الملك العادل ابن أيوب

الملك العادل ابن أيوب
540- 615 هـ

أبو بكر محمد بن أبي الشكر أيوب بن شاذي بن مروان، الملقب بالملك العادل سيف الدين، أخوه السلطان صلاح الدين.

كان الملك العادل قد وصل إلى الديار المصرية صحبة أخيه وعمه أسد الدين شيركوه وكان يقول: لما عزمنا على المسير إلى مصر احتجب إلى حرمدان، فطلبته من والدي فأعطاني وقال: يا أبا بكر إذا ملكتم مصر أعطني ملئه ذهباً، فلما جاء إلى مصر قال: يا أبا بكر أين الحرمدان؟ فرحت وملأته من الدراهم السود وجعلت أعلاها شيئاً من الذهب وأحضرته إليه، فلما رآه اعتقده ذهباً، فقلبه فظهرت الفضة السوداء، فقال: يا أبا بكر تعلمت من زغل المصريين.

ولما ملك صلاح الدين الديار المصرية كان ينوب عنه الملك العادل في حال غيبته في الشام ويستدعي منه الأموال للإنفاق في الجند وغيرهم. ولما ملك السلطان صلاح الدين مدينة حلب في صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة أعطاها لولده الملك الظاهري غازي ثم أخذها منه وأعطاها للملك العادل، فانتقل إليها وقصد قلعتها يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة، ثم نزل عنها للملك الظاهري غازي ابن السلطان لمصلحة وقع الاتفاق عليها بينه وبين أخيه صلاح الدين، وخرج منها في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول، ثم أعطاه السلطان قلعة الكرك.

قال أبو البركات ابن المستوفي في “تاريخ إربل” ما مثاله: وجدت بخطه “خطب للملك العادل أبي بكر ابن أيوب بالقاهرة ومصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة، وخطب له بحلب يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وملك معها البلاد الشامية والشرقية وصفت له الدنيا، ثم ملك بلاد اليمن في سنة اثنتي عشرة وستمائة، وسير إليها ولد ولده المسعود صلاح الدين أبا المظفر يوسف المعروف بأطسيس ابن الملك الكامل.

وكان ولده الملك الأوحد نجم الدين أيوب ينوب عنه في ميافارقين وتلك النواحي، فاستولى على مدينة خلاط وبلاد أرمينية واتسعت مملكته، وذلك في سنة أربع وستمائة.

ولما تمهدت له البلاد قسمها بين أولاده، فأعطى الملك الكامل الديار المصرية والملك المعظم البلاد الشامية، والملك الأشرف البلاد الشرقية، والأوحد مدينة خلاط وبلاد أرمينية.

كان ملكاً عظيماً ذا رأي ومعرفة تامة قد حنكته التجارب، حسن السيرة جميل الطوية، وافر العقل، حازماً في الأمور صالحاً محافظاً على الصلوات في أوقاتها، متبعاً لأرباب السنة مائلاً إلى العلماء، حتى صنف له فخر الدين الرازي كتاب “تأسيس التقديس” وذكر اسمه في خطبته وسيره إليه من بلاد خراسان وبالجملة فإنه كان رجلاً مسعوداً، ومن سعادته أنه خلف أولاداً لم يخلف أحد من الملوك امثالهم في نجابتهم وبسالتهم ومعرفتهم وعلة همتهم، ودانت لهم العباد وملكوا خيار البلاد، ولما مدح ابن عنين الملك العادل بقصيدته الرائية جاء منها في مديح أولاده المذكورين قوله:

وله البنون بكل أرض مـنـهـم          ملكٌ يقود إلى الأعادي عسكـرا
من كل وضاح الجبين تـخـاره          بدراً، وإن شهد الوغى فغضنفرا
متقدمٌ حتى إذا النقع انـجـلـى      بالبيض عن سبي الحريم تأخرا
قوم زكوا أصلاً وطابوا محتـدا          وتدفقوا جوداً وراقوا منـظـرا
وتعاف خيلهم الورود بمنـهـلٍ         ما لم يكن بدم الوقائع أحـمـرا
يعشو إلى نار الوغى شغفاً         بهـا ويجل أن يعشو إلى نار القـرى

ولما قسم البلاد بين أولاده كان يتردد بينهم، وينتقل إليهم من مملكة إلى أخرى. وكان في الغالب يضيف بالشام لأجل الفواكه والثلج والمياه الباردة، ويشتي في الديار المصرية لاعتدال الوقت فيها وقلة البرد، وعاش في أرغد عيش، وكان يأكل كثيراً خارجاً عن المعتاد، وحاصل الأمر انه كان ممتعاً في دنياه.

توفي الملك العادل بعالقين، ونقل إلى دمشق ودفن بالعلقة ثاني يوم وفاته، ثم نقل إلى مدرسته المعروفة به ودفن في التربة التي بها. وعالقين: بفتح العين المهملة وبعد الألف لام مكسورة وقاف مكسورة أيضاً وياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها نون، وهي قرية بظاهر دمشق من الجيدور وكان ذلك عند وصول الفرنح إلى ساحل الشام، وقصدوا أولاً لقاء الملك العادل، فتوجه قدامهم إلى جهة دمشق ليتجهز ويتأهب للقائهم، فلما وصل إلى الموضع المذكور توفي به، فحينئذ أعرض جميع الفرنج عن دمشق، وقصدوا الديار المصرية فكانت وقعة دمياط المشهورة في ذلك التاريخ.

المرجع: وفيات الأعيان