المطيع لله

المطيع لله
301- 364 هـ

المطيع لله ، هو أبو القاسم الفضل بن المقتدر بن المعتضد من خلفاء الدولة العباسية. ولد سنة 301 هـ. أمه أم ولد اسمها شغله.

وبويع له بالخلافة عند خلع المستكفي في جمادى الآخرة سنة 334هـ وقرر له معز الدولة كل يوم نفقة مائة دينار فقط.

أبرز الأحداث التي حصلت في عهد المطيع لله:

– في سنة 334هـ من خلافته اشتد الغلاء ببغداد حتى أكلوا الجيف والروث وماتوا على الطرق وأكلت الكلاب لحومهم وبيع العقار بالرغفان ووجد الصغار مشوية مع المساكين واشترى لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم والكر سبعة عشر قنطاراً بالدمشقي. وفيها وقع بين معز الدولة وبين ناصر الدولة بن حمدان فخرج لقتاله ومعه المطيع ثم رجع والمطيع معه كالأسير. وفيها مات الأخشيد صاحب مصر وهو محمد بن طغج الفرغاني والأخشيد ملك الملوك وهو لقب لكل من ملك فرغانة كما أن الأصبهذلقب ملك طبرستان وصول ملك جرجانو خاقان ملك الترك و الأفشين ملك أشروسنة و سامان ملك سمرقند وكان الأخشيد شجاعاً مهيباً ولي مصر من قبل القاهر وكان له ثمانية آلاف مملوك وهو أستاذ كافور. وفيها مات القائم العبيدي صاحب المغرب وقام بعده ولي عهده ابنه المنصور بالله إسماعيل وكان القائم شراً من أبيه زنديقاً ملعوناً أظهر سب الأنبياء وكان مناديه ينادي العنوا الغار وما حوى وقتل خلقاً من العلماء.

– في سنة 335هـ جدد معز الدولة الإيمان بينه وبين المطيع وأزال عنه التوكيل وأعاده إلى دار الخلافة.

في سنة 336هـ حصل للمطيع فالج وثقل لسانه فدعاه حاجب عز الدولة الحاجب سبكتكين إلى خلع نفسه وتسليم الأمر إلى ولده الطائع لله ففعل وعقد له الأمر في يوم الأربعاء 13 ذي القعدة فكانت مدة خلافة المطيع تسعاً وعشرين سنة وأشهراً وأثبت خلعه على القاضي ابن أم شيبان وصار بعد خلعه يسمى الشيخ الفاضل.

وفي سنة 364 هـ خرج المطيع إلى واسط مع ولده فمات في شهر المحرم.

جاء في “البداية والنهاية” لابن كثير:

”  لما قدم معز الدولة بغداد وقبض على المستكفي وسمل عينيه، استدعى بأبي القاسم الفضل بن المقتدر بالله، وقد كان مختفياً من المستكفي وهو يحث على طلبه ويجتهد، فلم يقدر عليه‏.‏

ويقال‏:‏ إنه اجتمع بمعز الدولة سراً فحرضه على المستكفي حتى كان من أمره ما كان، ثم أحضره وبويع له بالخلافة ولقب بالمطيع الله، وبايعه الأمراء والأعيان والعامة، وضعف أمر الخلافة جداً حتى لم يبق للخليفة أمر ولا نهي ولا وزير أيضاً، وإنما يكون له كاتب على أقطاعه، وإنما الدولة ومورد المملكة ومصدرها راجع إلى معز الدولة، وذلك لأن بني بويه ومن معهم من الديلم كان فيهم تعسف شديد، وكانوا يرون أن بني العباس قد غصبوا الأمر من العلويين، حتى عزم معز الدولة على تحويل الخلافة إلى العلويين واستشار أصحابه فكلهم أشار عليه بذلك، إلا رجلاً واحداً من أصحابه، كان سديد الرأي فيهم، فقال‏:‏ لا أرى لك ذلك‏.‏

قال‏:‏ ولم ذاك‏؟‏

قال‏:‏ لأن هذا خليفة ترى أنت وأصحابك أنه غير صحيح الإمارة، حتى لو أمرت بقتله قتله أصحابك، ولو وليت رجلاً من العلويين اعتقدت أنت وأصحابك ولايته صحيحة، فلو أمرت بقتله لم تطع بذلك، ولو أمر بقتلك لقتلك أصحابك‏.‏

فلما فهم ذلك صرفه عن رأيه الأول، وترك ما كان عزم عليه للدنيا لا لله عز وجل‏.‏

ثم نشبت الحرب بين ناصر الدولة بن حمدان وبين معز الدولة بن بويه، فركب ناصر الدولة بعدما خرج معز الدولة والخليفة إلى عكبرا، فدخل بغداد فأخذ الجانب الشرقي ثم الغربي، وضعف أمر معز الدولة والديلم الذين كانوا معه، ثم مكر به معز الدولة وخدعه حتى استظهر عليه وانتصر أصحابه فنهبوا بغداد وما قدروا عليه من أموال التجار وغيرهم، وكان قيمة ما أخذ أصحاب معز الدولة من الناس عشرة آلاف ألف دينار، ثم وقع الصلح بين ناصر الدولة ومعز الدولة‏.‏

ورجع ابن حمدان إلى بلده الموصل، واستقر أمر معز الدولة ببغداد، ثم شرع في استعمال السعاة ليبلغ أخاه ركن الدولة أخباره، فغوى الناس في ذلك وعلموا أبناءهم سعاة، حتى أن من الناس من كان يقطع نيفاً وثلاثين فرسخاً في يوم واحد‏.‏

وأعجبه المصارعون والملاكون، وغيرهم من أرباب هذه الصناعات التي لا ينتفع بها إلا كل قليل العقل فاسد المروءة، وتعلموا السباحة ونحوها، وكانت تضرب الطبول بين يديه ويتصارع الرجال، والكوسان تدق حول سور المكان الذي هو فيه، وكل ذلك رعونة وقلة عقل وسخافة منه‏.‏

ثم احتاج إلى صرف أموال في أرزاق الجند فأقطعهم البلاد عوضاً عن أرزاقهم، فأذى ذلك إلى خراب البلاد وترك عمارتها إلا الأراضي التي بأيدي أصحاب الجاهات‏.‏

وفي هذه السنة وقع غلاء شديد ببغداد، حتى أكلوا الميتة والسنانير والكلاب، وكان من الناس من يسرق الأولاد فيشويهم ويأكلهم‏.‏

وكثر الوباء في الناس حتى كان لا يدفن أحد أحداً، بل يتركون على الطرقات فيأكل كثيراً منهم الكلاب، وبيعت الدور والعقار بالخبز، وانتجع الناس إلى البصرة فكان منهم من مات في الطريق، ومنهم من وصل إليها بعد مدة مديدة‏”.‏

ورد في “سير أعلام النبلاء” للذهبي:

” الخليفة أبو القاسم الفضل بن المقتدر جعفر بن المعتضد أحمد بن الموفق العباسي.

ولد سنة إحدى وثلاث مئة.

وبويع بحكم خلع المستكفي نفسه سنة 334 وأمه اسمها مشغلة أم ولد.

حدث عن: أبي القاسم البغوي.

روى عنه أبو الفضل التميمي.

وكان كالمقهور مع نائب العراق ابن بويه قرر له في اليوم مئة دينار فقط واشتد الغلاء المفرط ببغداد فذكر ابن الجوزي أنه اشتري لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم.

قلت ذلك سبعة عشر قنطاراً بالدمشقي لأن الكر أربعة وثلاثون كارة والكارة خمسون رطلاً. واقتتل صاحب الموصل ناصر الدولة ومعز الدولة فالتقوا بعكبرا فانتصر ناصر الدولة ونزل بالجانب الشرقي ثم تلاشى أمره وفر فوضعت الديلم السيف والنهب في البلد وسبيت النساء ثم تمكن المطيع قليلاً ثم اصطلح ابن بويه وصاحب الموصل فعز ذلك على الأتراك الذين قوي بهم صاحب الموصل وهموا بقتله فحاربهم فمزقهم وهرب إليه أبو جعفر بن شيرزاد فسمله وسجنه.

وفيها أعني سنة 336 خرج معز الدولة والمطيع إلى البصرة لحرب أبي القاسم عبد الله بن أبي عبد الله البريدي فاستأمن إليهم عسكر أبي القاسم وهرب هو إلى القرامطة وعظم معز الدولة ثم جاء أبو القاسم مستأمنا إلى بغداد فأقطع قرى ثم اختلف صاحب الموصل ومعز الدولة وفر عن الموصل صاحبها ثم صالح على أن يحمل في السنة ثمانية آلاف ألف درهم.

وفي سنة أربع وأربعين وثلاث مئة مرض معز الدولة بعلة الإنعاظ وأرجف بموته فعقد إمرة الأمراء لابنه بختيار واستوزر أبا محمد المهلبي وعظم قدره.

وفي سنة سبع وأربعين استولى معز الدولة على الموصل وساق وراء ناصر الدولة إلى نصيبين فهرب إلى حلب فبالغ أخوه في خدمته وتراسلا في أن يكون الموصل بيد سيف الدولة لأن ناصر الدولة غدر ونكث غير مرة بابن بويه ومنع الحمل ثم رد معز الدولة إلى بغداد.

وفي سنة خمسين ضمن معز الدولة الشرطة والحسبة ببغداد وظلم وأنشأ داراً لم يسمع بمثلها خرب لأجلها دور الناس وغرم عليها إلى أن مات ست مئة ألف دينار واستضرت الروم على بلاد الشام وأخذوا حلب بالسيف وغيرها من المدائن كسروج والرها وأول تمكنهم أنهم هزموا سيف الدولة في سنة تسع وثلاثين فنجا بالجهد في نفر يسير وبلغهم وهن الخلافة وعجز سيف الدولة عنهم بعد أن هزمهم غير مرة.

وفي سنة 353 قصد معز الدولة الموصل ففر عنها ناصر الدولة ثم التقوا فانتصر ناصر الدولة وأسر الترك واستأمن إليه الديلم وأخذ ثقل معز الدولة وخزائنه ثم صالحه وكان يقام مأتم عاشوراء ببغداد ويقع فتن كبار لذلك ثم مات الوزير المهلبي سنة 351 ومات معز الدولة فقام ابنه عز الدولة بختيار سنة ست وخمسين فجرت فتنة محمد بن الخليفة المستكفي فإنه لما كحل أبوه فر هو إلى مصر وأقام عند كافور ثم قويت نفسه وقدم بغداد سرا فعرف عز الدولة وبايعه في الباطن كبراء فظفر به عز الدولة فقطع أنفه وأذنيه وسجنه ثم هرب هو وأخوه علي من الدار يوم عيد وصار إلى ما وراء النهر وخمل أمره.

وفي سنة ستين فلج المطيع وبطل نصفه وتملك بنو عبيد مصر والشام وأذنوا بدمشق بحي على خير العمل وغلت البلاد بالرفض شرقاً وغرباً وخفيت السنة قليلاً واستباحت الروم نصيبين وغيرهما فلا قوة إلا بالله وقتل ببغداد راجل من أعوان الشحنة فبعث رئيس بغداد من طرح النار في أسواق فاحترقت بغداد حريقاً مهولاً واحترق النساء والأولاد فعدة ما احترق ثلاث مئة وعشرون دارا وثلاث مئة وسبعة عشر دكانا وثلاثة وثلاثون مسجدا وكثر الدعاء على الرئيس وهو أبو الفضل الشيرازي ثم سقي وهلك وأنشئت مدينة القاهرة للمعز العبيدي ووزر ببغداد أبو طاهر بن بقية فكان راتبه من الثلج في اليوم ألف رطل ومن الشمع في الشهر ألف من فوزر لعز الدولة أربع سنين ثم صلبه عضد الدولة ولما تحكم الفالج في المطيع دعاه سبكتكين الحاجب إلى عزل نفسه وتسليم الخلافة إلى ابنه الطايع ففعل ذلك في ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاث وستين وأثبتوا خلعه على أبي الحسن ابن أم شيبان القاضي ثم كان بعد يدعى الشيخ الفاضل.

وفيها أقيمت الدعوة العبيدية بالحرمين للمعز واستفحل البلاء باللصوص ببغداد وركبوا الخيل وأخذوا الخفارة وتلقبوا بالقواد ثم إن المطيع خرج وولده الخليفة الطايع لله إلى واسط فمات هناك في المحرم سنة أربع وستين وثلاث مئة بعد ثلاثة أشهر من عزله وعمره ثلاث وستون سنة رحمه الله فكانت خلافته ثلاثين سنة سوى أشهر وفي أيامه تلقب صاحب الأندلس الناصر المرواني بأمير المؤمنين وقال أنا أحق بهذا اللقب من خليفة من تحت يد بني بويه وصدق الناصر فإنه كان بطلا شجاعاً سائساً مهيبا له غزوات مشهودة وكان خليقا للخلافة ولكن كان أعظم منه بكثير المعز العبيدي الإسماعيلي النحلة وأوسع ممالك حكم على الحرمين ومصر والشام والمغرب”.