيها من ألفاظ وضعوها لمعان لم تكن في القرون الخالية والأزمنة الماضية.

“ولا يخفى عليك أن هذا كلام يشعر بعدم وقوف قائله على منشأ السعة، وأنه لم يخض بحار فنون اللغة حتى يعلم أن المزية من أين حصلت.

” وما ذكر من أن المفردات العربية غير تامة، بالنظر إلى ما استحدثت بعد العرب من الفنون والصناعات مما لم يكن يخطر ببال الأولين، هو غير شين على العربية، إذ لا يسوغ لواضع اللغة أن يضع أسماء لمسميات غير موجودة، ويجعل الشَّين على من يستعير هذه الأسماء من اللغات الإفرنجية مع القدرة على صوغها من لغتها، لا على اللغة نفسها”.