عبد الرحمن الكواكبي

عبد الرحمن الكواكبي
1855 – 1902 م

ولد عبد الرحمن الكواكبي في حلب، ونشأ في أحضان خالته بإنطاكية ثم بعناية أبيه بحلب. فقد ولد في بيت عريق بنسبه، يعتز بأصالته وطيب أرومته، ويفخر بتقاليده القديمة من عكوف على العلوم وممارسة الفقه والدين، وتعلق بالتصوف. ودرج منذ صباه في أحضان خالة ذكية أشد الذكاء، واسعة الفهم، عميقة الإدراك، تجيد القراءة والكتابة باللغتين العربية والتركية. فأخذ يسمع ما لم يسمع صبي مثله في بلده إلا نادرا. ونشأ في طفولته على أيدي أساتذة يثقفونه بالعربية والتركية والفارسية وأمور الدين، فأحب بذلك المطالعة والعلم والبحث.

بدأ عبد الرحمن يعاني الأزمات الفكرية من خلال اتصاله بالغرب، فقد أدرك معنى الحرية في زمن كان عبد الحميد فيه سلطان تركية والامبراطورية، ورأى ما يعانيه أبناء بلاده وقومه، فرغب في التعبير عما يخالجه عن طريق الكتابة والتحرير. فحرر في جريدة “فرات” الرسمية ثم أنشأ جريدة خاصة دامت حياتها خمسة عشر عددا.وانتقل إلى الوظائف الرسمية بطلب من أولي الأمر، وجرب الكثير منها، وبذل جهده في سبيل الإصلاح، وعرف من قيامه بهذه الوظائف مدى الفساد الذي تعانيه الدولة والخلل المسيطر عليها. وانتقد وصرخ، وحوكم وسجن، ولكنه لم يثنه عن آرائه شيء. وأخيرا رأى أن يرحل عن حلب فانتقل إلى القاهرة، حيث قضى السنتين الأخيرتين من عمره، وقد زار خلالهما الأقطار العربية والإسلامية الشرقية، وفي القاهرة كتب في الصحف ونشر كتبه.

كان الكواكبي يقول الحق ولو على نفسه، سياسي محنك مع الساسة، وعمراني واجتماعي مع علماء العمران. عالم ديني مع علماء الدين، وتاجر مع التجار، زارع مع الزراع، صانع مع الصناع، عامل مع العمال وكبير مع الكبراء.

للكواكبي آثار قلمية متعددة، لكن الرجل المعروف بكتابين ألهما: “طبائع الاستبداد” وثانيهما: “أم القرى”. ويبدو أن الكتابين قد وضعا وهو بعد في حلب. لم يكد يهبط القاهرة حتى أخذ بنشر موادهما في المؤيد والمنار باسم مستعار ثم نشرا مستقلين فيما بعد.

له حديث مستفيض عن منزلة المرآة في المجتمع وواجبات الأمة نحوها، فقال في ذلك: “إن لانحلال أخلاقنا سببا مهما آخر أيضا يتعلق بالنساء، وهو تركهن جاهلات على خلاف ما كان عليه أسلافنا، حيث كان يوجد في نسائنا كأم المؤمنين عائشة وكمئات من الصحابيات والتابعيات راويات الحديث، والمتفقهات. فضلا عن آلوف من العالمات والشاعرات اللاتي في وجودهن في العهد الأول بدون إنكار حجة دامغة ترغم أنف غيرة اللذين يزعمون أن جهل النساء أحفظ لعفتهن. هذا فضلا عن أنه لا يقوم لهم برهان على ما يتوهمون، حتى يصح الحكم بأن العلم يدعو للفجور، وأن الجهل يدعو للعفة. نعم، ربما كانت العالمة أقدر على الفجور من الجاهلة، ولكن الجاهلة أجسر عليه من العالمة. ثم أن ضرر جهل النساء وسوء تأثيره في أخلاق البنين والبنات أمر واضح غني عن البيان”.