المرتضى الزبيدي

المرتضى الزبيدي
1791-1732م

هذا العالم هو عراقي الأصل هندي المولد. من المرجح أن يكون أسلافه قد رحلوا من واسط بالعراق إلى شمال الهند بعد احتلال هولاكو لبغداد عام 1258م وتدميرها. ومعنى هذا أن جدوده كانوا قد أقاموا في الهند قرابة خمسة قرون لما ولد محمد بن عبد الرازق. أما اسمه الذي اشتهر به فهو المرتضى، وهو لقب غلب عليه، والزبيدي نسبة إلى زبيد في اليمن.

أتيح للفتى محمد مجال للاتصال بجماعة من كبار علماء الهند منهم الأله آبادي وولي الله الدهلوي. وكان هذان ممن يرفض التقليد في ما يعقدانه من مجالس أو يضعانه من بحوث أو يلقيانه من دروس. وكان سبيلهما العودة إلى الكتاب والسنة. فنشأ المرتضى وهو يمقت التقليد.

كان المرتضى في السابعة عشرة سنه لما ترك الهند ودخل اليمن. وفي السنوات الخمس التي قضاها في ربوع الجزيرة العربية تنقل بين زبيد وبيت الفقيه والقطيع واللحيّة والمنصورية في اليمن وبين مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف في الحجاز. وقد لقي في هذه الأماكن علماء كباراً زودوه بما يحتاج من ثقافة العصر في الحديث والفقه واللغة والأدب وما يتصل بهذا كله وما هو أصل له وما يتفرع عنه. فكانت حصيلته الثقافية والعلمية متينة دقيقة، وثيقة عميقة. هذا ما كان عليه المرتضى الزبيدي لما هبط مصر عام 1754م.. كان شاباً في الثانية والعشرين من سنه، وكان عالماً بما لا يقاس من السنين.

نزل الزبيدي بخان الصاغة أو وكالة الصاغة. وقد ظلت هذه المحلة مسكنه المحلي، حتى بعد أن تزوج وسكن في بقعة أخرى. ولا بد أن تكون وكالة الصاغة نقطة يلتقي عندها الناس على اختلاف درجاتهم من الثقافة والعمل والتراث. لذلك نجد، أو نجد من يقول، أن ذكر الزبيدي ما لبث أن اشتهر عند الخاص والعام.

لكن الزبيدي ظل، إلى آخر عمره، يطلب المزيد من المعرفة. وكان، على طريقة السلف الصالح، يلحق بالمعرفة مفتشاً عنها، باحثاً عن سدنتها، منقباً عن مظانها. لذلك زار المدن الشمالية في مصر مثل رشيد ودمياط وغيرهما، وتنقل نحو الصعيد. وكان يهتم، إلى عنايته بالعلماء، برجال التصوف. وقد ذكر أنه ألبس الخرقة أربع مرات. وأثناء إقامته في القاهرة زار بيت المقدس وعرّج على يافا والرملة.

وفي الفترة التي قضاها في مصر، وهي تقرب من العقود الأربعة، كان يحدث ويدرس ويكتب.

فرضت له الدولة العثمانية في سنة 1777 مرتباً محترماً. وسواء أكان ذلك لقاء دروسه الحديثية أم تكريماً له، فالمهم أن هذا العالم لم يترك وشأنه. وكان قد تزوج واستقر في حياته. ولما توفيت زوجته، أثر هذا في نفسه. لذلك نجده، ولو بعد مدة، لزم داره واحتجب. وقد وصف المؤرخ المصري الجبرتي هذه الحال بقوله: “ولما بلغ المرتضى ما لا مزيد عليه من الشهرة، وبعد صيته عند الخاص والعام، كثرت الوفود إليه من سائر الأقطار، وأقبلت الدنيا عليه، لزم داره واحتجب عن أصحابه، ورد الهدايا التي كانت تنهمر إليه، حتى هدايا الملوك”. وظل كذلك في عزلته حتى أصيب بالطاعون وتوفي ودفن بجانب زوجته. ولم يدر أحد بوفاته، ولا أتيح لعلماء مصر تشييعه.

للزبيدي ثلاثة معاجم: الكبير والصغير وألفية السند. وليس المهم أن الشيوخ، ثلاثمئة أم أكثر أم أقل، ذكرهم الزبيدي في معاجمه، إن المهم هو أن هذا الرجل أفاد بهم، وقد كان طلعة، لكنه كان طلعة ساعياً إلى العلماء. لذلك فهو يقول، في الفية السند:

وقلّ أن ترى كتاباً يُعتمد إلى ولي فيه اتصال بالسّند
أو عالماً إلى ولي إليـه وسـائط تـوقفنـي عليـه

كان الزبيدي يعرف الفارسية والتركية وبعض لغة الكرج على رواية الجبرتي. ويرى الباحث والمؤرخ اللبناني المنجّد أنه تعلم الفارسية في الهند وأنه تعلم التركية في الحجاز أو في مصر.

ويقول المنجّد أنه قد حدثنا الجبرتي أن المرتضى الزبيدي أحيا طريقة المحدثين القدامى في قراءة الحديث، في المجالس الحديثية. وذكر كيف يحمل تلاميذه، عندما كان يُدعى إلى بيوت الأعيان، فلا يجعل الدعوة للطعام، بل يقرأ لهم الحديث لينفعوا به.

يبدو أن الزبيدي كان يتمتع بشخصية جذابة فضلاً عما كان يكتنزه من شذور المعرفة، وما كان يمكن أن يعطيه للسامعين من شآبيب العلم. فقد كان عظيم الحافظة. وكان، فيما يقول الجبرتي عنه، “نحيف البدن ذهبي اللون معتدل اللحية؛ وكان يعتم مثل أهل مكة عمامة منحرفة بشاش أبيض، لها عذبة مرخية على قفاه، ولها حبكة وشراريب حرير طولها قريب من فتر، وطرفها الآخر داخل طي العمامة. وكان لطيف الذات وحسن الصفات بشوشاً كثير الابتسام وقوراً محتشماً مستحضراً للنوادر والمناسبات لوذعياً ذكياً فطيناً المعيّا، ماله في سعة الحفظ نظير”.

ألف الزبيدي نيفاً ومئة كتاب، بين كراسة وكتب ضخمة في عدة مجلدات. وكتب كتابين حول المواضيع الآنية يومها وهما: إتحاف الأخوان في حكم الدخان وإتحاف بني الزمن في حكم قهوة اليمن.

وليس من اليسير أن نفي الزبيدي حقه من حيث تبيان أثره في دنيا العرب والإسلام. ولكن لا بد من كلمتين تتعلقان بأضخم عملين تما على يديه: وهما “تاج العروس” و”شرح إحياء علوم الدين”.

الأول المعجم الذي سماه “تاج العروس” وهو شرح للقاموس للفيروز أبادي. والذي حدث هو أن محمد بن الطيب الفاسي، وهو أحد شيوخ الزبيدي في اللغة، كان قد وضع كتاباً في مجلدين شرح فيه القاموس. لكن الزبيدي شرح القاموس ووضّحه وأضاف إليه. ولم يكتف بالرجوع إلى كتب اللغة بالذات بل نقل عن الرحالة والجغرافيين وأصحاب الطبقات وكل ما في رحاب المعرفة من وجه أو صنعة.

وروى الجبرتي أن المرتضى لما ألف كتابه وأتم الجزء الأول منه سنة 1767م “أولم وليمة حافلة جمع فيها طلاب العلم وأشياخ الوقت.. وأطلعهم عليه، فاغتبطوا به وشادوا بفضله وسعة اطلاعه ورسوخه في العلم. وكتبوا عليه تقاريرهم نثراً ونظماً”.

أما “شرح إحياء علوم الدين” للغزالي فإنه يتصف بالروح الحية فعلاً. فقد كان قد مر على العلماء المسلمين حين من الدهر كانوا أهل حواشي كتبت حول المتون الأصلية. وكان الطالب، والشيخ أحياناً، يستسهل الشروح، ويتجنب المتون. فجاء المرتضى الزبيدي إلى الأحياء “ليحييه بشرحه ويجلو أسراره ويعيد بذلك للإسلام صفاءه ورونقه”.

سلخ الزبيدي ثماني سنوات في وضع التاج وصرف إحدى عشرة سنة في شرح الإحياء. فجعل من الأول مرجعاً للغة وصنع من الثاني مصدراً للانتعاش الروحي والشرعي والاجتماعي.