طاهر بن الحسين

طاهر بن الحسين
توفي 207 هـ

أحد أشهر قواد الخليفة العباسى المأمون وكان يعرف بذى اليمينين وقال فيه الشاعر:

يا ذا اليمنين وعين واحده   نقصان عين ويمين زائدة

قال الذهبي في “سير أعلام النبلاء” أن طاهر بن الحسين هو ابن مصعب بن رزيق الأمير مقدم الجيوش ذو اليمينين أبو طلحة الخزاعي القائم بنصر خلافة المأمون فإنه ندبة لحرب أخيه الأمين فسار في جيش لجب وحاصر الأمين فظفر به وقتله صبراً فمقت لتسرعه في قتله.وكان شهماً مهيباً داهية جواداً ممدحاً روى عن ابن المبارك وعمه علي بن مصعب.

روى عنه ابنه عبد الله بن طاهر أمير خراسان وابنه الأخر طلحة.

ومن كرمه المسرف انه وقع يوما بصلات جزيلة بلغت ألف ألف ألف وسبع مئة ألف درهم.

وكان مع فرط شجاعته عالماً خطيباً مفوهاً بليغاً شاعراً بلغ أعلى الرتب ثم مات في الكهولة سنة سبع ومئتين”.

وقال عنه ابن خلكان في كتابه “وفيات الأعيان“:

” أبو الطيب طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق بن ماهان، ورأيت في مكان آخر: رزيق بن أسعد بن رادويه، وفي مكان آخر: أسعد بن زاذان-والله أعلم-وقيل مصعب بن طلحة بن رزيق الخزاعي بالولاء الملقب ذا اليمينين؛ كان جده رزيق بن ماهان مولى طلحة الطلحات الخزاعي المشهور بالكرم والجود المفرط، وكان طاهر من أكبر أعوان المأمون، وسيره من مرو كرسي خراسان لما كان المأمون بها إلى محاربة أخيه الأمين ببغداد لما خلع المأمون بيعته، والواقعة مشهورة، وسير الأمين أبا يحيى علي بن عيسى بن ماهان لدفع طاهر عنه، فتواقعا وقتل علي في المعركة.

ذكر ابن العظيمي الحلبي في تاريخه أن الأمين وجه علي بن عيسى بن ماهان لملاقاة طاهر بن الحسين، فلقيه بالري فقتل علي بن عيسى لسبع خلون من شعبان سنة خمس وتسعين ومائة. قلت: وذكر الطبري في تاريخه هذه الواقعة في سنة خمس وتسعين، ولم يعين الشهر، لكنه قال: إنه قتل في الحروب، وسير طاهر بالخير إلى مرو، وبينهما نحو مائتين وخمسين فرسخاً، فسار الكتاب ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، ولم يذكر في أي شهر، فوصلهم يوم الأحد، ثم قال بعد هذا: وخرج علي بن عيسى من بغداد لسبع ليال خلون من شعبان من سنة خمس وتسعين. والظاهر أن ابن العظيمي اشتبه عليه يوم قتل علي بن عيسى بيوم خروجه من بغداد. ثم قال بعد هذا: إن الخبر وصل إلى بغداد بقتله يوم الخميس النصف من شوال من السنة، فيحتمل أنه قتل لسبع أو لتسع من شوال، وتصحف على الناسخ شوال بشعبان، فيكون كما قال الطبري خرج من بغداد في شعبان، وقتل في شوال أو في رمضان، والله أعلم.

وتقدم طاهر إلى بغداد وأخذ ما في طريقه من البلاد، وحاصر بغداد والأمين بها، وقتله يوم الأحد لست أو أربع خلون من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة، ذكره الطبري في تاريخه؛ وقال غيره: إن طاهراً سير إلى المأمون يستأذنه في أمر الأمين إذا ظفر به، فبعث إليه بقميص غير مقور، فعلم أنه يريد قتله، فعمل على ذلك، والله أعلم؛ وحمل رأسه إلى خراسان ووضع بين يدي المأمون، وعقد للمأمون على الخلافة، فكان المأمون يرعاه لمناصحته وخدمته.

وقيل لطاهر ببغداد لما بلغ: ليهنك ما أدركته من هذه المنزلة التي لم يدركها أحد من نظرائك بخراسان، فقال: ليس يهنيني ذلك، لأني لا ارى عجائز بوشنج يتطلعن إلي من أعالي سطوحهن إذا مررت بهن، وإنما قال ذلك لأنه ولد ونشأ بها، وكان جده مصعب والياً عليها وعلى هراة.

وكان شجاعاص أديباً، وركب يوماً ببغداد في حراقته، فاعترضه مقدس ابن صيفي الخلوقي الشاعر، وقد أدنيت من الشط ليخرج، فقال: أيها الأمير، إن رأيت أن تسمع مني أبياتاً، فقال: قل، فأنشأ يقول:

عجبت لحراقة ابن الحسين لا

 

غرقت كـيف لا تـغـرق

وبحران: من فوقهـا واحـد

 

وآخر من تحتها مطـبـق

وأعجب من ذاك أعـوادهـا

 

وقد مسها كيف لا تـورق؟

فقال طاهر: أعطوه ثلاثة آلاف دينار، وقال له: زدنا حتى نزيدك، فقال: حسبي.

ولبعض الشعراء في بعض الرؤساء، وقد ركب البحر، وما أقصر فيه:

ولما امتطى البحر ابتهلت تضرعاً

 

إلى الله يا مجري الرياح بلطفه

جعلت الندى من كفه مثل موجه

 

فسلمه واجعل موجه مثل كفـه

وكان طاهر قد احتاج إلى الأموال عند محاصرة بغداد، فكتب إلى المأمون يطلبها منه، فكتب له إلى خالد بن جيلويه الكاتب ليقرضه ما يحتاج إليه، فامتنع خالد من ذلك، فلما أخذ طاهر بغداد أحضر خالداً وقال له: لأقتلنك الشركة المتعهدة قتلة، فبذل من الماء شيئاً كثيراً فلم يقبله منه، فقال خالد: قد قلت شيئاً فاسمعه، ثم شأنك وما أردت، فقال طاهر: هات، وكان يعجبه الشعر، فأنشده:

زعموا بأن الصقر صادف مرة

 

عصفور بر ساقه المـقـدور

فتكلم العصفور تحت جناحـه

 

والصقر منقض عليه يطـير

ما كنت يا هذا لمثلك لـقـمةً

 

ولئن شويت فإنني لـحـقـير

فتهاون الصقر المدل بصـيده

 

كرماً فأفلت ذلك العصفـور

فقال طاهر: أحسنت، وعفا عنه.

وكان طاهر بفرد عين، وفيه يقول عمرو بن بانة-الآتي ذكره إن شاء الله تعالى-:

يا ذا اليمينين وعين واحدة

 

نقصان عين ويمين زائدة

ويحكى أن إسماعيل بن جرير البجلي كان مداحاً لطاهر المذكور، فقيل له: إنه يسرق الشعر ويمدحك به، فأحب طاهر أنه يمتحنه، فقال له: تهجوني، فامتنع، فألزمه بذلك، فكتب إليه:

رأيتك لا تـرى إلا بـعـين

 

وعينك لا ترى إلا قـلـيلاً

فأما إذ أصبت بفـرد عـين

 

فخذ من عينك الأخرى كفيلا

فقد أيقنت أنك عـن قـريب

 

بظهر الكف تلتمس السبـيلا

فلما وقف عليها قال له: احذر أن تنشدها أحداً، ومزق الورقة.

ولما استقل المأمون بالأمر بعد قتل أخيه الأمين كتب إلى طاهر بن الحسين المذكور وهو مقيم ببغداد والمأمون مقيم بخراسان بأن يسلم إلى الحسن بن سهل-المقدم ذكره-جميع ما افتتحه من البلاد، وهي العراق وبلاد الجبل وفارس والأهواز والحجاز واليمن، وأن يتوجه هو إلى الرقة، وولاه الموصل وبلاد الجزيرة الفراتية والشام والمغرب، وذلك في بقية سنة ثمان وتسعين ومائة.
وأخبار طاهر كثيرة وسيأتي ذكر ولده عبد الله وحفيده عبيد الله في حرف العين إن شاء الله تعالى.

وكان مولده سنة تسع وخمسين ومائة. وتوفي يوم السبت لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة سبع ومائتين بمدينة مرو رحمه الله تعالى.

وكان المأمون قد ولاه خراسان، فوردها في شهر ربيع الآخر سنة ست ومائتين، واستخلف ابنه طلحة، هكذا قال السلامي في كتاب “أخبار ولاة خراسان”، وقال غيره: إنه خلع طاعة المأمون، وجاءت كتب البريد من خراسان تتضمن ذلك، فقلق المأمون لذلك قلقاً شديداً، ثم جاءته كتب البريد ثاني يوم أنه أصابته عقيب ما خلع حمى فوجد في فراشه ميتاً، وقيل إنه حدث به في جفن عينه حادث، فسقط ميتاً.

 وحكى هارون بن العباس بن المأمون في تاريخه، قال: دخل طاهر يوماً على المأمون في حاجة فقضاها وبكى حتى اغرورقت عيناه بالدموع، فقال طاهر: يا أمير المؤمنين لم تبكي؟ لا أبكى الله عينك، وقد دانت لك الدنيا وبلغت الأماني، فقال: أبكي لا عن ذل ولا عن حزن، ولكن لا تخلو نفس من شجن، فاغتنم طاهر وقال لحسين الخادم وكان يحجب المأمون في خلواته: أريد أن تسأل أمير المؤمنين عن موجب بكائه عندما رآني، ثم أنفذ طاهر للخادم مائة ألف درهم، فلما كان في بعض خلوات المأمون وهو طيب الخاطر قال له حسين الخادم: يا أمير المؤمنين، لم بكيت لما دخل عليك طاهر؟ فقال: مالك ولهذا ويلك؟ قال: غمني بكاؤك، فقال: هو أمر إن خرج من رأسك أخذته، فقال: يا سيدي ومتى أبحت لك سراً؟ قال: إني ذكرت محمداً أخي وما ناله من الذلة، فخنقتني العبرة، ولن يفوت طاهراً مني ما يكره، فأخبر حسين طاهراً بذلك، فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد فقال له: إن الثناء مني ليس برخيص وإن المعروف عندي ليس بضائع، فغيبني عن المأمون، فقال: سأفعل، فبكر إلي غداً، وركب أحمد إلى المأمون فقال له: لم أنم البارحة، فقال له: ولم؟ قال: لأنك وليت خراسان غسان وهو ومن معه أكلة رأس، وأخاف أن يصطلمه مصطلم، فقال: فمن ترى؟ قال: طاهر، قال: هو جائع، فقال: أنا ضامن له، فدعا به المأمون وعقد له على خراسان من ساعته، وأهدى له خادماً كان رباه، وأمره إن رأى ما يريبه أن يسمه، فلما تمكن طاهر من الولاية قطع الخطبة. حكى كلثوم بن ثابت متولي بريد خراسان قال: صعد طاهر المنبر يوم الجمعة وخطب، فلما بلغ ذكر الخليفة أمسك، فكتب بذلك إلى المأمون على خيل البريد، واصبح طاهر يوم السبت ميتاً فكتب أيضاً بذلك، فلما وصلت الخريطة الأولى إلى المأمون دعا أحمد بن أبي خالد وقال: اشخص الآن فأت به كما ضمنت، واكرهه على المسير في يومه، ثم بعد شدائد أذن له في المبيت، ثم وافت الخريطة الثانية من يومه بموته، وقيل: إن الخادم سمه في كامخ.

ثم إن المأمون استخلف ولده طلحة على خراسان، وقيل إنه جعله خليفة بها لأخيه عبد الله بن طاهر الآتي ذكره، وتوفي طلحة سنة ثلاث عشرة ومائتين ببلخ.

واختلفوا في تلقيبه بذي اليمينين لأي معنى كان، فقيل لأنه ضرب شخصاً في وقعته مع علي بن ماهان كما تقدم فقده نصفين، وكانت الضربة بيساره، فقال فيه بعض الشعراء:

كلتا يديك يمين حين تضربه

فلقبه المأمون “ذا اليمينين”، وقيل غير ذلك.

وكان جده مصعب بن رزيق كاتباً لسليمان بن كثير الخزاعي صاحب دعوة بني العباس، وكان بليغاً، فمن كلامه: ما احوج الكاتب إلى نفس تسمو به إلى أعلى المراتب، وطبع يقوده إلى أكرم الأخلاق، وهمة تكفه عن دنس الطمع ودناءة الطبع.

ومات والده الحسين بن مصعب بخراسان في سنة تسع وتسعين ومائة، وحضر المأمون جنازته وبعث إلى ابنه طاهر وهو بالعراق يعزيه”.