شكيب إرسلان

شكيب أرسلان
1869- 1946م

ولد شكيب بن حمود بن حسن بن يونس بن فخر الدين بن حيدر بن سليمان بقرية الشويفات قرب بيروت بلبنان. كان جده الأكبر الأمير “عون” ممن اشترك مع “خالد بن الوليد” في فتوح الشام. أما أمه فقد كانت سيدة شركسية عمّرت طويلاً.

كان شكيب أرسلان متدينًا محافظً محبًا للعلم حريصًا على القراءة والاطلاع. وأضحت حياته كلها كتابة أو قراءة أو حديثاً أو رحلة. تأثر بعدد كبير من أعلام عصره ممن تتلمذ على أيديهم أو اتصل بهم في مراحل متعددة من عمره. وأول أساتذته كان الشيخ عبد الله البستاني الذي علمه في مدرسة الحكمة. كما اتصل بالإمام محمد عبده ومحمود سامي الباردوي وعبد الله فكري والشيخ إبراهيم اليازجي. وتعرّف إلى أحمد شوقي وإسماعيل صبري وغيرهم من أعلام الفكر والأدب والشعر في عصره. كما تأثر بـجمال الدين الأفغاني تأثرًا كبيرًا، واقتدى به في منهجه الفكري وحياته السياسية. وكذلك تأثر بعدد من المفكرين والعلماء مثل أحمد فارس الشدياق الذي كان شديد الحماس والتأييد للخلافة الإسلامية والدولة العثمانية. وتأثر أيضًا بالعالم الأمريكي د. كرينليوس فانديك الذي كان يدرّس بالجامعة الأمريكية ببيروت، وكان دائم الإشادة به.

شبّ شكيب أرسلان ليجد الوطن العربي والإسلامي فريسة للمستعمرين والغزاة المحتلين. ومن ثم فقد نما لديه، منذ وقت مبكر، وعي قوي بضرورة الوحدة العربية وأهميتها في مواجهة أطماع المستعمرين ومؤامرات الغزاة لإضعاف الأمة العربية وتفتيتها ليسهل لهم السيطرة عليها. وقد عني شكيب أرسلان بقضية الوحدة العربية عناية شديدة، وأولاها كل اهتمامه، وأوقف عليها حياته كلها. وكانت مقالاته دعوة متجددة إلى قيام تلك الوحدة الكبرى التي كان يرى فيها الخلاص من حالة ضعف الأمة واستكانتها.

تعرض شكيب أرسلان بسبب مواقفه الوطنية للكثير من الاضطهاد من المستعمرين، وحيكت ضده المؤامرات العديدة. كما تعرض لحملات شرسة من التشويه والافتراءات والأكاذيب. وسعى المحتلون الأجانب إلى تشويه صورته أمام الجماهير، فاتهمه المفوض الفرنسي السامي جوفنيل بأنه من أعوان جمال باشا السفاح، وأنه كان قائدًا لفرقة المتطوعين تحت إمرته. وكان شكيب إرسلان قد تولى قيادة تلك الفرقة من المتطوعين اللبنانيين لمقاومة الدول التي احتلت لبنان. وكان من الطبيعي أن يكون تحت إمرة جمال باشا باعتباره قائد الفيلق الرابع الذي تنتمي إليه فرقة شكيب.

كان إرسلان لا يثق بوعود الحلفاء للعرب، وكان يعتقد أن الحلفاء لا يريدون الخير للعرب، وإنما يريدون القضاء على الدولة العثمانية أولاً، ثم يقسمون البلاد العربية بعد ذلك. وقد حذر قومه من استغلال الأجانب الدخلاء للشقاق بين العرب والترك. ولكنه حينما رأى الأتراك يتنكرون للخلافة الإسلامية ويلغونها ويتجهون إلى العلمانية، ويقطعون ما بينهم وبين العروبة والإسلام من وشائج وصلات، اتخذ موقفًا آخر من تركيا وحكامها، وبدأ يدعو إلى الوحدة العربية.

ظل شكيب أرسلان مطاردًا من أكثر من دولة. فتركيا طاردته لاهتمامه بقضايا العرب وحملته على تنكر حكامها للخلافة والإسلام، وطاردته إنجلترا وفرنسا لدفاعه عن شعوب الأمة العربية ودعوته إلى التحرر، وتزعمه حملة الجهاد ضد المستعمرين. وظل مبعدًا لفترة طويلة من حياته عن كثير من أقطار الوطن العربي، لا يُسمح له بدخولها، خاصة مصر وسوريا اللتين كانتا تشكلان قلب الأمة العربية.

لم يقتصر دور شكيب أرسلان على الاهتمام بقضايا الأمة العربية وإيقاظ الهمم وبعث الوعي الوطني في داخل الوطن العربي فحسب، وإنما انطلق يشرح قضية العرب ويفضح فظائع المستعمرين ويكشف زيفهم وخداعهم في كثير من بلدان العالم. فسافر إلى روما وأمريكا الشمالية وروسيا وإسبانيا، حيث استقبل في كل بلد زاره بكل حفاوة وتقدير، ونشر العديد من المقالات التي تفضح جرائم المستعمرين في حق الشعوب العربية والإسلامية، وتصور الحالة الأليمة التي صارت إليها الأمور في كثير من البلدان التي ترزح تحت نير الاستعمار.

اهتم شكيب أرسلان بأحوال المسلمين في أنحاء العالم. ففي عام 1924م أسس جمعية “هيئة الشعائر الإسلامية” في برلين، وكانت تهدف إلى الاهتمام بأمور المسلمين في ألمانيا. وقد تشكلت هذه الجمعية من أعضاء يمثلون معظم الشعوب الإسلامية. وأهم ما كان يميزها أنها نحت منحى دينيًا بعيدًا عن الشؤون السياسية، وذلك لتلافي أسباب الخلاف والشقاق التي قد تنجم عن اختلاف الأيدلوجيات السياسية بين الشعوب والدول المختلفة.

أدرك شكيب أرسلان منذ وقت مبكر أثر العامل الديني في الصراع بين الشرق والغرب، وأكد عليه في كثير من كتبه ومقالاته، وأوضح أثر ذلك العامل في إثارة دول الغرب ودعمها لاستعمار الشرق واحتلال العالم الإسلامي، وربط بين الحملات الصليبية القديمة نحو الشرق وأخواتها المعاصرة على أيدي الفرنسيين والإنجليز والألمان. ولكنه كان أشد نقدًا للفرنسيين. فتناول فظائع فرنسا ضد المسلمين في شمال أفريقيا، مؤكدًا أنها حملة عنصرية ضد العروبة والإسلام.

لم يشترك شكيب أرسلان ولم يشارك في أحداث الثورة العربية التي قامت ضد تركيا سنة 1916م، وإنما كان له موقف منها. فقد انتقدها وحذر من عواقبها فأدى موقفه هذا إلى أن الكثيرين أساءوا الظن به. ويفسر شكيب أرسلان موقفه هذا بأنه اعتقد أن البلاد العربية ستصبح نهبًا للاستعمار، وأنها ستقسم بين إنجلترا وفرنسا.

كان إرسلان من أوائل الذين تنبهوا إلى خطورة سياسة المستعمرين في فلسطين وسعيهم إلى تقسيمها وإنشاء وطن قومي لليهود فيها. وأكد أنه يفضّل الدولة العثمانية الشرقية الإسلامية على احتلال الفرنج الأعداء الغرباء. ولكنه في الوقت نفسه، ذكر أنه لو علم أن الثورة ضد تركيا ستؤدي إلى استقلال العرب لما سبقه إليها أحد.

ما كادت الحرب العالمية الأولى تضع أوزارها حتى تبين للجميع صحة ما ذهب إليه شكيب أرسلان وبعد نظره. وكان من أوائل الذين تصدوا لخطر الوجود اليهودي في فلسطين، وسعى مخلصًا إلى دعوة العرب إلى جمع الشمل والتصدي لتلك المؤامرة، وحذر أبناء فلسطين من الخلاف والشقاق، لأن ذلك مما يقوي آمال الإنجليز واليهود ويعظّم أطماعهم في فلسطين.

لعل شكيب أرسلان كان من أوائل الدعاة إلى إنشاء الجامعة العربية إن لم يكن أولهم على الإطلاق. ففي أعقاب الحرب العالمة الأولى مباشرة دعا إلى إنشاء جامعة عربية. ولما تألفت الجامعة العربية كان سروره عظيمًا. وكان يرى فيها الملاذ للأمة العربية من التشرذم والانقسامات، والسبيل إلى نهضة عربية شاملة في جميع المجالات العلمية والفكرية والاقتصادية. وكان من أشد المدافعين عن إصالة الثقافة العربية، وكان مولعًا بتمجيد العرب والعروبة. كما كان يضيق بالشعوبية وأهلها، ويراها حركة تخريب لمدنية العرب.

عاش شكيب أرسلان نحو ثمانين عامًا، قضى منها نحو ستين سنة في القراءة والكتابة والخطابة والتأليف والنظم، وكتب في عشرات الدوريات من المجلات والصحف في مختلف أنحاء الوطن العربي والإسلامي. وبلغت بحوثه ومقالاته المئات، فضلاً عن آلاف الرسائل ومئات الخطب.

اتسم أسلوبه بالفصاحة وقوة البيان والتمكن من الأداة اللغوية مع دقة التعبير والبراعة في التصوير حتى أطلق عليه “أمير البيان”. وقد أصدر عددًا كبيرًا من الكتب ما بين تأليف وشرح وتحقيق. ومن أهم تلك الكتب: تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط (1933م)، الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (1939م)، السيد رشيد رضا، أو إخاء أربعين سنة (1937م)، شوقي، أو صداقة أربعين سنة (1936م)، لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم( 1939م).

عاد شكيب إرسلان إلى لبنان بعد سنة واحدة من انتهاء الحرب العالمية الأولى فاستُقبل استقبالاً حافلاً. لكن حالته الصحية لم تسعفه أن يمضي في حضن أهله وبلده سوى أشهر عديدة مات بعدها منهياً رحلة غنية بالعطاء حافلة بالجهاد.