محمد بن أحمد

محمد بن أحمد
1844- 1885م

ولد محمد بن أحمد مؤسس المهدية في جزيرة “لبب” بالقرب من مدينة دنقلا السودانية لأسرة عرفت بالانتماء لآل البيت، كانت تعمل في صناعة المراكب. وما لبثت الأسرة أن هجرت موطنها عام 1850م متجهة جنوبا إلى أن استقرت في العاصمة الخرطوم مركز الحكم التركي المصري.

وعلى عادة السودانيين أُرسل الفتى محمد أحمد منذ نعومة أظفاره إلى الخلوة ليتعلم القرآن الكريم ومبادئ القراءة والحساب مع أقرانه. وحين بدأ ارتحاله لطلب العلم أراد السفر إلى مصر للدراسة في الأزهر الشريف لكنه تحول في الطريق واستقر بالقرب من مدينة “بربر” شمال السودان. وهناك تلقى قسطاً وفيراً من العلوم الشرعية.

انضم الفتى محمد أحمد إلى بعض الطرق الصوفية، تلك الطرق التي كانت، وما تزال، تمثل أحد أكبر مقومات النسيج الديني والاجتماعي في السودان. وبعد انخراطه في سلك التصوف تعمق في قراءة ودراسة كتب الصوفية، فقرأ للغزالي “إحياء علوم الدين” وتأثر به جدا، كما قرأ لمحيي الدين بن عربي وغيرهما من أعلام التصوف وأخذ بمنهج صوفي صارم وانهمك في العبادة ونزعت نفسه إلى الخلوة والزهد. وبعد تقدمه في سلك الطريقة التي انتمى إليها وهي الطريقة السمانية، غدا من أقرب المقربين إلى شيخ الطريقة محمد شريف، وأصبحت له مكانة داخل الطريقة ولدى سكان كثير من المدن التي زارها. ثم انقطع بعد ذلك للعبادة وأقام في جزيرة “أبا” على النيل الأبيض ، والتي أصبحت فيما بعد منطلقا لدعوته. وفيها زاد إقبال الناس عليه لاشتهاره بالزهد والورع. وخلال هذه الفترة وقع الخلاف بينه وبين شيخه. فقد كان الشيخ محمد شريف من خريجي الأزهر وله مكانة وحظوة لدى الحكم التركي المصري، وكان الفتى يرى أن حياة شيخه لم تكن تخلو من الترف والبذخ.. وتطور الأمر إلى أن اعترض التلميذ على شيخه عندما أقام حفلاً باذخاً لختان بعض أولاده، رأى أن فيه ترفا وبذخا وتبذيرا وأنها لا تتفق مع المنهج الصوفي. وأدت هذه الحادثة بشيخه إلى طرده من حظيرة الطريقة السمانية. لكن محمد بن أحمد حافظ على علاقته بهذه الطريقة عن طريق شيخ آخر هو الشيخ القرشي في منطقة “طيبة” بالجزيرة والذي أعجب به وزوجه ابنته وسلمه مشيخة الطريقة من بعده، فذاع صيت الفتى وأصبح له مريدون كثر وأصبح يدعى بالمهدي.

والواقع أن فكرة المهدي قديمة؛ إذ وردت أحاديث كثيرة بعضها صحيح وأكثرها ضعيف عن المهدي. إنه رجل من آل بيت النبي يخرج في آخر الزمان ويحكم الأرض، فيملؤها عدلاً ونوراً كما ملئت ظلماً وجوراً. هذه الأحاديث لم ترد في الصحيحين لكنها جاءت في المسند وكتب السنن. وقد جعلها البعض من أساسيات العقيدة. وعبر التاريخ الإسلامي ادعى المهدوية كثير من الأشخاص سنة وشيعة. فقد كانت فكرة المهدي تمثل الخلاص للمظلومين.

ولعل الفكرة التي جاء بها محمد أحمد وخرج بها على قيادات المجتمع الدينية الممثلة آنذاك في الطرق الصوفية والعلماء الأزهريين، قد رافقها كثير من الغلو. فقد اعتبر كل من لم يؤمن بمهدويته غير مسلم. وقال بأن الرسول قد جاءه في المنام وقال له: “أنت المهدي المنتظر ومن شك في مهديتك فقد كفر”.

استطاع المهدي أن يوحد السودانيين خلفه، وانتقل بهم من نصر إلى آخر، وسقطت مدن السودان تباعاً تحت حكمه. ففي عام 1883م سقطت مدينة “الأبيض” أكبر مدن غرب السودان في يديه بعد حصار طويل ومعارك طاحنة، وبسقوطها قطع الثوار الطريق بين الخرطوم ودارفور. ثم انضم شرق السودان إلى “المهدي” بقيادة عثمان دقنة أحد زعماء قبائل البجة التي تقطن شرق البلاد، وقد عينه “المهدي” قائدا للشرق.

كان سقوط الخرطوم عام 1884م بمثابة المسمار الأخير في نعش حكومة الخديوي ومن ورائها بريطانيا. فقد دخل “المهدي” وأنصاره الخرطوم وقتلوا القائد الإنكليزي “غوردون” الذي أراد القضاء على هذه الثورة.

وبهذه المعارك التي خاضها المهدي مع سلطات الخديوي وبريطانيا أثبت أنه ليس مرشداً روحياً بارعاً أو زعيماً سياسياً ناجحاً فحسب، وإنما قائد عسكري محنك استطاع إخضاع تلك البقاع الشاسعة من أرض السودان من البحر الأحمر شرقا حتى دارفور غربا في زمن قياسي مذهل بالنسبة لعصره، وفي دولة كالسودان تعاني من صعوبة المواصلات والتنقل بين أنحائها المترامية الأطراف.

لم يعش المهدي بعد سقوط الخرطوم طويلا، فقد توفي متأثراً بمرض لم يمهله طويلا.

في الأشهر الخمسة التي تلت سقوط الخرطوم قام “المهدي” بأمور عدة، أهمها: تصفية بقايا الوجود التركي-المصري، وإرسال رسائل إلى بعض الملوك والزعماء، منها رسالة إلى الخديوي توفيق نفسه دعاه فيها لاعتناق المهدوية وإلا ستكون عاقبة أمره وبالاً. كما أنه أسس في هذه الفترة مدينة أم درمان التي أصبحت عاصمة لدولته، كما أصدر عملة خاصة بالدولة.