محمد عياد الطنطاوي

محمد عيّاد الطنطاوي
 1861-1810م

ولد الشيخ محمد بن عياد بن سعد بن سليمان الشافعي في قرية نجريد من أعمال مركز طنطا بمصر. أبوه من قرية مرحوم وكان يعمل ببيع القماش والصابون والبن. ونرى من هذا أن الأب كان من طبقة خاصة من التجار، إذا أخذنا بنوع البضاعة التي كان يتعاطى بها.

بدأ محمد عياد الطنطاوي دراسته في مرحوم، وكان عماد هذه الدراسة حفظ القرآن الكريم. ثم أرسله والده إلى طنطا. ففيها كان المجال واسعاً للتعليم والدرس، فمسجدها ومدرسة المسجد الأولى في المدينة كانت المحطة المألوفة لمن يريد أن يستزيد من الدراسة في الجامع الأزهر، موئل طلاب العلم ومحط رحالهم يومها. وقد أحاط بالطالب الوافد على طنطا شيوخ تلقى عنهم علمهم، ولعل من أكبرهم أثراً فيه الشيخ مصطفى القناوي، شيخ الجامع الأحمدي.

تمت للشاب اليافع رغبته، فقد انتقل إلى القاهرة، وقرأ في الأزهر على علماء كبار “متنورين” من أمثال الشيخ حسن العطار (تو. 1835م) والذي تولى مشيخة الأزهر فيما بعد؛ والشيخ محمد بن أحمد البيجوري (تو. 1869م) وقد ولى المشيخة أيضاَ؛ والشيخ برهان الدين إبراهيم السقا (تو. 1880م) وقد تولى المشيخة بعد ذلك.

ومع أن الطنطاوي قرأ على هؤلاء وغيرهم قواعد الفقه وأصول الشرع، بعد التفسير والحديث، فقد اتجه نحو الأدب وما يتعلق به من دراسات في الشعر والمقامات، شارحاً إياها مفسراً غامضها مكتشفاً قيمتها باحثاً عن معانيها الخفية. وينقل الدكتور محمد عيسى صالحية أن الطنطاوي “اتهم بترويج البدع إذ انصرف إلى الشرع والأدب بدلاً من الانصراف إلى مباحث الفقه والحديث، حتى تمنى البعض موته حين أصيب بطاعون سنة 1836م، المرض الذي عاناه مدة عشرة أيام بلا نوم، وغاب عنه الإحساس والإدراك حتى سلمه الله وانفتحت البثور ثم تعافى بعد أسبوعين.

اتصال محمد عياد الطنطاوي بالمستشرقين الروس طريفة لا من حيث وقوعها، ولكن من حيث تخيل البعض حول أصولها وحدوثها. فقد دارت حولها حكايات ربطت بين الطنطاوي وفئة من المستشرقين، عن طريق صداقات وزمالات، يبدو أنها مخترعة أو متصورة حتى لا نقول أنها مختلقة. وقد وضع الدكتور صالحية أمامنا قصة الاتصال هذه على أصح رواياتها المنتزعة من كتاب الطنطاوي نفسه.

فقد كان موخين، الذي تولى فيما بعد منصب ترجمان القنصلية الروسية في استنبول، قد تعلم على يد الشيخ الطنطاوي العربية ثم قرأ عليه المعلقات وأخبار شعرائها. وكذلك فقد درس فرنيل كتباً عديدة أدبية وتاريخية على الشيخ الطنطاوي وقد كان هذا كافياً لأن تكون ثمة صلات بين هذين الأخيرين، وأن يقدم فرنيل أستاذه إلى القنصل العام الروسي الكونت ميدن الذي أصبح فيما بعد سفيراً لبلاده في فارس وفي أميركا.

ويبدو أن مدرسة الألسن الشرقية في بيتربورغ (سنت بطرسبورغ) كانت بحاجة إلى معلم للعربية، فكلف ميدن بالبحث عمن يمكن أن يقوم بذلك.

ويروي الشيخ الطنطاوي القصة كاملة، وبمنتهى البساطة، في كتابه تحفة الأذكياء يقول: “ومن حيث أن سعادة الوزير الروسي مفتن بإحياء مدرسته “مدرسة الألسن الشرقية” فلهذا لما توجه جناب الكونت ميدن إلى الديار المصرية كلفه بالتفتيش على معلم عربي للمدرسة. ومن حيث أني تعرفت بجنابه بواسطة المسيو فرنيل الذي طالع معي كتباً عربية أدبية وتاريخية، واكتسب في هذا اللسان مهارة المعية، بسبب كثرة صحبة العرب، طلب مني الذهاب. وبعدما رضيت استأذن لي جناب الكونت من حضرة الباشا عزيز مصر وممدنها، وحامي ذمارها ومؤمنها فأذن لي وطلب حضوري. فمثلت بين يديه، فأمرني بالجلوس، فامتثلت أمره المأنوس، ثم حضني على تعلم لسان الروسيا، ووعدني بالإكراء إذا تعلمته، لأنه مشغوف بجلب الألسن الغريبة إلى بلاده. ولذلك ترى في مدارسها نجابة التلاميذ خصوصاً في اللسان الفرنساوي، وكتب لي مرسوماً..” (تحفة الأذكياء، ص 57-58).

وصل محمد عياد الطنطاوي إلى مركز الروسيا في أيار/ مايو سنة 1840م وكان قد غادر مصر في آذار/ مارس من السنة نفسها. فيكون قد قضى في طريقه نحو سبعين يوماً.

ويلفت الشيخ الطنطاوي قرائه إلى أن التاريخ الذي ذكره لمغادرته مصر أي 26 آذار/ مارس هو التاريخ المعمول به في مصر والقسطنطينية الجاري على بلاد فرنسا والنمسا ونحوها. وأما على حساب الروسيا فيكون ذلك عندهم رابع عشر مارس/ آذار. ويسمى الأول الحساب الجديد والثاني الحساب القديم. ويضيف أنه بسبب ذلك تختلف الأعياد بين المنطقتين مثل عيد الميلاد ورأس السنة. ونود أن نزيد هنا توضيحاً بسيطاً: فالحساب القديم، الذي يعرف في بلاد الشام بالحساب الشرقي هو الحساب اليولياني، نسبة إلى يوليوس قيصر. أما الحساب الجديد، وهو المسمى عندنا الحساب الغربي، فهو الذي تم تصحيحه في أيام البابا غريغوريوس الثالث عشر في أواخر القرن السادس عشر. وقد كان الفرق يومها عشرة أيام، فقدم التقويم في دول أوروبية الكاثوليكية يومها هذه المدة. أما دول أوروبة البروتستانتية فقد تلكأت في الأخذ به. واليوم أصبح الفرق ثلاثة عشر يوماً. فالقياس اليولياني لا يزال حسابه كما كان لذلك فالفرق يزيد شيئاً فشيئا إلى أن يصبح يوما، فيرتفع عدد الأيام.

انضم الشيخ الطنطاوي إلى المدرسة، ولكن المحاضرة الأولى له كانت بعد سبعة وثلاثين يوماً من وصوله. وبعد وقت قصير سافر شيخنا إلى مصر في إجازة صيف 1844 وعاد في خريف العالم نفسه وقد اصطحب معه زوجته علوية وابنه أحمد. وكان أن الجامعة طلبت منه أن يعلم فيها فعمل فيها بعض الوقت لكنه عاد إلى الكلية الشرقية فعمل فيها حتى سنة 1854.

عانى الشيخ الطنطاوي في أيلول/سبتمبر 1855 شللاً أصاب أطرافه السفلى، ثم امتد هذا إلى يديه. ومع ذلك فقد ظل يعمل، بقطع النظر عن الصعوبات المرضية متسلحاً بإرادة حديدية. لكنه خضع للضعف العام الذي ألم بجسمه، ووري الثرى في مقبرة فولكوفو الإسلامية. وكتب على شاهد قبره: “هذا مرقد الشيخ العالم محمد عياد الطنطاوي. كان مدرس العربية في المدرسة الكبيرة الإمبراطورية بيطرسبورغ المحروسة. وتوفي في شهر جمادى الثاني سنة 1278”.

لم يقتصر وجود الشيخ الطنطاوي في الروسيا على التعليم في المعاهد التي عهد إليه بالتدريس فيها، بل إنه “حظي بعناية متميزة في الدولة الروسية، حيث عين مستشاراً في الدولة الروسية، وقلده القيصر وسام ستانيسلان ووسام القديسة حنة، بسبب امتياز التلاميذ في البحث.. كما قلده القيصر خاتماً مرصعاً بالألماس الغالي.

كان الطنطاوي يتنقل في أنحاء البلاد الروسية، ويحضر الأعياد الشعبية والحفلات الرسمية. وكان يميل إلى قرض الشعر في مناسبات كثيرة. وبعض شعره الذي ورد في “التحفة” جميل جيد.

للطنطاوي قاموس عربي فرنسي طبع في قازان (1849)، ومعجم تتري عربي، وترجمة الباب الأول من كلستان لسعدي الشيرازي وترجمة مختصر تاريخ روسيا. فضلاً عن عشرات من الدراسات. أما أهم ما كتب فكان كتاب “تحفة الأذكياء بأخبار بلاد الروسيا”. وهو يتكون من قسمين واضحي الفرق. الأول هو رواية الرحلة وأخبارها من القاهرة إلى بطرسبورغ (بتربورغ). أما القسم الثاني، الذي يتناول فيه الروسيا، فهو نتيجة درس وبحث واطلاع وتعرف على الأماكن والأشياء التي تناولها تاريخاً ووصفاً بأسلوب دقيق واضح.

كان الطنطاوي في هذا الكتاب باحثاً دارساً منقبا، لذلك فكتابه، حيث يقضي الأمر موثق، لكنه لا يذكر المصادر والصفحات.