جعفر البرمكي

 

جعفر البرمكي
توفي 187 هـ

هو أبو الفضل جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك بن جامامش بن بشتاسف البرمكي وزير هارون الرشيد وحامل خاتم السلطة. كان أبوه قد أرسله إلى القاضي أبو يوسف لتعليمه وتفقيهه. اشتهر بمكانته من هارون الرشيد وعلو قدره ونفاذ كلمته. عرف بجوده وسخاؤه وبذل إلى جانب سامحة الخلق طلاقة الوجه. وكان من ذوي الفصاحة والمشهورين باللسن والبلاغة.

وعند تراجع نفوذ البرامكة بعد وفاة الخيزران والدة هارون الرشيد، أصدر الرشيد بعد فترة وجيزة من رحيل الخيزران أمرا يقضي بإعفاء جعفر البرمكي من حمل خاتم السلطة، وموجها بذلك أول ضربة إلى عائلة البرامكة للحد من نفوذها.

ورد في “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

” أبو الفضل جعفر بن يحيى بن خال بن برمك بن جاماس بن يشتاسف البرمكي وزير هارون الرشيد؛ كان من علو القدر ونفاذ الأمر وبعد الهمة وعظم المحل وجلالة المنزلة عند هارون الرشيد بحالة انفرد بها، ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق طلق الوجه ظاهر البشر، وأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر، وكان من ذوي الفصاحة والمشهورين باللسن والبلاغة، ويقال: إنه وقع ليلة بحضرة هارون الرشيد زيادة على ألف توقيع، ولم يخرج في شيء منها عن موجب الفقه، وكان أبوه ضمه إلى القاضي أبي يوسف الحنفي حتى علمه وفقهه، وذكره ابن القادسي في كتاب أخبار الوزراء.

واعتذر رجل إليه فقال له جعفر: قد أغناك الله بالعذر منا عن الاعتذار إلينا، وأغنانا بالمودة لك عن سوء الظن بك؛ ووقع إلى بعض عماله وقد شكي منه: قد كثر شاكوك وقل شاكروك، فإما اعتدلت وإما اعتزلت.

ومما ينسب إليه من الفطنة أنه بلغه أن الرشيد مغموم لأن منجماً يهودياً زعم أنه يموت في تلك السنة، يعني الرشيد، وأن اليهودي في يده، فركب جعفر إلى الرشيد فرآه شديد الغم، فقال لليهودي: أنت تزعم أن أمير المؤمنين يموت إلى كذا وكذا يوماً؟ قال: نعم، قال: وأنت كم عمرك؟ قال: كذا وكذا، أمداً طويلاً، فقال الرشيد: اقتله حتى تعلم أنه كذب في أمدك كما كذب في أمده، فقتله وذهب ما كان بالرشيد من الغم، وشكره على ذلك، وأمر بصلب اليهودي، فقال أشجع السلمي في ذلك:

سل الراكب الموفي على الجذع هل رأى

 

لراكبـه نـجـمـاً بـدا غـير أعـور

ولو كان نجم مـخـبـراً عـن مـنـيةٍ

 

لأخبـره عـن رأسـه الـمـتـحـير

يعـرفـنـا مـوت الإمـام كـأنـــه

 

يعرفنا أنـبـاء كـسـرى وقـيصـر

أتخبر عن نحـسٍ لـغـيرك شـؤمـه

 

ونجمك بادي الشر يا شـر مـخـبـر

 

ومضى دم المنجم هدراً بحمقه.

وكان جعفر من الكرم وسعة العطايا كما هو مشهور، ويقال: إنه لما حج اجتاز في طريقه بالعقيق، وكانت سنة مجدبة، فاعرضته امرأة من بني كلاب وأنشدته:

إني مررت على العقيق وأهله

 

يشكون من مطر الربيع نزورا

ما ضرهم إذا جعفر جار لهـم

 

أن لا يكون ربيعهم ممطـورا

فأجزل لها العطاء.

قلت: والبيت الثاني مأخوذ من قول الضاحك بن عقيل الخفاجي من جملة أبيات:

ولو جاورتنا العام سمراء لم نبل

 

على جدبنا أن لا يصوب ربيع

لله دره، فما أحلى هذه الحشوة وهي قوله على جدبنا، وأهل البيان يسمون هذا النوع حشو اللوزينج. وحكى ابن الصابىء في كتاب الأماثل والأعيان عن إسحاق النديم الموصلي عن إبراهيم بن المهدي قال: خلا جعفر بن يحيى يوماً في داره، وحضر ندماؤه وكنت فيهم، فلبس الحرير وتضمخ بالخلوق وفعل بنا مثله، وأمر بأن يحجب عنه كل أحد إلا عبد الملك بن يحران قهرمانه، فسمع الحاجب عبد الملك دون ابن بحران، وعرف عبد الملك بن صالح الهاشمي مقام جعفر ابن يحيى في داره، فركب إليه، فأرسل الحاجب أن قد حضر عبد الملك فقال: أدخله، وعنده أنه ابن بحران، فما راعتنا إلا دخول عبد الملك بن صالح في سواده ورصافيته، فأربد وجه جعفر، وكان ابن صالح لا يشرب النبيذ، وكان الرشيد دعاه إليه فامتنع، فلما رأى عبد الملكحالة جعفر دعا غلامه فناوله سواده وقلنسوته ووافى باب المجلس الذي كنا فيه، وسلم وقال: أشركونا في أمركم، وافعلوا بنا فعلكم بأنفسكم، فجاءه خادم فألبسه حريرة واستدعى بطعام فأكل وبنبيذ فأتي برطل منه فشربه ثم قال لجعفر: والله ما شربته قبل اليوم، فليخفف عني، فأمر أن يجعل بين يديه باطية يشرب منها ما يشاء. وتضمخ بالخلوق ونادمنا أحسن منادمة، وكان كلما فعل شيئاً من هذا سري عن جعفر، فلما أراد الانصراف قال له جعفر: اذكر حوائجك فإني ما أستطيع مقابلة ما كان منك، قال: إن في قلب أمير المؤمنين موجودة علي فتخرجها من قلبه وتعيد إلى جميل رأيه في، قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين وزال ما عنده منك، فقال: وعلي أربعة آلاف ألف درهم ديناً، قال: تقضى عنك، وإنها لحاضرة، ولكن كونها من أمير المؤمنين أشرف بك وأدل على حسن ما عنده لك، قال: وإبراهيم ابني أحب أن أرفع قدره بصهر من ولد الخلافة، قال: قد زوجه أمير المؤمنين العالية ابنته، قال: وأوثر التنبيه على موضعه برفع لواء على رأسه، قال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر، وخرج عبد الملك ونحن متعجبون من قول جعفر وإقدامه على مثله من غير استئذان فيه، وركبنا من الغد إلى باب الرشيد، ودخل جعفر وقفنا، فما كان بأسرع من أن دعي بأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد الملك، ولم يكن بأسرع من خروج إبراهيم والخلع عليه واللواء بين يديه وقد عقد له على العالية بنت الرشيد وحملت إليه ومعها المال إلى منزل عبد الملك بن صالح، خرج جعفر فتقدم إلينا باتباعه إلى منزله، وصرنا معه، فقال: أظن قلوبكم تعلقت بأول أمر عبد الملك فأحببتم على آخره، قلنا: هو كذلك، قال: وقفت بين يدي أمير المؤمنين وعرفته ما كان من أمر عبد الملك من ابتدائه إلى انتهائه، وهو يقول: أحسن أحسن، ثم قال: فما صنعت معه؟ فعرفته ما كان من قولي له، فاستصوبه وأمضاه، وكان ما رأيتم، ثم قال إبراهيم بن المهدي: فو الله ما أدري أيهم أعجب فعلاً: عبد الملك في شربه النبيذ ولباسه ماليس من لبسه وكان رجلاً ذا جد وتعفف ووقار وناموس، أو إقدام جعفر على الرشيد بما أقدم، أو إمضاء الرشيد ما حكم به جعفر عليه.

وحكي أنه كان عنده أبو عبيد الثقفي فقصدته خنفساء، فأمر جعفر بإزلتها، فقال أبو عبيد: دعوها عسى يأتين بقصدها لي خير، فإنهم يزعمون ذلك، فأمر له جعفر بألف دينار وقال: نحقق زعمهم، وأمر بتنحيتها، ثم قصدته ثانياً فأمر له بألف دينار أخرى.
وحكي ابن القادسي في أخبار الوزراء أن جعفراً اشترى جارية بأربعين ألف دينار، فقالت لبائعها: اذكر ما عاهدتني عليه أنك لا تأكل لي ثمناً فبكى مولاها وقال: اشهدوا أنها حرة وقد تزوجتها، فوهب له جعفر المال ولم يأخذ منه شيئاً، وأخبار كرمه كثيرة، وكان أبلغ أهل بيته.

 وأول من وزر من آل برمك خالد بن برمك لأبي العباس عبد الله السفاح بعد قتل أبي سلمة حفص الخلال – كما سيأتي في ترجمته في حرف الحاء إن شاء الله تعالى – ولم يزل خالد على وزارته حتى توفي السفاح يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، وتولي أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور الخلافة في اليوم المذكور، فأقر خالداً على وزارته، فبقي سنة وشهوراً،. وكان أبو أيوب المرياني قد غلب على المنصور فاحتال على خالد بأن ذكر للمنصور تغلب الأكراد على فارس، وأن لا يكفيه أمرها سوى خالد فندبه إليها، فلما بعد خالد عن الحضرة استبد أبو أيوب بالأمر. وكانت وفاة خالد سنة ثلاث وستين ومائة، ذكره ابن القادسي، وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق: ولد خالد في سنة تسعين للهجرة، وتوفي سنة خمس وستين ومائة، والله أعلم.

وكان جعفر متمكناً عند الرشيد، غالباً على أمره، واصلاً منه، وبلغ من علو المرتبة عنده ما لم يبلغه سواه، حتى إن الرشيد اتخذ ثوباً له زيقان، فكان يلبسه هو وجعفر جملة، ولم يكن للرشيد صبر عنه، وكان الرشيد أيضاً شديد المحبة لأخته ابنة المهدي، وهي من أعز النساء عليه، ولا يقدر على مفارقتها، فكان متى غاب أحد من جعفر والعباسة لا يتم له سرور، فقال: يا جعفر، إنه لا يتم لي سرور إلا بك وبالعباسة، وإني سأزوجها منك ليحل لكما أن تجتمعا، ولكن إياكما أن تجتمعا وأنا دونكما، فتزوجها على هذا الشرط.

ثم تغير الرشيد عليه وعلى البرامكة كلهم آخر الأمر ونكبهم وقتل جعفراً واعتقل أخاه الفضل وأباه يحيى إلى أن ماتا – كما سيأتي في ترجمتها إن شاء الله تعالى -.

وقد اختلف أهل التاريخ في سبب تغير الرشيد عليهم: فمنهم من ذهب إلى أن الرشيد لما زوج أخته العباسة من جعفر على الشرط المذكور بقيا مدة على تلك الحالة، ثم اتفق أن أحبت العباسة جعفراً وراودته، فأبى وخاف، فلما أعيتها الحيلة عدلت إلى الخديعة فبعثت إلى عتابة أم جعفر أن أرسليني إلى جعفر كأني جارية من جواريك اللاتي ترسلين إليه، وكانت أمه ترسل إليه كل يوم جمعة جارية بكر عذراء، وكان لا يطأ الجارية حتى يأخذ شيئاً من النبيذ، فأبت عليها أم جعفر، فقالت: لئن لم تفعلي لأذكرن لأخي خاطبتني بكيت وكيت، ولئن اشتملت من ابنك على ولد ليكونن لكم الشرف، وما عسى أخي يفعل لو علم أمرنا؟ فأجابتها أم جعفر وجعلت تعد ابنها أن ستهدي إليه جارية عندها حسناء من هيئتها ومن صفتها كيت وكيت، وهو يطالبها بالعدة المرة بعد المرة، فلما علمت أنه قد اشتاق إليها أرسلت إلى العباسة أن تهيئي الليلة، ففعلت العباسة وأدخلت على جعفر، وكان لم يتثبت صورتها لأنه لم يكن يراها إلا عند الرشيد، وكان لا يرفع طرفه إليها مخافة، فلما قضى منها وطره قالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ فقال: وأي بنت ملك أنت؟ فقالت: أنا مولاتك العباسة، فطار السكر من رأسه، وذهب إلى أمه فقال: يا أماه بعتني والله رخيصاً، واشتملت العباسة منه على ولد، ولما ولدته وكلت به غلاماً اسمه رياش، وحاضنة يقال لها برة، ولما خافت ظهور الأمر بعثتهم إلى مكة.

وكان يحيى بن خالد ينظر إلى قصر الرشيد وحرمه، ويغلق أبواب القصر وينصرف بالمفاتيح معه، حتى ضيق على حرم الرشيد، فشكته زبيدة إلى الرشيد، فقال له: با أبت – وكان يدعوه كذلك – ما لزبيدة تشكوك؟ فقال: أمتهم أنا في حرمك يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، قال: فلا تقبل قولها في، وازداد يحيى عليها غلظة وتشديداً، فقالت زبيدة للرشيد مرة أخرى في شكوى يحيى، فقال الرشيد لها: يحيى عندى غير متهم في حرمي، فقالت: فلم لم يحفظ ابنه مما ارتكبه؟ قال: وما هو؟ فخبرته بخبر العباسة، قال: وهل على هذا دليل؟ قالت: وأي دليل أدل من الولد؟ قال: وأين هو؟ قالت: كان هنا، فلما خافت ظهوره وجهت به إلى مكة، قال: وعلم بذا سواك؟ قالت: ليس بالقصر جارية إلا وعلمت به، فسكت عنها، وأظهر إرادة الحج، فخرج له ومعه جعفر، فكتبت العباسة إلى الخادم والداية بالخروج بالصبي إلى اليمن، ووصل الرشيد مكة، فوكل من يثق به بالبحث عن أمر الصبي حتى وجده صحيحاً، فأضمر السوء للبرامكة.

ذكره ابن بدررون في شرح قصيدة ابن عبدون التي رثى بها بني الأفطس والتي أولها:

الدهر يفجع بعد العين بـالأثـر

 

فما البكاء على الأشباح والصور

أورده عند شرحه لقول ابن عبدون من جملة هذه القصيدة:

وأشرقت جعفراً والفضل يرمقـه

 

والشيخ يحيى يريق الصارم الذكر

ولأبي نواس أبيات تدل على طرف من الواقعة التي ذكرها ابن بدرون، والأبيات:

ألا قل لأمـين الـل

 

ه وابن القادة الساسه

إذا ما ناكـث سـر

 

ك أن تفقده راسـه

فلا تقتله بالـسـيف

 

وزوجه بعبـاسـه

وذكر غيره أن الرشيد سلم إليه أبا جعفر يحيى بن عبد الله بن الحسين الخارج عليه، وحبسه عنده، فدعا به يحيى إليه وقال له: أتق الله يا جعفر في أمري، ولا تتعرض أن يكون خصمك جدي محمد صلى الله عليه وسلم، فو الله ما أحدثت حدثاً، فرق له جعفر وقال: اذهب حيث شئت من البلاد، فقال: إني أخاف أن أوخذ فأرد، فبعث معه من أوصله إلى مأمنه، وبلغ الخبر الرشيد فدعا به وطاوله الحديث وقال: يا جعفر، ما فعل يحيى؟ قال: بحاله، قال: بحياتي، فوجم وأحجم وقال: لا وحياتك، أطلقته حيث علمت أن لا سوء عنده، فقال: نعم الفعل، وما عدوت ما في نفسي، فلما نهض جعفر أتبعه بصره وقال: قتلني الله إن لم أقتلك.

وقيل: سئل سعيد بن سالم عن جناية البرامكة الموجبه لغضب الرشيد فقال: والله ما كان منهم ما يوجب بعض علم الرشيد بهم، ولكن طالت أيامهم وكل طويل مملول، والله لقد استطال الناس الذين هم خير الناس أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وما رأوا مثلها عدلاً وأمنا وسعة أموال وفتوح، وأيام عثمان رضى الله عنه حتى قتلوهما، ورأى الرشيد مع ذلك أنس النعمة بهم، وكثرة حمد الناس لهم، ورميهم بآمالهم دونه، والملوك تتنافس بأقل من هذا، فتعنت عليهم، وتجنى وطلب مساويهم، ووقع منهم بعض الإدلال، خاصة جعفر والفضل، دون يحيى، فإنه كان أحكم خبرة وأكثر ممارسة للأمور، ولاذ من أعدائهم بالرشيد، كالفضل بن الربيع وغيره، فستروا المحاسن وأظهروا القبائح، حتى كان ما كان، وكان الرشيد بعد ذلك إذا ذكروا عنده بسوء أنشد يقول:

أقلوا عـلـيهـم لا أبـا لأبـيكـم

 

من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

وقيل: السبب أنه رفعت إلى الرشيد قصة لم يعرف رافعها فيها:

قل لأمين الله فـي أرضـه

 

ومن إليه الحل والـعـقـد

هذا ابن يحيى قد غدا مالكـاً

 

مثلك، ما بينـكـمـا حـد

أمرك مـردود إلـى أمـره

 

وأمـره لـيس لـــه رد

وقد بنى الدار التي ما بنى ال

 

فرس لها مثلاً ولا الهـنـد

الدر والياقوت حصبـاؤهـا

 

وتربها العنـبـر والـنـد

ونحن نخـشـى أنـه وارث

 

ملكك إن غيبك الـلـحـد

ولن يباهي العبـد أربـابـه

 

إلا إذا ما بطـر الـعـبـد

فلما وقف الرشيد عليها أضمر له السوء. وكان من الأسباب أيضاً ما تعده العامة سيئاً، وهو أقوى الأسباب، ما سمع من يحيى بن خالد وهو يقول، وقد تعلق بأستار الكعبة في حجته: اللهم إن ذنوبي جمة عظيمة لا يحصيها غيرك، اللهم إن كنت تعاقبني لذلك فاجعل عقوبتي في الدنيا وإن احاط ذلك بسمعي وبصري ومالي وولدي حتى تبلغ رضاك، ولا تجعل عقوبتي في الآخرة، فاستجاب له. وقد رثتهم الشعراء بمرات كثيرة وذكرت أيامهم، فما استحسن من مراثيهم قول اشجع السلمي من أبيات:

كأن أيامهم من حسن بهجتهـا

 

مواسم الحج والأعياد والجمع.

وحكي ابن بدرون أن عليه بنت المهدي قالت للرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة: يا سيدي، ما رأيت لك يوم سرور تام منذ قتلت جعفراً، فلأي شيئ قتلته؟ فقال لها: يا حياتي لو علمت أن قميصي يعلم السبب في ذلك لمزقته.

وكان تقل الرشيد لجعفر بموضع يقال له العمر، من أعمال الأنبار، في يوم السبت سلخ المحرم – وقيل: مستهل صفر – سنة سبع وثمانين ومائة. وذكر الطبري في تارخه أن الرشيد لما حج سنة ست وثمانين ومائة، ومعه البرامكة، وقفل راجها من مكة وافق الحيرة في المحرم سنة سبع وثمانين ومائة فأقام في قصر عون العبادي أياما، ثم شخص في السفن حتى نزل العمر الذي بناحية الأنبار، فلما كان ليلة السبت سلخ المحرم أرسل أبا هاشم مسروراًالخادم وعه أبو عصمة حماد بن سالم في جماعة من الجند فأطافوا بجعفر، ودخل عليه سمرور وعنده ابن بختيشوع الطبيب وأبو زكا المغني الأعمى الكلواذاني وهو في لهوه، فاخرجه إخراجا عنيفاً يقوده، حتى أتى به منزل الرشيد فحبسه وقيده بقيد حمار، وأخبر الرشيد بمجيئه، فأمر الرشيد بضرب عنقه واستوفى حديثه هناك.

وقال الواقدي: نزل الرشيد العمر بناحية الأنبار في سنة سبع وثمانين منصرفاً من مكة، وغضب على البرامكة، وقتل جعفرا فيأول يوم من صفر، وصلبه على الجسر ببغداد، وجعل رأسه على الجسر وفي الجانب الآخر جسده. وقال غيره: صلبه على الجسر مستقبل الصراة، رحمه الله تعالى.

وقال السندي بن شاهك: كنت ليلة نائماً في غرفة الشرطة بالجانب الغربي، فرأيت في منامي جعفر بن يحيى واقفا بإزائي، وعليه ثوب مصبوغ بالعصفر، وهوينشد:

كأن لك يكن بين الحجون إلى الصفا

 

أنيس ولم يسمـر بـمـكة سـارم

بلى نحن كنا أهلـهـا فـأبـادنـا

 

صروف الليالي والجدود العواثـر

فانتبهت فزعاً، وقصصتها على أحد خواصي فقال: أضغاث أحلام، وليس كل ما يراه الإنسان يجب أن يفسر، وعاودت مضجعي، فلم تنل عيني غمضاً حتى سمعت صيحة الرابطة والشرط وقعقعة لجم البريد ودق باب الغرفة، فامرت بفتحها، فصعد سلام الأبرش الخادم، وكان الرشيد يوجهه في المهمات، فانزعجت وأرعدت مفاصلي، وظننت أنه أمر في بأمر، فجلس إلى جانبي وأعطاني كتاباً ففضضته، وإذا فيه يا سندي، هذا كتابناً بخطنا مختوم بالخاتم الذي في يدنا، وموصله سلام الأبرش، فماذا قرأته فقبل أن تضعه من يدك فامض إلى دار يحيى بن خالد – لا حاطة الله – وسلام معك حتى تقبض عليه، وتوقره حديداً، وتحمله إلى الحبس في مدينة المنصور المعروف بحبس الزنادقة، وتقدم إلى بادام بن عبد الله خليفتك بالمصير إلى الفضل ابنه مع ركوبك إلى دار يحيى، وقبل انتشار الخبر، وأن تفعل به مثل ما تقدم به إليك في يحيى، وأن تحمله أيضاً إلى حبس الزنادقة، ثم بث بعد فراغك من أمر هذين أصحابك في القبض على أولاد يحيى وأولاد إخوته وقراباته. وسرد صورة الإيقاع بهم ابن بدرون أيضاً سرداً فيه فوائد زائدة على هذا المذكور، فأحببت إيراده مختصرا ههنا؛ قال عقيب كلامه المتقدم: ثم دعا السندي بن شاهك فأمره بالمضي إلى بغداد والتوكل بالبرامكة وكتابهم وقراباتهم، وأن يكون ذلك سراً، ففعل السندي ذلك، وكان الرشيد بالأنبار بموضع يقال له العمر، ومعه جعفر، وكان حعفر بمنزله، وقد دعا أبا زكار وجواريه ونصب الستائر وابو زكار يغنيه:

مايريد الـنــاس مـــنـــا

 

مات ينـام الـنـاس مـنـــا

إنما همهم أن يظهروا ما قد دفنا

 

 

ودعا الرشيد ياسراً غلامه وقال: قد انتخبتك لمر لم أر له محمداً ولا عبد الله ولا القاسم، فحقق ظني، واحذر أن تخالف فتهلك، فقال: لو أمرتني بقتل نفسي لفعلت، فقال: اذهب إلى جعفر بن يحيى وجئني برأسه الساعة، فوجم لا يحير جواباً، فقال له: مالك ويلك؟ قال: الأمر عظيم، وددت أني مت قبل وقتي هذا، فقال: امضى لأمري، فمضى حتى دخل على جعفر وأبو زكار يغنيه:

فلا تبعد فكل فتى سـيأتـي

 

عليه الموت يطرق أو يغادي

وكـل ذخـيرة لابـد يومـاً

 

وإن بقيت تصير إلى نـفـاد

ولو فوديت من حدث الليالـي

 

فديتك بالطريف وبالـتـلاد

 فقال له: يا ياسر، سررتني بإقبالك وسؤتني بدخولك من غير إذن، فقال: الأمر أكبر من ذلك، قد أمرني أمير المؤمنين بكذا وكذا، فأقبل جعفر يقبل قدمي ياسر وقال: دعني أدخل وأوصي، قال لا سبيل إلى الدخول، ولكن أوصى بما شئت، قال: لي عليك حق، ولا تقدر على مكافأتي إلا الساعة، قال: تجدني سريعاً إلا فيما يخالف أمير المؤمنين، قال: فارجع وأعلمه بقتلي، قإنندم كانت حياتي على يدك، وإلا أنفذت أمره في، قال: لا أقدر، قال: فأسير معك إلى مضربه وأسمع كلامه ومراجعتك، فإن أصر فعلت، قال: أما هذا فنعم، وسار الى مضرب الرشيد فلما سمع حسه قال له: ما وراءك؟ فذكر له قول جعفر، فقال له: يا ماص هن امه، والله لئن راجعتني للأ قدمنك قبله، فرجع فقتله وجاء برأسه، فلما وضعه بين يديه اقبل عليه ملياً ثم قال: ياياسر، جئني بفلان وفلان، فلما أتاه بهما قال لهما: اضربا عنق ياسر، فلا أقدر أرى قاتل جعفر؛ انتهى كلامه في هذا الفصل.

وذكر في كتابه قال: لما فهم جعفر من الرشيد الإعراض عند حجه معه ووصل إلى الحيرة ركب جعفر إلى كنيسة بها لأمر، فوجد فيها حجرا عليه كتابة لاتفهم، فأحضر تراجمة الخط وجعله فألا من الرشيد لما يخافه ويرجوه، فقرىء فإذا فيه:

إن بني المنذر عام انقضوا

 

بحيث شاد البيعة الراهـب

أضحوا ولا يرحوهم راغب

 

يوماً ولا يرهبهم راهـب

تنفخ بالمسـك ذفـاريهـم

 

والعنبر الورد له قاطـب

فأصبحوا أكلا لدود الثـرى

 

وانقطع المطلوب والطالب

فحزن جعفر وقال: ذهب والله أمرنا.

قال الأصمعي: وجه إلي الرشيد بعد قتله جعفراً، فجئت فقال: أبيات أردت أن تسمعها، فقلت: إذا شاء أمير المؤمنين، فأنشدني:

لو أن جعفر خاف أسباب الردى

 

لنجا به منها طمر مـلـجـم

ولكان من حذر المنية حـيث لا

 

يرجو اللحاق به العقاب القشعم

لكـنـه لـمـا أتـاه يومــه

 

لم يدفع الحدثان عنه منـجـم

 

فعلمت أنها له فقلت: إنها أحسن أبيات في معناها، فقال: إلحق الآن بأهلك يا ابن قريب إن شئت.

وحكي أن جعفراً في آخر أيامه أراد الركوب إلى دار الرشيد، فدعا بالاصطرلاب ليختار وقتاً وهو في داره على دجلة، فمر رجل في سفينة وهو لا يراه ولا يدري ما يصنع والرجل ينشد:

يدبر بالنجوم وليس يدري

 

ورب النجم يفعل ما يريد

فضرب بالاصطرلاب الأرض وركب.

ويحكى أنه رؤي على باب قصر علي بن عيسى بن ماهان بخراسان صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفر كتاب بقلم جليل:

إن المساكين بني برمك

 

صب عليهم غير الدهر

إن لنا في أمرهم عبرة

 

فليعتبر ساكن ذا القصر

ولما بلغ سفيان بن عيينة خبر جعفر وقتله وما نزل بالبرامكة حول وجهه إلى القبلة وقال: اللهم إنه كان قد كفاني مؤنة الدنيا فاكفه مؤنة الآخرة.

ولما قتل أكثر الشعراء في رثاء آله، فقال الرقاشي من أبيات:

هدأ الخالون من شجوي فناموا

 

وعيني لا يلائمهـا مـنـام

وما سهرت لأني مستـهـام

 

إذا أرق المحب المستـهـام

ولكن الحـوادث أرقـتـنـي

 

فلي سهرلا إذا هجد الـنـيام

أصبت بسادة كانوا نجـومـاً

 

بهم نسقى إذا انقطع الغمـام

على المعروف والدنيا جميعاً

 

لدولة آل برمـك الـسـلام

فلم أر قبل قتلك يا ابن يحـيى

 

حساما فله السيف الحـسـام

أما والله لـولا خـوف واش

 

وعين للخـلـيفة لا تـنـام

لطفنا حول جذعك واستلمنـا

 

كما للناس بالحجر اسـتـلام

وقال أيضاً يرثيه وأخاه الفضل:

الا إن سيفا برمكيا مهـنـدا

 

أصيب بسيف هاشمي مهند

فقل للعطايا بعد فضل تعطلي

 

وقل للرزايا كل يوم تجددي

وقال دعبل بن علي الخزاعي:

ولما رأيت السيف صبح جعفـرا

 

ونادى مناد للخليفة فـي يحـيى

بكيت على الدنيا وأيقنت أنـمـا

 

قصارى الفتى فيها مفارقة الدنيا

وما هـي إلا دولة بـعـد دولة

 

تخول ذا نعمى وتعقب ذا بلوى

إذا نزلت هـذا مـنـازل رفـعة

 

من الملك حطت ذا إلى غاية سفلى

وقال صالح بن طريف فيهم:

يا بني برمك واهاً لكـم

 

ولأيامكم المقتـبـلـه

كانت الدنيا عروساً بكم

 

وهي اليوم ثكول أرمله

ولولا خوف الإطالة لأوردت طرفاً كبيراً من أقوال الشعراء فيهم مديحاً ورثاء.

وقد طالت هذه الترجمة، ولكن شرح الحال وتوالى الكلام أحوج إليه.

ومن أعجب ما يؤرخ من تقلبات الدنيا بأهلها ما حكاه محمد بن غسان بن عبد الرحمن الهاشمي صاحب صلاة الكوفة، قال: دخلت علىوالدتي في يوم نحر، فوجدت عندها امرأة برزة في ثياب رثة، فقالت لي والدتي: أتعرف هذه؟ قلت: لا، قالت: هذه أم جعفر البرمكي، فأقبلت عليها بوجهي وأكرمتها، وتحادثنا ومانا ثم قلت: يا أمه، ما أعجب ما رأيت! فقالت: لقد أتى علي يا بني عيد مثل هذا وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وإني لأعد ابني عاقاً لي، ولقد أتى علي يا بني هذا العيد وما منأي إلا جلدا شاتين أفترش أحدهما وألتحف الآخر، قال: فدفعت إليها خمسمائة درهم، فكادت تموت فرحاً بها، ولم تزل تختلف إلينا حتى فرق الموت بيننا”.

وورد في “سير أعلام النبلاء” للذهبي:

” الوزير الملك أبو الفضل جعفر ابن الوزير الكبير أبي علي يحيى ابن الوزير خالد ابن برمك الفارسي. كان خالد من رجال العلم توصل إلى أعلى المراتب في دولة أبي جعفر ثم كان ابنه يحيى كامل السؤدد جليل المقدار بحيث إن المهدي ضم إليه ولده الرشيد فأحسن تربيته وأدبه فلما أفضت الخلافة إلى الرشيد رد إلى يحيى مقاليد الأمور ورفع محله وكان يخاطبه يا أبي فكان من أعظم الوزراء ونشأ له أولاد صاروا ملوكاً ولا سيما جعفر وما أدراك ما جعفر؟ له نبأ عجيب وشأن غريب بقي في الارتقاء في رتبة شرك الخليفة في أمواله ولذاته وتصرفه في الممالك ثم انقلب الدست في يوم فقتل وسجن أبوه وأخوته إلى الممات فما أجهل من يغتر بالدنيا! وقال الأصمعي: سمعت يحيى بن خالد يقول: الدنيا دول والمال عارية ولنا بمن قبلنا أسوة وفينا لمن بعدنا عبرة.

قال إسحاق الموصلي: كانت صلة يحيى إذا ركب لمن سأله مئتي درهم أتيته وقد شكوت إليه ضيقاً فقال: ما أصنع بك ما عندي شيء ولكني قد جاءني خليفة صاحب مصر يسأل أن أستهدي صاحبه شيئاً فأبيت فألح وبلغني أن لك جارية بثلاثة آلاف دينار فهو ذا أستهديه إياها فلا تنقصها من ثلاثين ألف دينار شيئاً قال: فما شعرت إلا والرجل قد أتى فساومني بالجارية فبذل عشرين ألفاً فلنت فبعتها فلما أتيت يحيى عنفني ثم قال: وهذا خليفة صاحب فارس قد جاءني في نحو هذا فخذ جاريتك مني فإذا ساومك لا تنقصها من خمسين ألف دينار قال: فأتاني فبعتها بثلاثين ألفاً فلما صرت إلى يحيى قال: ألم نؤدبك؟ خذ جاريتك قلت: قد أفدت بها خمسين ألف دينار ثم تعود إلي؟ هي حرة وإني قد تزوجتها.

قيل: إن ولداً ليحيى قال له وهم في القيود: يا أبة بعد الأمر والنهي والأموال صرنا إلى هذا؟ قال: يا بني دعوة مظلوم غفلنا عنها لم يغفل الله عنها مات يحيى مسجوناً بالرقة سنة تسعين ومائة عن سبعين سنة.

فأما جعفر فكان من ملاح زمانه كان وسيماً أبيض جميلاً فصيحاً مفوهاً أديباً عذب العبارة حاتمي السخاء وكان لعاباً غارقاً في لذات دنياه ولي نيابة دمشق فقدمها في سنة ثمانين ومائة فكان يستخلف عليها ويلازم هارون وكان يقول: إذا أقبلت الدنيا عليك فأعط فإنها لا تفنى وإذا أدبرت فأعط فإنها لا تبقى.

قال ابن جرير: هاجت العصبية بالشام وتفاقم الأمر فاغتم الرشيد فعقد لجعفر وقال: إما أن تخرج أو أخرج فسار فقتل فيهم وهذبهم ولم يدع لهم رمحاً ولا قوساً فهجم الأمر واستخلف على دمشق عيسى بن المعلى ورد.

قال الخطيب: كان جعفر عند الرشيد بحالة لم يشاركه فيها أحد وجوده أشهر من أن يذكر وكان من ذوي اللسن والبلاغة يقال: إنه وقع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع ونظر في جميعها فلم يخرج شيئاً منها عن موجب الفقه كان أبوه قد ضمه إلى القاضي أبي يوسف حتى فقه.

وعن ثمامة بن أشرس قال: ما رأيت أبلغ من جعفر البرمكي والمأمون.

قيل: اعتذر إلى جعفر رجل فقال: قد أغناك الله بالعذر منا عن الاعتذار إلينا وأغنانا بالمودة لك عن سوء الظن بك.

قال جحظة: حدثنا ميمون بن مهران حدثني الرشيدي حدثني مهذب حاجب العباس بن محمد يعني أخا المنصور أن العباس نالته إضاقة فأخرج سفطاً فيه جوهر بألف ألف فحمله إلى جعفر وقال أريد عليه خمس مائة ألف قال: نعم وأخذ السفط فلما رجع العباس إلى داره وجد السفط قد سبقه ومعه ألف ألف ودخل جعفر على الرشيد فخاطبه في العباس فأمر له بثلاث مائة ألف دينار.

وعن إبراهيم الموصلي قال: حج الرشيد وجعفر وأنا معهم فقال لي جعفر: انظر لي جارية لا مثل لها في الغناء والظرف قال: فأرشدت إلى جارية لم أر مثلها وغنت فأجادت فقال مولاها: لا أبيعها بأقل من أربعين ألف دينار قلت: قد أخذتها فأعجب بها جعفر فقالت الجارية: يا مولاي في أي شيء أنت؟ قال: قد عرفت ما كنا فيه من النعمة فأردت أن تصيري إلى هذا الملك فتسعدي قالت: لو ملكت منك ما ملكت مني ما بعتك بالدنيا فاذكر العهد وقد كان حلف أن لا يأكل لها ثمناً فتغرغرت عيناه وقال لجعفر: اشهدوا أنها حرة وأني قد تزوجتها وأمهرتها داري فقال جعفر: انهض بنا فدعوت الحمالين لنقل الذهب فقال جعفر: والله لا صحبنا منه درهم وقال لمولاها: أنفقه عليكما.

قيل: كان في خزائن جعفر دنانير زنة الواحد مائة مثقال كان يرمي بها إلى أصطحة الناس سكته. وأصفر من ضرب دار الملوك يلوح على وجهه جعفر

يزيد على مـائة واحـداً

 

متى يعطه معسر يوسر

وقيل: بل الشعر لأبي العتاهية وكان على الدينار صورة جعفر.

قال صاحب الأغاني: أخبرنا عبد الله بن الربيع حدثني أحمد بن إسماعيل عن محمد بن جعفر قال: شهدت أبي يحدث جدي وأنا صغير قال: أخذ بيدي أمير المؤمنين فأقبل يخترق الحجر حتى انتهينا إلى حجرة ففتحها ودخلنا فأغلقها وقعدنا على باب ونقره فسمعت صوت عود فغنت امرأة فأجادت فطربت والله ثم غنت فرقصنا معاً وخرجنا فقال لي: أتعرف هذه؟ قلت: لا قال: علية أختي والله لئن لفظت به لأقتلنك فقال له جدي: فقد لفظت به والله ليقتلنك وقيل: إن امرأة كلابية أنشدت جعفراً:

إني مررت على العقيق وأهله

 

يشكون من مطر الربيع نزوراً

ما ضرهم إذ مر فيهم جعفـر

 

أن لا يكون ربيعهم ممطـوراً

قد اختلف في سبب مصرع جعفر على أقوال: فقيل: إن جبريل ابن بختيشوع الطبيب قال: إني لقاعد عند الرشيد فدخل يحيى بن خالد وكان يدخل بلا إذن فسلم فرد الرشيد رداً ضعيفاً فوجم يحيى فقال هارون: يا جبريل يدخل عليك أحد بلا إذن؟ قلت: لا قال: فما بالنا؟ فوثب يحيى وقال: قدمني الله يا أمير المؤمنين قبلك والله ما هو إلا شيء خصصتني به والآن فتبت فاستحيى الرشيد وقال: ما أردت ما تكره ولكن الناس يقولون.

وقيل: إن ثمامة قال: أول ما أنكر يحيى بن خالد من أمره أن محمد ابن الليث رفع رسالة إلى الرشيد يعظه وفيها: إن يحيى لا يغني عنك من الله شيئاً فأوقف الرشيد يحيى على الرسالة وقال: أتعرف محمد بن الليث؟ قال: نعم هو منهم على الإسلام فسجنه فلما نكبت البرامكة أحضره وقال: أتحبني؟ قال: لا والله قال: أتقول هذا قال: نعم وضعت في رجلي القيد وحلت بيني وبين عيالي بلا ذنب سوى قول حاسد يكيد الإسلام وأهله ويحب الإلحاد وأهله فأطلقه وقال: أتحبني؟ قال: لا ولا أبغظك فأمر له بمائة ألف وقال: أتحبني؟ قال: نعم قال: انتقم الله ممن ظلمك فقال الناس في البرامكة وكثروا وقيل: إن يحيى دخل بعد على الرشيد فقال للغلمان: لا تقوموا له فاربد لون يحيى.

وقيل: بل سبب قتل جعفر أن الرشيد سلم له يحيى بن عبد الله بن حسن العلوي فرق له وأطلقه سراً فجاء رجل ينعته إلى الرشيد وأنه رآه بحلوان فأعطى الرجل مالاً وقيل: بل أنشأ جعفر داراً أنفق عليها عشرين ألف ألف درهم فأسرف.

وقيل: اعتمر يحيى بن خالد فتعلق بالأستار وقال: رب ذنوبي عظيمة فإن كنت معاقبي فاجعل عقوبتي في الدنيا وإن أحاط ذلك بسمعي وبصري ومالي وولدي حتى أبلغ رضاك فقدح الأمير ابن ماهان عند الرشيد في موسى بن يحيى بن خالد وأعلمه طاعة أهل خراسان له وأنه يكاتبهم فاستوحش الرشيد منه وركبه دين فاختفى من الغرماء فتوهم الرشيد أنه سار إلى خراسان ثم ظهر فسجنه فهذا أول نكبتهم فأتت أمه تلاطف الرشيد فقال: يضمنه أبوه فضمنه.

وغضب الرشيد أيضاً على الفضل بن يحيى لتركه الشرب معه وكان الفضل يقول: لو علمت أن شرب الماء ينقص مروءتي لتركته وكان مشغوفاً بالسماع وكان جعفر ينادم الرشيد ويأمره أبوه بالإقلال من ذلك فلا يسمع وقال يحيى: يا أمير المؤمنين أنا أكره مداخل جعفر معك فلو اقتصرت به على الإمرة دون العشرة قال: يا أبت ليس ذا بك بل تريد أن تقدم الفضل عليه.

ابن جرير: حدثنا أحمد بن زهير أظنه عن عمه زاهر بن حرب أن سبب هلاك البرامكة أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وأخته عباسة وكان يحضرهما مجلس الشراب فيقوم هو فقال: أزوجكها على أن لا تمسها قال: فكانا يثملان ويذهب الرشيد ويثب جعفر عليها فولدت منه غلاماً فوجهته إلى مكة فاختفى الأمر ثم ضربت جارية لها فوشت بها فلما حج الرشيد هم بقتل الطفل ثم تأثم من ذلك فلما وصل إلى الحيرة بعث إلى مسرور الخادم ومعه أبو عصمة وأجناد فأحاطوا بجعفر ليلاً فدخل عليه مسرور وهو في مجلس لهو فأخرجه بعنف وقيده بقيد حمار وأتى به فأمر الرشيد بقتله.

وعن مسرور قال: وقع على رجلي يقبلها وقال: دعني أدخل فأوصي قلت: لا سبيل إلى ذا فأوص بما شئت فأوصى وأعتق مماليكه ثم ذبحته بعد أن راجعت فيه الرشيد وجئته برأسه ووجه الرشيد جنداً إلى أبيه فأحاطوا به وبأولاده ومواليه وأخذت أموالهم وأملاكهم وبعثت جثة جعفر إلى بغداد فصلب ونودي: ألا لا أمان لمن آوى برمكياً وصلب الرشيد أنس بن أبي شيخ على الزندقة وكان مختصاً بالبرامكة. عن إبراهيم بن المهدي قال: خلا جعفر يوماً بندمائه وأنا فيهم وتضمخ بالطيب فجاءه عبد الملك بن صالح فدخل فاربد وجه جعفر فدعا عبد الملك غلامه فنزع سواده وقلنسوته وأتى مجلسنا فألبسوه حريراً وأطعم وشرب فقال: والله ما شربته قبل اليوم فأخف علي ونادم أحسن منادمة وسري عن جعفر وقال: أذكر حوائجك فإني لا أستطيع مقابلة ما كان منك قال: في قلب أمير المؤمنين علي موجدة فتخرجها قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين قال: وعلي أربعة آلاف ألف قال: قضي دينك قال: وابني إبراهيم أحب أن أزوجه قال: قد زوجه أمير المؤمنين بالعالية بنته قال: وأوثر أن يولى بلداً قال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر فخرج ونحن متعجبون من إقدام جعفر على هذه الأمور العظيمة من غير استئذان وركب إلى الرشيد فأمضى له الجميع.

قال ابن خلكان: بلغ من أمر جعفر أن الرشيد اتخذ له ثوباً له زيقان يلبسه هو وهو ولم يكن له عنه صبر وكانت عباسة أخت الرشيد أعز امرأة عليه فكان متى غابت أو غاب جعفر تنغص وقال لجعفر: سأزوجكها لمجرد النظر فاحذر أن تخلو بها فزوجه فقيل: إنها أحبته وراودته فأبى وأعيتها الحيلة فبعثت إلى والدة جعفر: أن ابعثيني إلى ابنك كأنني جارية لك تتحفينه بها فأبت فقالت: لئن لم تفعلي لأقولن عنك: إنك دعوتيني إلى هذا ولئن ولدت من ابنك ليكونن لكم الشرف فأجابتها قال: فاقتضها فقالت: كيف رأيت خديعة بنات الخلفاء فأنا مولاتك فطار السكر من رأسه وقام وقال لأمه: بعتيني والله رخيصاً وحبلت منه فلما ولدت وكلت بالولد خادماً ومرضعاً وبعثتهم إلى مكة ثم وشت بها زبيدة فحج وتحقق الأمر فأضمر السوء للبرامكة وأشار أبو نواس إلى ذلك فقال:

ألا قل لأمـين الـل

 

ه وابن القادة الساسه

إذا ما ناكـث سـر

 

ك أن تعدمه راسه

فلا تقتله بالـسـيف

 

وزوجه بعبـاسـه

وسئل سعيد بن سالم عن ذنب البرامكة فقال: ما كان منهم بعض ما يوجب ما فعل الرشيد لكن طالت أيامهم وكل طويل يمل وقيل: رفعت القصة إلى الرشيد فيها:

قل لأمين الله فـي أرضـه

 

ومن إليه الحل والـعـقـد

هذا ابن يحيى قد غدا مالكـاً

 

مثلك ما بـينـكـمـا حـد

أمرك مـردود إلـى أمـره

 

وأمـره مـا إن لــه رد

وقد بنى الدار التي ما بنى ال

 

فرس لها مثلاً ولا الهـنـد

الدر والياقوت حصبـاؤهـا

 

وتربها العنـبـر والـنـد

ونحن نخـشـى أنـه وارث

 

ملكك إن غيبك الـلـحـد

فقرأها وأثرت فيه.

وقيل: إن أخته قالت له: ما رأيت لك سروراً منذ قتلت جعفراً فلم قتلته؟ قال: لو علمت أن قميصي يعلم السبب لمزقته.

عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي خطيب الكوفة قال: دخلت على أمي يوم الأضحى وعندها عجوز في أثواب رثة فقالت: تعرف هذه؟ قلت: لا قالت: هذه والدة جعفر البرمكي فسلمت عليها ورحبت بها وقلت: حدثينا ببعض أمركم قالت: لقد هجم علي مثل هذا العيد وعلى رأسي أربع مائة جارية وأنا أزعم أن ابني عاق لي وقد أتيتكم يقنعني جلد شاتين أجعل أحدهما فراشاً لي قال: فأعطيتها خمس مائة درهم فكادت تموت فرحاً.

لم يزل يحيى وآله محبوسين وحالهم حسنة إلى أن سخط الرشيد على ابن عمه عبد الملك بن صالح فعمهم بسخطه وجدد لهم التهمة وضيق عليهم ودامت جثة جعفر معلقة مدة وعلقت أطرافه بأماكن ثم أحرقت وقيل: لم يحبس محمد بن يحيى. وفي تاريخ ابن خلكان: أن الرشيد دعا ياسراً غلامه فقال: قد انتخبتك لأمر لم أر له الأمين ولا المأمون فحقق ظني قال: لو أمرتني بقتل نفسي لفعلت قال: ائتني برأس جعفر فوجم لها قال: ويلك ما لك؟ قال: الأمر عظيم ليتني مت قبل هذا قال: امض ويلك فمضى فأتى جعفراً فقال: يا ياسر سررتني بإقبالك لكن سؤتني بدخولك بلا إذن قال: الأمر وراء ذلك يا جعفر قد أمرت بكذا قال المسكين وأقبل يقبل قدمه وقال: دعني أدخل وأوصي قال: لا سبيل إلى ذلك فأوص فقال: لي عليك حق فارجع إلى أمير المؤمنين وقل: قتلته فإن ندم كانت حياتي على يدك قال: لا أقدر قال: فآتي معك إلى مخيمه وأسمع كلامه وقولك له قال: أما هذا فنعم وذهب به فلما دخل ياسر قال: ما وراءك؟ فذكر له قول جعفر فشتمه وقال: لئن راجعتني لأقدمنك قبله فخرج وضرب عنقه وأتاه برأسه فقال: يا ياسر جئني بفلان وفلان فلما أتاه بهما قال: اضربا عنقه فإني لا أقدر أرى قاتل جعفر وقال أبو العتاهية:

قولا لمن يرتجي الحياة أمـا

 

في جعفر عـبـرة ويحـياه

كانا وزيري خليفة اللـه هـا

 

رون هما ما هـمـا وزيراه

فذالكم جعـفـر بـرمـتـه

 

في حالق رأسه ونصـفـاه

والشيخ يحيى الوزير أصبح قد

 

نحاه عن نفسـه وأقـصـاه

شتت بعد الجميع شمـلـهـم

 

فأصبحوا في البلاد قد تاهوا

كذاك من يسخط الإله بـمـا

 

يرضي به العبد يجزه الـلـه

سبحان من دانت الملوك لـه

 

نشهـد أن لا إلـه إلا هـو

طوبى لمن تاب قبل عثرتـه

 

فتاب قبل الممات طـوبـاه

 قال المحدث عبد الله بن روح المدائني: ولدت يوم قتل جعفر ابن يحيى وهو أول صفر سنة سبع وثمانين ومائة عاش سبعاً وثلاثين سنة ومات أخوه الفضل في سنة اثنتين وتسعين ومائة وكان أخاً للرشيد من الرضاعة وأمه بربرية وكان قد ولي إمرة خراسان وكان من نبلاء الرجال وكان أكرم وأجود من جعفر لكنه كان ذا تيه وكبر عظيم وصل مرة عمرو بن جميل التميمي بألف ألف درهم وعاش خمساً وأربعين سنة وله عدة أخوة”.