زينب فواز

زينب فواز
1914-1844م

لم يقتصر العمل العلمي أو الفكري أو الأدبي في القرن الماضي على الرجال بل أسهمت فيه النساء. حقاً إن المرأة دخلته متأخرة، وهذا طبيعي في مجتمع كان متأخراً، ولكن ما كاد الانطلاق يبدأ ويفتح المجال أمام النساء، حتى قامت منهن الكثيرات فكتبن وخطبن وعملن في حقل التعليم والتحرير.

من الرائدات زينب فواز، التي ولدت في تبنين في جنوب لبنان. وكانت تبنين مركز حكم المشايخ من آل علي الصغير، وهو قلعة ترجع في تاريخها إلى العصر الصليبي. وكان أبو زينب فقيراً، فدخلت زينب في خدمة الشيخ العاملي علي الأسعد. وكانت زوجة الشيخ، السيدة فاطمة، تحب العلم والأدب وتجيد قول الشعر، ورأت في زينب ذكاء فاختصتها بنفسها وشملتها بعطفها وجعلت منها تلميذة لها. فكانت هذه الفرصة فاتحة لحياة مفعمة بالنشاط إذ تذوقت زينب معنى المعرفة، فاستمرت على ذلك فيما بعد. وهاجرت زينب بعد ذلك إلى الإسكندرية، ثم إلى دمشق ثم إلى القاهرة وكانت في كل حال ومكان متعلمة متأدبة أديبة كاتبة.

سلكت ثقافة زينب فواز خطاً تصاعدياً نامياً. فلقد بدأت متعلمة بحدود في لبنان، وانطلقت في الأدب في الإسكندرية، متعمقة في درسه، وأخذت بالفقه وعلوم الدين، ونهلت من ينابيع التاريخ بأسفاره المراجع، وألمت بكل علم بدر في عصرها ووسطها، حتى بالنجوم والفلك. وهكذا تكونت لديها ثقافة نامية ومتزايدة، فأنتجت في مجالات شتى أطيب الثمار. كتبت في الإصلاح الاجتماعي بوجوهه المتعددة، وفي التاريخ والأدب والشعر، وكانت في ميدان الصحافة محررة قديرة لا تجاريها البارعات في حاضرنا. وكان لها من الآراء النيرة في المجالات النسائية التي تعتبر فيها إحدى السباقات الناجحات.

فما هي منزلة زينب فواز في عالم الفكر والأدب. يخيل إلينا أن أول ما يجب أن نذكره عنها هو أنها نادت بالإصلاح الاجتماعي. فنقدت الأوضاع القائمة في أيامها، ودعت إلى تحرير المرأة. ولنصغ إليها تتحدث عن تحرير المرأة بقولها: “ما من أمة انبعثت فيها أشعة التمدن في أي زمان إلا وكان للنساء فيه اليد الطولى والفضل الأعظم، كما لا يخفى على من اطلع على تواريخ المصريين واليونان القدماء. فكل هذه الأمم تعتبر النساء كعضو لا يتم العمل إلا بمساعدته. فكيف تأملون النجاح لأولادكم والراح لأرواحكم وأنتم تتقلبون على فراش الهمجية والجهل. إن الطفل الذي يشب في حجر امرأة جاهلة، أخذ عنها ما درسته عن أمها من الحسد والشحناء والبغض والتعصب العائلي، يكون عضواً أشل في المجتمع”.

كانت زينب فواز تراقب الحركة النسائية في اوروبة وأميركا وتتصل بالمشرفات عليها وتراسل بعضهن وتتابع ناقدي تحرير المرأة في الصحف العربية، وترد عليهم وتنشر المقالات في الصحف المختلفة مثل وادي النيل والمؤيد ولسان الحال البيروتية. وهذه المقالات كلها جمعت في كتاب اسمه “الرسائل الزينبية”.

على أن زينب فواز وضعت كتاباً اسمه “الدر المنثور في طبقات ربات الخدور”، نشر في مصر سنة 1894.

حصلت زينب على مادة كتابها من نحو أربعين مجلداً ضخماً من كتب التاريخ بالإضافة إلى ما جمعته من المجلات العلمية والجرائد الدورية، وما التقطته من مقالات لبنات عصرها اللاتي تزيين أحسن التربية، وتعلمن في المدارس العالية، وصار لهن شهرة في هذا العالم الإنساني. ورغبة منها في أن تدلل على ذلك نقلت في مطلع كتابها بضع مقالات لمعاصراتها من الأديبات اللواتي دعون إلى تحرير المرأة مثل السيدة سارة نوفل وهنا كوراني ومريم الخالد.

والكتاب المذكور فيه تراجم لما يزيد عن خمسمئة سيدة. ولم تقتصر زينب في كتابها على تراجم للسيدات العربيات بل تناولت عشرات من الأوروبيات. فنحن نقرأ مثلاً ترجمة للملكة فكتوريا واستير ستانهوب ومدام دي بمبادرو وغيرهن.

على أن زينب فواز لم تكتف “بالدر المنثور” و”الرسائل الزينبية” بل كتبت قصصاً لها إطار تاريخي منها رواية “الملك قورش” التي حاولت أن تبين فيها الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة في حياة دولة ومملكة. ومنها “حسن العواقب” التي كان إطارها جبل عامل وعشائره، ومنها “الجوهر النضيد”.

تزوجت زينب أكثر من مرة، لكنها لم ترزق البنين، ولعلها عوضت عن ذلك بهذا التراث الأدبي الضخم.