الوزير ابن الزيات

الوزير ابن الزيات
توفي 233 هـ

أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة، المعروف بابن الزيات .

كان والده تاجراً موسراً من أهل الكرخ وكان يحثه على العمل في التجارة . غير أنه مال إلى الأدب وصناعة الكتابة وطمح إلى نيل المناصب .

كان ابن الزيات عالماً باللغة والنحو والأدب ، وكان شاعراً مُجيداً لا يقاس به أحد من الكتاب ، وكان يطيل فيجيد . وكذلك كان كاتباً مترسلاً بليغاً حسن اللفظ إذا تكلم وإذا كتب . وشعر ابن الزيات مديح وهجاء وغزل ومجون وعتاب وخمر وله رثاء جيد .

مدح الحسن بن سهيل بقصيدة ، ووزر ابن الزيات للمعتصم ثم بقي وزيراً للواثق بن المعتصم مدة خلافته . وجاء المتوكل إلى الخلافة بعد أخيه الواثق وكان ناقماً عليه فاستوزره أربعين يوماً ثم قتله .

وكان من أهل الأدب الظاهر والفضل الباهر، أديباً فاضلاً بليغاً عالماً بالنحو واللغة.

ورد في كتاب “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

” أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة، المعروف بابن الزيات، وزير لمعتصم؛ كان جده أبان رجلاً من أهل جبل من قرية كان بها يقال لها الدسكرة يجلب الزيت من مواضعه إلى بغداد، فسمت بمحمد المذكور همته – على ما سيأتي ذكره فيه – وكان من أهل الأدب الظاهر والفضل الباهر، أديباً فاضلاً بليغاً عالماً بالنحو واللغة.

ذكر ميمون بن هرون الكاتب أن أبا عثمان المازني لما قدم بغداد في أيام المعتصم كان أصحابه وجلساؤه يخوضون بين يديه في علم النحو، فإذا اختلفوا فيما يقع فيه الشك يقول لهم أبو عثمان: ابعثوا إلى هذا الفتى الكاتب؛ يعني محمد بن عبد الملك المذكور، فاسألوه واعرفوا جوابه، فيفعلون ويصدر جوابه بالصواب الذي يرتضيه أبو عثمان ويوقفهم عليه.

وقد ذكر دعبل بن علي الخزاعي المقدم ذكره في كتاب “طبقات الشعراء” وذكره أبو عبد الله هرون بن المنجم – الآتي ذكره إن شاء الله تعالى – في كتاب “البارع” وأورد له من شعره عدة مقاطيع.

وكان في أول أمره من جملة الكتاب، وكان أحمد بن عمار بن شاذي البصري وزير المعتصم، فورد على المعتصم كتاب من بعض العمال فقرأه الوزير عليه، وكان في الكتاب ذكر الكلإ، فقال له المعتصم، ما الكلأ؟ فقال: لا أعلم، وكان قليل المعرفة بالأدب، فقال المعتصم: خليفة أمي ووزير عامي؟! وكان المعتصم ضعيف الكتابة، ثم قال: أبصروا من بالباب من الكتاب، فوجدوا محمد بن عبد الملك المذكور، فأدخلوه إليه فقال له: ما الكلأ؟ فقال الكلأ العشب على الإطلاق، فإن كان رطباً فهو الخلا، فإذا يبس فهو الحشيش، وشرع في تقسيم أنواع النبات، فعلم المعتصم فضله، فاستوزره وحكمه وبسط يده.

وقد ذكرنا ما كان بينه وبين القاضي أحمد بن أبي داود الإيادي في ترجمته.

وحكى أبو عبد الله البيمارستاني أن أبا حفص الكرماني كاتب عمرو بن مسعدة كتب إلى محمد بن عبد الملك الزيات المذكور: أما بعد فإنك ممن إذا غرس سقى، وإذا أسس بنى ليستتم بناء أسه ويجتني ثمره غرسه، وبناؤك في ودي وقد وهى وشارف الدروس، وغرسك عندي قد عطش وأشفى على اليبوس، فتدارك بناء ما أسست وسقي ما غرست، فقال البيمارستاني: فحدثت بذلك أبا عبد الرحمن العطوي، فقال في هذا المعنى يمدح محمد بن عمران بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، ثم وجدت الأبيات في ديوان أبي نواس، صنعة الأصبهاني، وهي:

إن الـبـرامـكة الـكـرام تـعـــلـــمـــوا

فعـل الـجـمـيل وعـلـمـوه الــنـــاســـا

كانـوا إذا غـرسـوا سـقـــوا وإذا بـــنـــوا

 لا يهـدمـون لـمـا بــنـــوه أســـاســـا

وإذا هـم صـنـعـوا الـصـنـائع فـي الـــورى

جعـلـوا لـهـا طـول الـبـقـاء لـبــاســـا

فعلام تسقيني وأنت سقيتني

  كأس المودة من جفائك كاسا

آنستني متفضلاً، أفلا ترى

أن الـقـطـيعة تــوحـــش الإينـــاســـا؟

وقد تقدم في ترجمة عبد المحسن الصوري هذا المعنى أيضاً.

ولابن الزيات المذكور أشعار رائقة، فمن ذلك قوله:

سماعاً يا عباد اللـه مـنـي

 وكفوا عن ملاحظة الملاح

فإن الحب آخره الـمـنـايا

 وأوله يهيج بـالـمـزاح

وقالوا دع مراقبة الـثـريا

ونم فالليل مسود الجـنـاح

فقلت وهل أفاق القلب حتى

أفرق بين ليلي والصبـاح

وله على ما نقلته من خط بعض الأفاضل:

ظالم ما عـلـمـتـه

معتدٍ لا عـدمـتـه

مطمع في الوصال مم

تنع حـين رمـتـه

قال إذ أفصح البـكـا

ء بما قد كتـمـتـه

لو بكى طول عمـره

بدم مـا رحـمـتـه

رب هم طويت فـي

ه وغيظ كظـمـتـه

وحياة سـئمـتـهـا

 والهوى ما سئمـتـه

وذكر الخطيب في “تاريخ بغداد” أن ابن الزيات المذكور كان يعشق جارية من جواري القيان، فبيعت من رجل من أهل خراسان، فأخرجها، قال: فذهل عقل ابن الزيات حتى غشي عليه، ثم إنه أنشأ يقول:

يا طول ساعات ليل العاشق الدنف

وطول رعيته للنجم في السـدف

ماذا أوارى ثيابي من أخي حرق

كأنما الجسم مـنـه دقة الألـف

ماذا قال يا أسفا يعقوب من كمـد

إلا لطول الذي لاقى من الأسف

من سهر أن يرى ميت الهوى دنفا

 فليستدل على الزيات ولـيقـف

ومن شعره ما ذكره في كتاب “البارع” يرثي جاريته، وقد خلفت له ابن ثمان سنين، وكان يبكي عليها فيتألم بسببه وهو:

ألا من رأى الطفل المـفـارق أمـه

بعيد الكرى عينـاه تـنـسـكـبـان

رأى كل أم وابـنـهـا غـير أمـه

يبيتان تحت الـلـيل ينـنـتـجـيان

وبات وحيداً في الفـراش تـجـيبـه

بلابـل قـلـب دائم الـخـفـقـان

فهبني أطلت الصبر عنهـا لأنـنـي

جليد، فمن للصبر بـابـن ثـمـان؟

ضعيف القوى لا يعرف الصبر جسمه

ولا يأتسي بالناس فـي الـحـدثـان

وله ديوان رسائل جيد.

ومدحه البحتري بقصيدته الدالية واحسن في مصف خطه وبلاغته، وقال في آخرها:

ورأى الخلق مجمعين على فض

لك من بـين سـيد ومـسـود

عرف العالمون فضلك بـالـع

م وقال الجهال بـالـتـقـلـيد

ولأبي تمام فيه مدائح وجماعة من شعراء عصره، ولإبراهيم بن العباس الصولي المقدم ذكره فيه مقاطيع يعبث به فيها، فمن ذلك قوله:

 أخ كنت آوي منه عند إدركاره

إلى ظل آباء من العز شامـخ

سعت نوب الأيام بيني وبـينـه

فأقلعن منه عن ظلوم وصارخ

وإني وإعدادي لدهري محمـداً

 كملتمسٍ إطفاءه نار نـافـخ

 ومن ذلك قوله أيضاً:

دعوتك عن بلوى ألمت ضرورة

فأوقدت عن طعن علي سعيرها

وإني إذا أدعوك عنـد مـلـمة

كداعيةٍ عند القبور نصـيرهـا

 له أيضاً فيه:

أبا جعفر خف نبوة بـعـد دولة

وقصر قليلاً عن مدى غلوائكما

فإن يك هذا اليوم يوماً حويتـه

فإن رجائي في غدٍ كرجائكمـا

وله فيه أيضاً:

قلت لها حين أكثرت عذلي:

ويحك! أزرت بنا المروءات

قالت: فأين السراة؟ قلت لها:

لا تسألي عنهم فقد مـاتـوا

قالت: ولم ذاك؟ قلت لهـا:

هذا وزير الإمــام زيات

وله فيه أيضاً:

لئن صدرت بي زورة عن محمد

بمنع لقد فارقته ومعي قـدري

أليست يداً عندي لمثل مـحـمـد

صيانته عن مثل معروفه شكري

وله فيه أيضاً:

فإن تكن الدنـيا أنـالـتـك ثـروة

فأصبحت ذا يسر وقد كنت ذا عسر

فقد كشف الإثراء منـك خـلائفـاً

من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر

وله فيه أيضاً:

من يشتري مني إخاء محمد

أم من يريد إخاءه مجـانـا

أم من يخلص من إخاء محمد

 وله مناه كائناً مـن كـانـا

وله أشياء غير ذلك، وما زالت الأشراف تهجي وتمدح.

وفيه يقول بعضهم، ولا أذكره الآن، ثم ظفرت به بعد ذلك، وهو القاضي أحمد بن أبي داود الإيادي – المقدم ذكره – وكان ابن الزيات المذكور قد هجاه بتسعين بيتاً، فعمل القاضي أحمد فيه بيتين وهما:

أحسن من تسعين بيتاً سدى

جمعك معناهن في بـيت

ما أحوج الملك إلى مطرةٍ

تغسل عنه وضر الزيت

 ونسب صاحب “العقد” هذين البيتين إلى علي بن الهجم، والأول حكاه في “الأغاني” والله تعالى أعلم؛ “فأجابه ابن الزيات عن بيتيه بقوله، معرضاً بأن بعض أجداد القاضي كان يبيع القار:

 يا أيها الطامع في هجونا

نفسك قد عرضت للموت

الزيت لا يزري بأحسابنـا

أحسابنا معروفة البـيت

قيرتم الملك فلم نـنـقـه

حتى غسلنا القار بالزيت”

ولما مات المعتصم وقام بالأمر ولده الواثق هارون أنشد ابن الزيات المذكور:

قد قلت إذ غيبوك وامصرفوا

في خير قبر لخير مدفـون

لن يحبر اللـه أمة فـقـدت

 مثلك إلا بمـثـل هـارون

وأقره الواثق على ما كان عليه في أيام المعتصم، بعد أن كان متسخطاً عليه في أيام أبيه وحلف يميناً مغلظة أنه ينكبه إذا صار الأمر إليه، فلما ولي أمر الكتاب أن يكتبوا ما يتعلق بأمر البيعة، فكتبوا فلم يرض ما كتبوه، فكتب ابن الزيات نسخة رضيها، وأمر بتحرير المكاتبات عليها، فكفر عن يمينه وقال: عن المال والفدية عن اليمين عوض، وليس عن الملك وابن الزيات عوض. فلما مات وتولى المتوكل كان في نفسه منه شيء كثير، فسخط عليه بعد ولايته بأربعين يوماً، فقبض عليه واستصفى أمواله، وكان سبب قبضه عليه أنه لما مات الواثق بالله أخو المتوكل أشار محمد المذكور بتولية ولد الواثق وأشار القاضي أحمد ابن دواد المذكور بتولية المتوكل وقام في ذلك وقعد حتى عممه بيده وألبسه البردة وقبله بين عينيه وكان المتوكل في أيام الواثق يدخل على الوزير المذكور فيتجهمه ويغلظ عليه في الكلام، وكان يتقرب بذلك إلى قلب الواثق فحقد المتوكل ذلك عليه، فلما ولي الخلافة خشي إن نكبه عاجلاً أن يستر أمواله فيفوته، فاستوزره ليطمئن، وجعل القاضي أحمد يغريه ويجد لذلك عنده موقعاً، فلما قبض عليه ومات في التنور – كما سيأتي ذكره – لم يجد من جميع أملاكه وضياعه وذخائره إلا ما كانت قيمته مائة ألف دينار، فندم على ذلك ولم يجد عنه عوضاً، وقال للقاضي أحمد: أطعمتني في باطل وحملتني على شخص لم أجد عنه عوضاً.

وكان ابن الزيات المذكور قد اتخذ تنوراً من حديد وأطراف مساميره المحددة إلى داخل، وهي قائمة مثل رؤوس المسال، في أيام وزارته، وكان يعذب فيه المصادرين وأرباب الدواوين المطلوبين بالأموال، فكيفما انقلب واحد منهم أو تحرك من حرارة العقوبة تدخل المسامير في جسمه، فيجدون لذلك أشد الألم لم يسبقه أحد إلى هذه المعاقبة، وكان إذا قال أحد منهم أيها الوزير ارحمني، فيقول له: الرحمة خور في الطبيعة، فلما اعتقله المتوكل أمر بإدخاله في التنور، قيده بخمسة عشر رطلاً من الحديد فقال: يا أمير المؤمنين ارحمني، فقال له: لرحمة خور في الطبيعة، كما كان يقول للناس، فطلب دواة وبطاقة فأحضرتا إليه فكتب:

هي السبيل فمن يوم إلى يوم

كأنه ما تريك العين في النوم

لا تجزعن، رويداً إنهـا دول

دنيا تنقل من قوم إلى قـوم

وسيرها إلى المتوكل، فاشتعل عنها ولم يقف عليها إلا في الغد، فلما قرأها المتوكل أمر بإخراجه، فجاؤوا إليه فوجدوه ميتاً، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وكانت مدة إقامته في التنور أربعين يوماً، وكان القبض عليه لثمان مضين من صفر من السنة المذكورة.

ولما مات وجد في التنور مكتوب بخطه قد خطه بالفحم على جانب لتنور يقول:

 من لـه عـهـد بـنـوم

يرشـد الـصـب إلـيه

رحـم الـلـه رحـيمـاً

دل عـينـي عـلــيه

سهـرت عــينـــي

ونامت عين من هنت لديه

وقال أحمد الأحوال: لما قبض على ابن الزيات تلطفت إلى أن وصلت إليه فرأيته في حديد ثقيل، فقلت له: يعز علي ما أرى، فقال:

سل ديار الحي من غيرها

وعفاها ومحا منظرهـا

وهي الدنيا إذا ما أقبلـت

صيرت معروفها منكرها

إنما الدنيا كـظـل مـائل

نحمد الله كـذا قـدرهـا

ولما جعل في التنور قال له خادمه: يا سيدي، قد صرت إلى ما صرت إليه وليس لك حامد، فقال: وما نفع البرامكة صنعهم؟ فقال: ذكرك لهم هذه الساعة، فقال: صدقت، رحمه الله تعالى.

ب الوزير ابن الزيات  كان شاعراً مجيداً وفاضلاً نبيلاً، وزر لثلاثة خلفاء من بني العباس وهم: المعتصم والواثق والمتوكل، وكان سبب وزارته ما حكى الصولي عن سعيد بن سلم قال: ورد كتاب من الجبل عن المعتصم بوصف خصب السنة وكثرة الكلأ فقال لأحمد بن عمار: ما الكلأ؟ فلم يعرفه، فدعا ابن عبد الملك وسأله عنه فقال: ما رطب من النبات فهو كلأ، وإذا جف فهو حشيش، ويسمى أول ما ينبت الرطب والبقل، فقال لأحمد: أنت انظر في الأمور والدواوين والأعمال، وهذا يعرض علي، فعرض عليه أياماً ثم استوزره؛ وكان محمد المذكور قبل ذلك يلي أمور المطبخ والفرش.

وكان الواثق لما ولي أمر أن يقوم جميع الناس لابن الزيات، ولم يجعل في ذلك رخصة لأحد، فكان ابن أبي داود يستعجل صلاة الضحى إذا أحس بقدومه أنفة من القيام له في دار السلطان، وامتثالاُ للأمر، فصنع ابن الزيات:

صلى الضحى لما استقاد عداوتي

وأراه ينسك بعـدهـا ويصـوم

لا تأمنـن عـداوة مـسـمـوة

تركتك تقعـد تـارة وتـقـوم

وقد سبق شيء من خبره معه في ترجمته.

ومن شعر محمد المذكور في جارته أم ابنه عمر، وقد ماتت:

يقول لي الخلان لو زرت قبرها

فقلت وهل غير الفؤاد لها قبر

على حين لم أحدث فاجهل فقدها

ولم أبلغ السن التي معها الصبر

وشعره كله نخب، ونقتصر منه على هذا القدر ففيه كفاية.

وكان أبوه زياتاً إلا انه كان كثير المال؛ وكان محمد المذكور شديد القسوة صعب العريكة لا يرق لأحد ولا يرحمه، وكان يقول: الرحمة خور في الطبيعة، ووقع يوماً على رقعة رجل توسل إليه بقرب الجوار منه: الجوار للحيطان، والتعطف للنسوان.

فلما أراد المتوكل قتله أحضره وأحضر تنور خشب فيه مسامير من حديد أطرافها إلى داخل التنور تمنع من يكون فيه من الحركة، كان محمد اتخذه ليعذب فيه من يطالبه – وهو أول من عمل ذلك وعذب فيه ابن أسباط المصري – وقال: أجرينا فيك حكمك في الناس، فاجلس فيه، فمات بعد ثلاث وذلك في سنة ثلاثة وثلاثين ومائتين؛ وقيل إنه كتب في التنور بفحمه:

من له عهد بنـوم

يرشد الصب إليه

رحم الله رحيمـاً

دل عيني علـيه

ودفن لم يعمق قبره فنبشته الكلاب وأكلته، رحمه الله تعالى.

وكان الجاحظ منقطعاً إليه فخاف أن يؤخذ مع أسبابه، فغاب وكان يقول: كدت أكون. وحكى ابن أبي العيناء قال: كنت عند ابن أبي داود بعد قتل ابن الزيات فجيء بالجاحظ مقيداً وكان في أسبابه وناحيته، وعند ابن أبي محمد بن منصور، وهو إذ ذاك يلي قضاء فارس وخورستان، فقال ابن أبي داواد للجاحظ، ما تأويل هذه الآية “وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد”. هود: -102 – فقال: تلاوتها تأويلها أعز الله القاضي، فقال: جيئوا بحداد، فقال اعز الله القاضي، ليفك عني أو ليزيدني؟ فقال: بل ليفك عنك، فجيء بالحداد وغمره بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ ويطيل أسره قليلاً، ففعل، فلطمه الجاحظ وقال: اعمل عمل شهر في يوم وعمل يوم في ساعة وعمل ساعة في لحظة، فإن الغرر على ساقي وليس يجذع ولا ساجة، فضحك ابن أبي داود وأهل المجلس منه، وقال ابن أبي داود لمحمد بن منصور: أنا أثق بظرفه ولا أثق بدينه”.