عبدالحميد الكاتب

عبدالحميد الكاتب
توفي 132هـ

عبدالحميد بن يحيى مولى العلاء بن وهب القرشي، من أعلام الكتاب في القرن الثاني للهجرة، فارسي الأصل عربي الولاء. نشأ في الأنبار أو الشام على خلاف بين المؤرخين. وظهر في بداية أمره مساعدًا لصهره سالم صاحب ديوان الرسائل في عهد الخليفة هشام بن عبدالملك، ثم عمل بعد ذلك كاتبًا لمروان بن محمد والي أرمينيا وأذربيجان، ثم عمل أخيرًا كاتبًا أول للدولة الأموية على عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية. ولكنه قتل مع خليفته على يد العباسيين عندما تولوا الحكم.

يُعد عبدالحميد من أبرز الكتاب في تاريخ النثر العربي؛ فهناك شبه إجماع بين المؤرخين والنقاد على أنه كان صاحب مدرسة جديدة في كتابة الرسائل في النثر العربي عمادها مايلي: 1- الازدواج، أي إيراد عبارات متعددة متقاربة في المعنى لتوكيد فكرته، ولإشاعة جو من التنغيم الموسيقي الجميل في كتاباته. 2- الإطناب في رسائله 3- الإطالة في تحميدات رسائله. 4- الإكثار من الوصف بالحال 5- قصر الفواصل على طريقة الخطابة. 6- توسيع أغراض الرسائل، لتشمل بعض الأغراض التي كانت ـ قبله ـ خاصة بالشعر، مثل التعزية والتهنئة والنصح والوصف وغيرها. وقد تأثر بهذه المدرسة عدد كبير من الكتاب الذين جاءوا بعده. وبالرغم من أننا لا نملك ديوانًا خاصًا برسائله، إلا أن كتب الأدب قد حفظت لنا قدرًا طيبًا من رسائله الديوانية والإخوانية، لعل من أهمها: 1- رسالته إلى الكُتاب، وفيها يبدو تأثره بما أُثِرَ من وصايا ملوك الفرس لكتابهم، 2- رسالته التي كتبها إلى عبدالله بن مروان على لسان أبيه، 3- رسالته في وصف الصيد والشطرنج، 4- رسالته إلى أهله وهو منهزم مع مروان بن محمد.

ويعد عبدالحميد أبلغ كتاب الدواوين في العصر الأموي، حتى صارت بلاغته مضرب المثل، فقد قيل: فتحت الرسائل بعبدالحميد وختمت بابن العميد.

وجاء في “وفيات الأعيان” لابن خلكان قوله:

” عبد الحميد بن يحيى بن سعد مولى بني عامر بن لؤي بن غالب، الكاتب البليغ المشهور؛ وبه يضرب المثل في البلاغة، حتى قيل فتحت الرسائل بعبد الحميد، وختمت بابن العميد. وكان في الكتابة وفي كل فن من العلم والأدب إماماً، وهو من أهل الشام، وكان أولاً معلم صبيةٍ يتنقل في البلدان، وعنه أخذ المترسلون، ولطريقته لزموا ولآثاره اقتفوا، وهو الذي سهل سبيل البلاغة في الترسل، ومجموع رسائله مقدار ألف ورقة. وهو أول من أطال الرسائل واستعمل التحميدات في فصول الكتب، فاستعمل الناس ذلك بعده، وكان كاتب مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الأموي آخر ملوك بني أمية المعروف بالجعدي، فقال له يوماً وقد أهدى له بعض العمال عبداً أسود فاستقله: اكتب إلى هذا العامل كتاباً مختصراً، وذمه على ما فعل، فكتب إليه “لو وجدت لوناً شراً من السواد وعدداً أقل من الواحد لأهديته، والسلام”.

ومن كلامه أيضاً: القلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة. وقال إبراهيم بن العباس الصولي، وقد ذكر عبد الحميد المذكور عنده: كان والله الكلام معاناً له، ما تمنيت كلام أحد من الكتاب قط أن يكون لي مثل كلامه. وفي رسالة له ” والناس أخياف مختلفون، وأطوار متباينون، منهم علق مضنة لا يباع، وغل مظنة لا يبتاع ” وكتب على يد شخص كتاباً بالوصاة عليه إلى بعض الرؤساء فقال: ” حق موصل كتابي إليك عليك كحقه علي إذ رآك موضعا لأمله، ورآني أهلاً لحاجته، وقد أنجزت حاجته، فصدق أمله”. ومن كلامه ” خير الكلام ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً “. وكان كثيراً ما ينشد:

إذا جرح الكتاب كانت دويهم

 قسياً وأقلام الدوي لها نبلا

وله رسائل بليغة.

وكان حاضراً مع مروان في جميع وقائعه عند آخر أمره، وقد سبق في أخبار أبي مسلم الخراساني طرف من ذلك. ويحكى أن مروان قال له حين أيقن بزوال ملكه: قد احتجت أن تصير مع عدوي وتظهر الغدر بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك يحوجهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي، وإلا لم تعجز عن حفظ حرمي بعد وفاتي. فقال له عبد الحميد: إن الذي أشرت به علي أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي، وما عندي إلا الصبر حتى يفتح الله تعالى أو أقتل معك؛ وأنشد:

أسر وفاء ثـم أظـهـر غـدرةً

فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهر

ذكر ذلك أبو الحسن المسعودي في كتاب ” مروج الذهب “.

ثم إن عبد الحميد قتل مع مروان، وكان قتل مروان يوم الاثنين ثالث عشر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، بقرية يقال لها بوصير من أعمال الفيوم بالديار المصرية، رحمهما الله تعالى.

ورأيت بخطي في مسوداتي أنه لما قتل مروان بن محمد الأموي استخفى عبد الحميد بالجزيرة، فغمز عليه، فأخذ ودفعه أبو العباس، وأظنه السفاح، إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن صاحب شرطته، فكان يحمي له طستاً بالنار ويضعه على رأسه حتى مات. وكان من أهل الأنبار وسكن الرقة، وشيخه في الكتابة سالم مولى هشام بن عبد الملك.

وروى محمد بن العباس اليزيدي بإسناد ذكره قال: أتي أبو جعفر المنصور أخو السفاح – وهو ثاني خلفاء بني العباس بعد قتل مروان بن محمد الجعدي – بعبد الحميد الكاتب والبعلبكي المؤذن وسلام الحادي، فهم المنصور بقتلهم جميعاً لكونهم من أصحاب مروان، فقال سلام: استبقني يا أمير المؤمنين فإني أحسن الناس حداءً، فقال: وما بلغ من حدائك؟ فقال: تعمد إلى إبل فتظمئها ثلاثاً ثم توردها الماء، فإذا وردت رفعت صوتي بالحداء فترفع رؤوسها وتدع الشرب ثم لا تشرب حتى أسكت، قال: فأمر المنصور بإبل فأظمئت ثلاثة أيام، ثم أوردت الماء، فلما بدأت بالشرب رفع سلام صوته بالحداء فامتنعت من الشرب ثم لم تشرب حتى سكت، فاستبقى سلاماً وأجازه وأجرى عليه رزقه. وقال له البعلبكي المؤذن: استبقني يا أمير المؤمنين قال: وما عندك؟ قال: أنا مؤذن، قال: وما بلغ من أذانك؟ قال: تأمر جارية تقدم إليك طستاً وتأخذ بيدها أبريقاً وتصب عليك، وأبتدئ الآذان فتدهش ويذهب عقلها إذا سمعت أذاني حتى تلقي الأبريق من يدها وهي لا تعلم؛ فأمر جارية فأعدت أبريقاً فيه ماء وقدمت إليه طستاً وجعلت تصب عليه ورفع البعلبكي صوته بالآذان فبقيت الجارية شاخصة وألقت الأبريق من يدها فاستبقاه وأجازه وأجرى عليه الرزق وصير أمر الجامع إليه.

قال له: عبد الحميد الكاتب: استبقني يا أمير المؤمنين قال: وما عندك؟ قال: أنا أبلغ أهل زماني في الكتابة، فقال له المنصور: أنت الذي فعلت بنا الأفاعيل وعملت بنا الدواهي. فأمر به فقطعت يداه ورجلاه ثم ضربت عنقه، والله أعلم أي ذلك كان.

وكان ولده إسماعيل كاتباً ماهراً نبيلاً معدوداً في جملة الكتاب المشاهير.

وكان يعقوب بن داود وزير المهدي – الآتي ذكره إن شاء الله تعالى – كاتباً بين يدي عبد الحميد المذكور، وممن تخرج عليه وتعلم منه.

وساير عبد الحميد يوماً مروان بن محمد على دابة قد طالت مدتها في ملكه، فقال له مروان: قد طالت صحبة هذه الدابة لك، فقال: يا أمير المؤمنين إن من بركة الدابة طول صحبتها وقلة علفها، فقال له: فكيف سيرها؟ فقال: همها أمامها وسوطها عنانها وما ضربت قط إلا ظلماً.

وقال أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري في كتاب ” أخبار الوزراء “: وجدت بخط أبي علي أحمد بن إسماعيل: حدثني العباس بن جعفر الأصبهاني، قال: طلب عبد الحميد بن يحيى الكاتب وكان صديقاً لابن المقفع، ففاجأهما الطلب وهما في بيت، فقال الذين دخلوا عليهما: أيكما عبد الحميد؟ فقال كل واحد منهما: أنا، خوفاً من أن ينال صاحبه مكروه وخاف عبد الحميد أن يسرعوا إلى ابن المقفع فقال: ترفقوا بنا فإن كلاً منا له علامات، فوكلوا بنا بعضكم ويمضي البعض الآخر ويذكر تلك العلامات لمن وجهكم ففعلوا، وأخذ عبد الحميد.

وبوصير: بضم الباء الموحدة وسكون الواو وكسر الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء. ويقال: إن مروان لما وصل إليها منهزماً والعساكر في طلبه قال: ما اسم هذه القرية؟ فقيل له: بوصير، فقال: إلى الله المصير، فقتل بها، وهي واقعة مشهورة.

وقال إبراهيم بن جبلة: رآني عبد الحميد الكاتب أخط خطاً رديئاً فقال لي: أتحب أن تجود خطك؟ فقلت: نعم، فقال: أطل جلفة قلمك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها، ففعلت فجاد خطي”.