توران شاه

توران شاه
توفي 546 هـ

توران – بضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وبعدها راء ثم بعد الألف نون – وهو لفظ أعجمي، وشاه – بالشين المعجمة – هو الملك باللغة العجمية، ومعناه ملك المشرق، وإنما قيل للمشرق توران لأنه بلاد الترك، والعجم يسمون الترك تركان، ثم حرفوه فقالوا: توران، والله أعلم.

هو الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب فخر الدين، وهو أخو السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى، وكان أكبر منه؛ وكان السلطان يكثر الثناء عليه ويرجحه على نفسه، وبلغه أن باليمن إنساناً يسمى عبد النبي بن مهدي يزعم أنه ينتشر ملكه حتى يملك الأرض كلها، وكان قد ملك كثيراً من بلادها واستولى على حصونها وخطب لنفسه، وكان السلطان قد ثبتت قواعده وقوي عسكره، فجهز أخاه شمس الدولة المذكور بجيش اختاره، وتوجه إليها من الديار المصرية في أثناء رجب سنة تسع وستين وخمسمائة، فمضى إليها، وفتح الله على يديه، وقتل الخارجي الذي كان فيها، وملك معظمها، وأعطى وأغنى خلقاً كثيراً، وكان كريماً أريحياً، ثم إنه عاد من اليمن والسلطان على حصار حلب، فوصل إلى دمشق في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين، ولما رجع السلطان من الحصار وتوجه إلى الديار المصرية استخلفه بدمشق، فأقام بها مدة ثم انتقل إلى مصر.

وذكر ابن شداد في سيرة صلاح الدين أنه توفي يوم الخميس مستهل صفر، بثغر الاسكندرية المحروس، ونقلته أخته شقيقته ست الشام بنت أيوب إلى دمشق ودفنته في مدرستها التي أنشأتها بظاهر دمشق، فهناك قبره وقبرها وقبر ولدها حسام الدين عمر بن لاجين وقبر زوجها ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص، وكانت تزوجته بعد لاجين.

لما تمهدت بلاد اليمن لشمس الدولة واستقامت له أمورها كره المقام بها لكونه تربية بلاد الشام، وهي كثيرة الخير، واليمن بلاد مجدبة من ذلك كله، فكتب إلى أخيه صلاح الدين يستقبل منها ويسأله الإذن له في العودة إلى الشام، ويشكو حاله وما يقاسيه من عدم المرافق التي يحتاج إليها، فأرسل إليه صلاح الدين رسولاً مضمون رسالته ترغيبه في الإقامة وأنها كثيرة الأحوال ومملكة كبيرة، فلما سمع الرسالة قال لمتولي خزانته: أحضر لنا ألف دينار، فأحضرها، فقال لأستاذ داره والرسول حاضر عنده: أرسل هذا الكيس إلى السوق يشترون لنا بما فيه قطعة ثلج، فقال أستاذ الدار: يا مولانا، هذه بلاد اليمن من أين يكون فيها ثلج؟ فقال: دعهم يشترون بها طبق مشمش لوزير، فقال: من أين يوجد هذا النوع ههنا؟ فجعل يعدد عليه جميع أنواع فواكه دمشق وأستاذ الدار يظهر التعجب من كلامه، وكلما قال له عن نوع يقول له: يا مولانا من أين يوجد هذا ههنا؟ فلما استوفى الكلام إلى آخره قال للرسول: ليت شعري ماذا أصنع بهذه الأموال إذا لم أنتفع بها في ملاذي وشهواتي؟ فإن المال. لايؤكل بعينه، بل الفائدة فيه أن يتوصل به الانسان إلى بلوغ أغراضه. فعاد الرسول إلى صلاح الدين وأخبره بما جرى، فأذن له في المجيء.

وكان القاضي الفاضل يكتب إليه الرسائل الفائقة، ويودعها شرح الأشواق، فمن ذلك أبيات مشهورة ذكرها في ضمن كتاب، وهي:

لاتضجرن مما أتـيت فـإنـه

 

صدر لأسرار الصبابة ينفـث

أما فراقك واللـقـاء فـإن ذا

 

منه أموت وذاك منه أبعـث

حلف الزمان على تفرق شملنا

 

فمتى يرق لنا الزمان ويحنث؟

كم يلبث الجسم الذي ما نفسـه

 

فيه ولا أنفاسه كـم يلـبـث

حول المضاجع كتبكم فكأننـي

 

ملسوعكم وهي الرقاة النفـث

ولما وصل إلى دمشق ناب عن أخيه صلاح الدين بها لما عاد صلاح الدين إلى الديار المصرية، ثم انتقل إلى الديار المصرية في سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وكان أخوه صلاح الدين قد سيره في سنة ثمان وستين وخمسمائة إلى بلاد النوبة ليفتحها قبل سفره إلى اليمن، فلما وصل إليها وجدها لا تساوي المشقة فتركها ورجع، وقد غنم شيئاً كثيراً من الرقيق، وكانت له من أخيه إقطاعات، ونوابه باليمن يجيبون له الأموال، ومات وعليه من الديون مائتا ألف دينار، فقضاها عنه صلاح الدين.

المرجع: وفيات الأعيان