عبد القادر البغدادي

عبد القادر البغدادي
1620 ـ 1682م

عبد القادر بن عمر بن بايزيد بن أحمد البغدادي، أديب ولغوي ونحوي محقق. ولد في بغداد، وتلقى فيها علومه الأولى، وأتقن العربية والفارسية والتركية. ارتحل عن بغداد وورد دمشق نحو سنة 1048هـ واتّصل بنقيب أشرافها الطالبيين الذي أكرمه، وكان أول أستاذ له في دمشق، ثم جلس في حلقة محمد بن يحيى الفَرَضي (ت 1090هـ) فدرس عليه علوم العربية. وفي سنة 1050هـ رحل إلى مصر وجلس إلى طائفة من علماء الجامع الأزهر، وكان أستاذاه البارزان ياسين الحمصي (ت1061هـ) وشهاب الدين الخفاجي (ت1069هـ) صاحب كتابي «ريحانة الألبّاء» و«شفاء الغليل»، وقد أجازه الخفاجي بمؤلفاته، كما ترك له مكتبته بعد وفاته، وكان فيها كثير من كتب اللغة والأدب ودواوين الشعر، مما كان له تأثير عظيم في ثقافته ومؤلفاته.

بقي البغدادي في مصر حتى سنة 1077هـ، ثم غادرها إلى اصطنبول عاصمة العثمانيين، لكنه لم يلبث أن عاد إلى مصر، واتّصل بواليها إبراهيم كتخدا الذي اتخذه نديماً وسميراً، واستمرت الصلة بينهما قوية، فلمّا عزل الوالي رحل عبد القادر معه إلى بلاد الشام سنة 1085هـ ثم إلى أدرنة، وفيها لقي المُحِبّي[ر] صاحب كتاب «خلاصة الأثر» وكان صديقاً لوالده. كما تعرّف إلى الصدر الأعظم أحمد باشا كوبريلي الذي قرّبه إليه وجعله من خواصّه لما لمس فيه من فضل، فألّف البغدادي حاشيته على «شرح بانت سعاد» لابن هشام وجعلها برسم الصدر الأعظم. كما عرف فضله في هذه الأثناء السلطان العثماني محمد ابن السلطان إبراهيم فنال تقديره، مما جعله يهدي إليه كتابه «خزانة الأدب». وفي أدرنة أصيب البغدادي بمرض لم يستطع الأطباء علاجه، فتنقل في بعض البلاد التركية قبل أن يعود إلى القاهرة حيث وافته المنية.

ترك البغدادي مؤلفات كثيرة، أشهرها كتاب «خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب»، وهو كتاب موسوعي في علوم العربية وآدابها، وقد ألّفه شرحاً لشواهد شرح الرضيّ الأستراباذي[ر] على الكافية التي ألفها ابن الحاجب[ر] في علم النحو، وقد بلغ عدد الشواهد 957 شاهداً من شواهد العربية.

اتخذ البغدادي من ذكر الشاهد سبيلاً إلى ضبط روايته وشرحه والترجمة لصاحبه وذكر بعض أخباره المشهورة. وكان لا يكتفي بذكر الشاهد بل يضم البيت إلى ما سبقه وما تلاه من أبيات يتوقف عليها معناه، أو يذكر القصيدة كلها التي ورد فيها الشاهد إذا كانت من القصائد النادرة، مع شرح غريبها وسبب قولها ومنشئها، وبهذا حفظ في كتابه كثيراً من آثار العربية، كما ترجم لمعظم الأدباء والشعراء في الجاهلية والإسلام. وقد ساق في مقدمة الخزانة ثبتاً للكتب التي اعتمد عليها في الشرح والتحقيق، وصنفها بحسب موضوعاتها: الأدبية أو التاريخية أو النقدية أو اللغوية أو كتب الأمثال. وكان حريصاً في تأليفه للخزانة على إثبات تواريخ بدئها وختامها، شأنه في ذلك شأن ما فعله في سائر كتبه.

وقد جمع البغدادي في خزانته علوم الأدب واللغة ومتعلقاتها، وتعد في أبرز التصانيف في العصر العثماني. وقد حاول عبد القادر أن يرسّخ في كتابه جذور العربية، وإن كان قد أهداه إلى السلطان العثماني، وذلك في الوقت الذي بدأت أركان اللغة العربية تتزعزع فيه أمام انتشار اللغتين الفارسية والتركية في الدواوين الرسمية والمجتمعات الخاصة.

وللبغدادي كتب أخرى، منها: كتاب «شرح شواهد الرضي على الشافية» لابن الحاجب في التصريف، ونهجه فيه مماثل لنهجه في الخزانة، وقد ألحق بالكتاب فهرساً لمن لم يترجم له بالخزانة، وعددهم أربعة وثلاثون. وكتاب «شرح مقصورة ابن دريد» وكتاب «شرح أبيات مغني اللبيب لابن هشام» وهو في مجلدين، شرح فيه زهاء أربعمئة بيت وحققها ونسبها إلى قائليها. كما ترجم في الكتاب لبعض العلماء والفقهاء والقرّاء والنحاة. وكتاب «رسالة في معنى التلميذ»، وهي بحث لغوي يتعلق بهذه الكلمة ومادتها.

وللبغدادي كتب في غير العربية، منها كتاب «لفت شاهنامه» شرح فيه باللغة التركية غريب الألفاظ الفارسية الواقعة في كتاب شاهنامه، وهي الملحمة الفارسية التي نظمها الفردوسي في حدود 330هـ سرد فيها تاريخ الفرس الأسطوري، وكتاب «شرح التحفة الشاهدية» وهي منظومة بالتركية، ألفها الأديب التركي الشاهدي على عدة بحور عربية في التصوف، وقد فسرالبغدادي ألفاظها ومعانيها باللغة العربية، وقد سمى المحبيّ هذا الكتاب «شرح الشاهدي الجامع بين الفارسي والتركي».

وقد ساعد عبد القادر على تأليفه إحاطته بالمعارف وتضلعه من الذخائر العلمية والأدبية من كلام العرب في النظم والنثر، فكان يحفظ كثيراً من الدواوين ومقامات بديع الزمان الهمذاني (ت398هـ) والحريري (ت516) مع معرفة وقائع العرب وأيامها وحكاياتها وتاريخ الفرس والترك. وكان في تأليفه حرّ الفكر معتزاً بعلمه، فعلى اعترافه بفضل أساتذته كان يسجّل في كتبه اعتراضه على بعض ما أوردوه.

منقول