عبيد الله بن الحسين المهدي

عبيد الله بن الحسين المهدي
260 – 322 هـ

عبيد الله بن الحسين المهدي يُعتَبرُ مؤسسَ سلالةِ الفاطميين، الخلافة الشيعيّة الرئيسية الوحيدة في الإسلامِ، وأَسّستْ حُكُمَ الفاطميين في كافة أنحاء مُعظم شمال أفريقيا.

يعتبر مؤسس السلالةِ الفاطمية والإمام الحادي عشر للشيعة الإسماعيلية المشهور أنه عبيد الله بن الحسين الزكي عبد الله والمتفق عليه عند الشيعة الإسماعيلية وأيضا ايده المقريزي وابن خلدون وبناء على هذا يرجع نسبه إلى فاطمة الزهراء، بنت نبي الإسلامِ، محمد، من خلال الحسين بن علي.

خرج عبيد الله المهدي من مكمنه في “سلمية” من أرض حمص ببلاد الشام في سنة (292 هـ = 905م)، واتجه إلى المغرب، بعد الأنباء التي وصلته عن نجاح داعيته أبي عبد الله الشيعي في المغرب، وإلحاح كتامة القبيلة البربرية في إظهار شخصية الإمام الذي يقاتلون من أجله، وبعد رحلة شاقة نجح عبيد الله المهدي في الوصول إلى “سجلماسة” متخفيا في زي التجار، واستقر بها.

ومن ملجئه في سجلماسة في المغرب الأقصى أخذ عبيد الله المهدي يتصل سرًا بأبي عبد الله الشيعي الذي كان يطلعه على مجريات الأمور، ثم لم يلبث أن اكتشف “اليسع بن مدرار” أمير سجلماسة أمر عبيد الله؛ فقبض عليه وعلى ابنه “أبي القاسم” وحبسهما، وظلا في السجن حتى أخرجهما أبو عبد الله الشيعي بعد قضائه على دولة الأغالبة.

وكان أبو عبد الله الشيعي حين علم بخبر سجنهما قد عزم على السير بقواته لتخليصهما من السجن، فاستخلف أخاه “أبا العباس” واتجه إلى سجلماسة، ومر في طريقه إليها على “تاهرت” حاضرة الدولة الرسمية فاستولى عليها، وقضى على حكم الرّستميين، وبلغ سجلماسة فحاصرها حتى سقطت في يده، وأخرج المهدي وابنه من السجن.

ويذكر المؤرخون أن أبا عبد الله الشيعي حين أبصر عبيد الله المهدي ترجّل وقابله بكل احترام وإجلال، وقال لمن معه: هذا مولاي ومولاكم قد أنجز الله وعده وأعطاه حقه وأظهر أمره.

وأقام أبو عبد الله الشيعي وعبيد الله المهدي في سجلماسة أربعين يوما، ثم رحلوا عائدين فدخلوا رقادة في يوم الخميس الموافق (20 من شهر ربيع الآخر 297هـ= 7 من يناير 910م).

وخرج أهل القيروان مع أهل رقادة يرحبون بالإمام المهدي، وفي يوم الجمعة التالي أمر عبيد الله أن يُذكر اسمه في الخطبة في كل من رقادة والقيروان، معلنا بذلك قيام الدولة الفاطمية.وقد اختطّ عبيد الله المهدي مدينة المهديّة وجعلها عاصمة لدولته بحكم موقعها المميّز، إذ أنها عبارة عن شبه جزيرة متصلة بالبر من جهة واحدة، فأنشأ فيها قصره، ثمّ قصر ولده القائم بأمر الله، كما أحاطها بسور منيع لدرء الحملات البحرية.

وإلى جانب المهدية أقام المهدي زويلة التي بدأت أولاً بوصفها سوقاً عامةً يجتمع فيها تجار القبائل فيبيعون ويشترون، وأرادها أن تكون – بالإضافة إلى دورها الاقتصادي – تجمعاً تختلط فيه القبائل وتشترك في معاشها إمعاناً في تحصين المهدية وحمايتها.

استهدف عبيد الله الفاطمي منذ أن بويع بالخلافة واستقامت له الأمور أن يدعم مركزه، وأن تكون كل السلطات في يديه، وأن يكون السيد المطلق على الدولة الناشئة والدعوة الإسماعيلية.

وكان لا بد من أن يصطدم مع أبي عبد الله الشيعي مؤسس الدولة، ولم يجد غضاضة في التخلص منه بالقتل في سنة (298هـ= 911م) بعد أن أقام له دعائم ملكه، وأنشأ دولة بدهائه وذكائه قبل سيفه وقوته، إلا أنه من ناحية أخرى شهد جنازته وأثنى عليه وذكر فضله.

أثار مقتل أبي عبد الله الشيعي فتنة كبيرة قام بها أتباعه من أهل كتامة، وقدّموا طفلا ادعوا أنه المهدي المنتظر، وامتدت هذه الدعوة وقويت، واضطر عبيد الله إلى إرسال حملة قوية إلى أرض كتامة بقيادة ابنه لقمع هذه الفتنة، فألحق بهم الهزيمة، ويرد لدى بعض المؤرخين أنه قتل الطفل الذي ولّوه باسم المهدي.

وبعد فترة حكم ناهزت ربع قرن من الزمان توفي المهدي في (15 من ربيع الأول 322 هـ= 5 من مارس 934م) وخلفه ابنه محمد القائم بأمر الله، وكانت فترة عبيد الله المهدي بمثابة عهد التأسيس وإرساء القواعد، بعد عهد التمهيد والإعداد على يد الداعي أبي عبد الله الشيعي.

ورد في “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

” أبو محمد عبيد الله، الملقب بالمهدي؛ وجدت في نسبه اختلافاً كثيراً قال صاحب ” تاريخ القيروان ” هو عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال غيره: هو عبيد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر المذكور، وقيل هو علي بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقيل هو عبيد الله بن التقي بن الوفي بن الرضي، وهؤلاء الثلاثة يقال لهم المستورون في ذات الله، والرضي المذكور بن محمد بن إسماعيل بن جعفر المذكور، واسم التقي الحسين، واسم الوفي أحمد، واسم الرضي عبد الله، وإنما استتروا خوفاً على أنفسهم لأنهم كانوا مطلوبين من جهة الخلفاء من بني العباس، لأنهم علموا أن فيهم من يروم الخلافة أسوة غيرهم من العلويين وقضاياهم ووقائعهم في ذلك مشهورة. وإنما تسمى المهدي عبيد الله استتاراً، هذا عند من يصحح نسبه، ففيه اختلاف كثير. وأهل العلم بالأنساب من المحققين ينكرون دعواه في النسب، وقد تقدم في ترجمة الشريف عبد الله بن طباطبا ما جرى بينه وبين المعز عند وصوله إلى مصر وما كان من جواب المعز له، وفيه أيضاً دلالة على ذلك، فإنه لو عرف نسبه لذكره وما احتاج إلى ذلك المجلس الذي ذكرناه هناك.

ويقولون أيضاً: إن اسمه سعيد ولقبه عبيد الله، وزوج أمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القداح، وسمي قداحاً لأنه كان كحّالاً يقدح العين إذا نزل فيها الماء. وقيل إن المهدي لما وصل إلى سجلماسة ونما خبره إلى اليسع مالكها، وهو آخر ملوك بني مدرار، وقيل له: إن هذا هو الذي يدعو إلى بيعته أبو عبد الله الشيعي بأفريقية – وقد تقدم الكلام على ذلك في ترجمة أبي عبد الله في حرف الحاء – أخذه اليسع واعتقله، فلما سمع أبو عبد الله الشيعي باعتقاله حشد جمعاً كثيراً من كتامة وغيرها، وقصد سجلماسة لاستنقاذه، فلما بلغ اليسع خبر وصولهم قتل المهدي في السجن، فلما دنت العساكر من البلد هرب اليسع، فدخل أبو عبد الله إلى السجن فوجد المهدي مقتولاً وعنده رجل من أصحابه كان يخدمه، فخاف أبو عبد الله أن ينتقض عليه ما دبره من الأمر إن عرفت العساكر بقتل المهدي، فأخرج الرجل وقال: هذا هو المهدي؛ وبالجملة فأخباره مشهورة فلا حاجة إلى الإطالة فيها.

وهو أول من قام بهذا الأمر من بيتهم وادعى الخلافة بالمغرب، وكان داعيه أبا عبد الله الشيعي – المذكور في حرف الحاء – ولما استتب له الأمر قتله وقتل أخاه – كما ذكرناه في ترجمته – وبنى المهدي بأفريقية وفرغ من بنائها في شوال سنة ثمان وثلثمائة، وكان شروعه فيها في ذي القعدة سنة ثلاث وثلثمائة، وبنى سور تونس وأحكم عمارتها وجدّد فيها مواضع، فنسبت ” المهدية ” إليه.

وملك بعده ولده القائم، ثم المنصور ولد القائم – وقد تقدم ذكره – ثم المعز بن المنصور، وهو الذي سيّر القائد جوهراً وملك الديار المصرية وبنى القاهرة، واستمرت دولتهم حتى انقرضت دولتهم على يد السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى. وقد تقدم ذكر جماعة من حفدته وسيأتي ذكر باقيهم، إن شاء الله تعالى. ولأجل نسبتهم إليه يقال لهم ” العبيديون “، وهكذا ينسب إلى عبيد الله.

وكانت ولادته في سنة تسع وخمسين، وقيل سنة ستين ومائتين، وقيل ست وستين ومائتين بمدينة سلميّة، وقيل بالكوفة، ودعي له بالخلافة على منابر رقّادة والقيروان يوم الجمعة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، بعد رجوعه من سجلماسة، وقد جرى له بها ما جرى. وكان ظهوره بسجلماسة يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين، وخرجت بلاد المغرب عن ولاية بني العباس. وتوفي ليلة الثلاثاء منتصف شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة بالمهدية، رحمه الله تعالى.

وسلميّة: بفتح السين المهملة واللام وكسر الميم وتشديد الياء المثناة من تحتها وتخفيفها أيضاً مع سكون الميم، وهي بليدة بالشام من أعمال حمص.

ورقّادة: بفتح الراء وتشديد القاف وبعد الألف دال مهملة ثم هاء ساكنة، بلدة بأفريقية، وقد تقدم ذكرها في ترجمة أبي عبد الله الحسين بن أحمد المعروف بالشيعي، وكان قد بناها إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب جد زيادة الله بن الأغلب المذكور في ترجمة الشيعي أيضاً، وكان شروعه أيضاً في بنائها في سنة ثلاث وستين ومائتين وفرغ منها في سنة أربع وستين ومائتين وانتقل إليها لما فرغت.

والقيروان وسجلماسة: قد تقدم الكلام عليهما في مواضعهما”.