سـليمان البسـتاني

سـليمان البستاني
1856- 1925م

ولد سليمان البستاني في بلدة دير القمر بلبنان. أدخل إلى المدرسة الوطنية التي كان قد أنشأها بطرس البستاني في بيروت، وفيها تعلم العربية والفرنسية والإنكليزية والسريانية. وما إن انتهى من دروسه حتى طُلب منه أن يعلم في المدرسة نفسها. وكان أثناء السنوات الثلاث التي عمل فيها معلماً يكتب مقالات في “الجنان” و”الجنة” و”الجنينة”، وهي مجلات لأقاربه من آل البستاني: بطرس وابنه سليم. كما أن سليمان اشتغل في تنظيم هيكل “دائرة المعارف” التي كان ينشرها بطرس البستاني بدءاً من سنة 1876، وقد كتب بضعة فصول فيها.

كان سليمان البستاني محباً للرحلة والسفر. لذلك نجده في العراق وبلاد العرب وفي استنبول والهند وإيران. وفي هذه الفترة زار معرض شيكاغو بالولايات المتحدة، وبعد سبع سنوات قضاها في استنبول عاد إلى لبنان ومصر.

كان سليمان البستاني في مصر لما حدث الانقلاب العثماني سنة 1908م، فأعاد عبد الحميد العمل بالدستور، وانتخب البستاني مع رضا الصلح نائبين عن بيروت في مجلس المبعوثان العثماني. وعيّن بعد ذلك عضواً في مجلس الأعيان. وفي سنة 1913 عيّن سليمان البستاني وزيراً للتجارة والزراعة والغابات والمعادن. ولما اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى ترك الوزارة وذهب ليعيش في سويسرا. لكن سنواته الأخيرة في هذا البلد كانت صعبة، إذ اصيب بمرض عضال ونقل إلى مصر، وهنا انتكست صحته واصيب في عينيه بألم شديد. نقل إلى نيويورك لإجراء عملية في عينيه ولكن جسمه لم يتحمل المرض والجهد فمات هناك.

ترك سليمان البستاني آثاراً أدبية وبحوثاً تاريخية متعددة الأنواع والأصناف. وقد أسهم في المجلدات الثلاثة الأخيرة من دائرة المعارف التي ظهرت على التوالي في السنوات 1987 و1898 و 1900. وكان آخر مجلد ظهر منها الحادي عشر، وتوقف العمل فيها بعد ذلك.

كتب “عبرة وذكرى” أو الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده. وهو مجموعة مقالات كان قد نشرها في مناسبات مختلفة جمعها بعد سنة 1908. لكن العمل الأدبي الكبير الذي يخلد ذكر سليمان البستاني هو ترجمته للإلياذة للشاعر اليوناني هوميروس إلى العربية، شعراً. عمل في هذه الترجمة 16 سنة ونشرت في القاهرة سنة 1904 في 1260 صفحة تشمل مقدمة من وضع المترجم جاءت في 200 صفحة تناول فيها هوميروس وشعره وآداب اليونان والعرب وقصة ترجمته للإلياذة والأسس التي اتبعها. وبعد الترجمة نفسها يأتي معجم عام وفهارس. ويرى الكثيرون من العاملين في الأدب الحديث أن هذه المقدمة من خير ما كتب في الموضوع وأنها وحدها كافية لتخليد اسم سليمان البستاني.

قد يكون من المستحسن أن نلخص رأي سليمان البستاني في الأسباب التي منعت العرب من ترجمة الإلياذة شعراً. فالسبب الأول في نظره أن العرب لم يكادوا يخرجون من بلادهم “حتى ملكوا الأمصار وانتشروا في سائر الأقطار وأسسوا الممالك الكبار” وبدت لهم الحاجة إلى استخراج كتب العلم، فعنوا بالطب وعلم المنطق. ويبدو أن السبب الثاني هو أن العرب لم يكونوا يرون أنه من الممكن أن يوجد “شعر أعجمي يجاري قصائدهم بلاغة وانسجاماً ودقة وإحكاماً”.

ويذكرنا سليمان البستاني، وهذا هو السبب الثالث، بأن المترجمين والمعربين الذين كانوا يعملون في العصور الآولى في كنف الخلفاء “لم يكونوا عرباً، وإن تفقهوا بالعربية على أساتذتهم، فلم يكن يسهل عليهم نظم الشعر العربي. يضاف إلى هذا كله سبب رابع هو “أن شعراء العرب أنفسهم لم يكونوا يحسنون فهم اليونانية، فلم يكن بينهم من يصلح لتلك المهمة”.

حريّ بنا أن نتذكر أن سليمان البستاني كان ينقل الملحمة اليونانية إلى العربية شعراً. فهو لم يكن يؤمن بأن نقل الملحمة إلى العربية نثراً عمل أدبي صحيح، ولو أنه واقعي في بعض الحالات. فالشاهنامة للفردوس نقلت نثراً إلى العربية لكنها لم ترج على أنها أدب بل استعملت على أنها مصدر تاريخي أسطوري.

حافظ البستاني في ترجمته على الأصل لفظاً ومعناً وروحاً، فلم يختصر ولم يقصر ولم يحذف. وقد تعلم اليونانية كي يتمكن من الغوص على المعاني الأصلية. فسليمان البستاني لم ينقل الإلياذة عن لغة أجنبية أخرى، وإن كان قرأ الكثير عن الترجمات الإنكليزية والفرنسية.

نظر إلى بحور الشعر العربي وقابل ذلك بأبواب الشعر ومحتوياته فلجأ إلى التنويع في استعمال هذه البحور في الترجمة، بقطع النظر عن المطابقة بين الشعر في العربية وما قد يقابله باليونانية. وهكذا جاءت محاولته فريدة في الاختيار والاستعمال. فالطويل يتسع للفخر والحماسة والتشابيه والاستعارات وسرد الحوادث، والبسيط يفوق الأول رقة وجزالة، والكامل يصلح لكل نوع من الشعر وهكذا دواليك. والإلياذة حمّالة معان وأحداث وتشابيه ورقة وجزالة، فكانت البحور المتنوعة أوعية جيدة للمعاني المتنوعة. وقد أجاد البستاني الاستعمال والاختيار.