القاضي أبو يوسف الأنصاري

القاضي أبو يوسف الأنصاري صاحب أبي حنيفة
113 – 182 هـ

هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري ، فقيه إسلامي وقاضي شهير وأحد تلامذة الإمام أبو حنيفة النعمان.

ولد يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري المعروف بأبي يوسف في الكوفة ، وبها نشأ وتعلم ، واتجه مبكرا إلى دراسة الحديث ، فسمع أبا إسحاق الشيباني ، و يحيى بن سعيد الأنصاري ، و هشام بن عروة ، و عطاء بن السائب ، و درس المغازي على محمد بن إسحاق، صاحب السيرة النبوية المعروفة باسمه ، ثم تتلمذ على عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه الكوفي المعروف ، ثم اتصل بالإمام أبي حنيفة ، ولازم حلقته ودروسه ، غير أنه أحيانا كان ينقطع عنها ؛ لاضطراره أن يعمل حتى يواجه نفقات الحياة ، فلما رأى أبو حنيفة ذلك وأحزنه أن تصرف ضرورات العيش تلميذه النجيب عن طلب العلم ؛ تكفله بالعيش ، وأمدّه بماله حتى يفرغ تماما للدراسة.

ولم يكتف أبو يوسف بما حصله من علم أبي حنيفة، فرحل إلى المدينة المنورة، واتصل بعالمها المبرز الإمام مالك، فأخذ عنه الحديث والفقه، ووجد منهجًا يختلف عن منهج إمامه أبي حنيفة، فوازن بينهما وقارن، وجادل شيخه وحاجّه، ثم رجع إلى العراق مزودًا بعلم أهل المدينة، فجمع بين المدرستين: مدرسة الأثر في المدينة، ومدرسة الرأي في العراق، وقرّب بينهما، وساعده على ذلك اشتغاله برواية الحديث.

اشتغل أبو يوسف بالقضاء في سنة (166هـ = 782م) في عهد الخليفة العباسي “المهدي”، وبلغ الغاية في عهد الخليفة “هارون الرشيد” حيث تولى منصب قاضي القضاة، وهو منصب استُحدث لأول مرة في تاريخ القضاء، وشاءت الأقدار أن يكون أبو يوسف هو أول من يشغله في التاريخ الإسلامي.

وقد أتاح هذا المنصب الجليل لأبي يوسف أن ينشر مذهبه وفقه شيخه أبي حنيفة، وجعله الفقه الرسمي بالقضاء والإفتاء والتدوين، وأتاح له الذيوع والانتشار، وصقله عمليًا، فإن القضاء فيه مواجهة لمشاكل الناس، ووضْع طرق لمعالجتها، ووقوف على الشئون العامة، ومن ثم مكّن أبو يوسف للمذهب الحنفي بأن يسود ويعم بتعيين أتباعه في كراسي القضاء، حيث كان يناط به تعيينهم في الولايات؛ باعتباره القاضي الأول في الدولة العباسية.

ولأبي يوسف كتب كثيرة دوّن فيها آراءه وآراء شيخه: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة ، كتاب الصيام، كتاب الفرائض، كتاب البيوع، كتاب الحدود غير أن أشهر كتبه: كتاب الخراج، وكتاب الآثار، وهو مسند لأبي حنيفة رواه أبو يوسف عنه، ويضم طائفة من الأحاديث التي اعتمد عليها أبو حنيفة في بعض ما استنبطه من أحكام وفتاوى، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من فتاوى التابعين من فقهاء الكوفة والعراق.

“وكتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلي، وهو كتاب جمع فيه أبو يوسف مسائل اختلف فيها أبو حنيفة مع ابن أبي ليلى الفقيه الكوفي المعروف، وهو يصور ما كان يجري بين علماء ذلك العصر من دراسة عميقة للمسائل المختلفة ، وعُنِي أبو يوسف فيه بذكر آراء المختلفين مدعومة بالدليل، وإن كان ينتصر كثيرا لآراء شيخه أبي حنيفة”.

وكتاب الرد على سير الأوزاعي وفي هذا الكتاب يرد أبو يوسف على الأوزاعي فيما خالف فيه أبا حنيفة من أحكام الحروب، وما يتصل بها من الأمان والهدنة والأسلاب والغنائم، وينتصر لشيخه على الأوزاعي في هذه المسائل وما يتصل بها.

ورد في “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

“القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حبتة الأنصاري – وسعد بن حبتة أحد الصحابة رضي الله عنهم، وهو مشهور في الأنصار بأمه، وهي حبتة بنت مالك من بني عمرو بن عوف.

وأما أبو سعد ابن حبتة: فهو عوف بن بحير بن معاوية بن سلمى بن بجيلة، حليف بني عمرو بن عوف الأنصاري، هكذا ساق نسب سعد بن حبتة في ” الاستيعاب “؛ وأما الخطيب أبو بكر البغدادي فإنه قال في تاريخه: هو سعد بن بجير بن معاوية بن قحافة بن بليل بن سدوس بن عبد مناف بن أبي أسامة بن سحمة بن سعد بن عبد اله بن قداد بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث بن بجيلة.

كان القاضي أبو يوسف المذكور من أهل الكوفة، وهو صاحب أبي حنيفة رضي الله عنه، كان فقيهاً عالماً حافظاً، سمع أبا إسحاق الشيباني وسليمان التيمي ويحيى بن سعيد الأنصاري والأعمش وهشام بن عروة وعطاء بن السائب ومحمد بن إسحاق بن يسار، وتلك الطبقة. وجالس محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثم جالس أبا حنيفة النعمان بن ثابت، وكان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة وخالفه في موضع كثيرة. روى عنه محمد بن الحسن الشيباني الحنفي وبشر بن الوليد الكندي وعلي بن الجعد وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين في آخرين.

وكان قد سكن بغداد وتولى القضاء بها لثلاثة من الخلفاء: المهدي وابنه الهادي ثم هارون الرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويجله، وكان عنده حظياً مكيناً، وهو أول من دعي بقاضي القضاة، ويقال إنه أول من غير لباس العلماء إلى هذه الهيئة التي هم عليها في هذا الزمان، وكان ملبوس الناس قبل ذلك شيئاً واحداً، لا يتميز أحد عن أحد بلباسه. ولم يختلف يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني في ثقته في النقل.

وذكر أبو عمر ابن عبد البر صاحب كتاب ” الاستيعاب ” في كتابه الذي سماه كتاب ” الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء “أن أبا يوسف المذكور كان حافظاً وأنه كان يحضر المحدث ويحفظ خمسين ستين حديثاً، ثم يقوم فيمليها على الناس، وكان كثير الحديث. وقال محمد بن جرير الطبري: وتحامى حديثه قوم من أهل الحديث من أجل غلبة الرأي عليه وتفريعه الفروع والأحكام، مع صحبة السلطان وتقلده القضاء.

وحكى أبو بكر الخطيب البغدادي في ” تاريخ بغداد ” أن أبا يوسف قال: كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقل رث الحال، فجاء أبي يوماً وأنا عند أبي حنيفة، فانصرفت معه، فقال: يا بني، لا تمد رجلك مع أبي حنيفة، فإن أبا حنيفة خبزه مشوي، وأنت تحتاج إلى المعاش، فقصرت عن كثير من الطلب وآثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني، فجعلت أتعاهد مجلسه، فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه قال لي: ما شغلك عنا؟ قلت: الشغل بالمعاش وطاعة والدي، فجلست، فلما انصرف الناس دفع إلي صرة وقال: استمتع بها، فنظرت فغذا فيها مائة درهم، فقال لي: الزم الحلقة وإذا فرغت هذه فأعلمني، فلزمت الحلقة، فلما مضت مدة يسيرة دفع إلي مائة أخرى، ثم كان يتعاهدني، وما أعلمته بخلة قط ولا أخبرته بنفاد شيء، وكأنه كان يخبر بنفادها، حتى استغنيت وتمولت.

ثم قال الخطيب: وحكي أن والد أبي يوسف مات وخلف أبا يوسف طفلاً صغيراً، وأن أمه هي التي أنكرت عليه حضور حلقة أبي حنيفة، ثم روى الخطيب أيضاً بإسناد متصل إلى علي بن الجعد قال: أخبرني أبو يوسف القاضي قال: توفي أبي وخلفني صغيراً في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصار أخدمه، فكنت أدع القصار وأمر إلى حلقة حلقة أبي حنيفة فأجلس أستمع، فكانت أمي تجيء خلفي فتأخذ بيدي فتذهب -بي- إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعنى بي، لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي وكطال عليها هربي قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء له وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسب دانقاً يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: مري يا رعناء، ها هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق، فانصرفت عنه وقالت له: أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك.

ثم لزمته فنفعني الله تعالى بالعلم، ورفعني حتى تقلدت القضاء، وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدم إلى هارون فالوذجة، فقال لي: يا يعقوب كل منها فليس في كل يوم يعمل لنا مثلها، فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه فالوذجة بدهن الفستق، فضحكت، فقال لي: مم ضحكك! فقلت: خيراً، أبقى الله أمير المؤمنين، قال: لتخبرني، وألح علي، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فعجب من ذلك وقال: لعمري إن العلم لينفع دنيا وديناً، وترحم على أبي حنيفة وقال: كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه.

وحكى علي بن المحسن التنوخي عن أبي عن جده قال: كان سبب اتصال أبي يوسف بالرشيد أنه كان قدم بغداد بعد موت أبي حنيفة رحمه الله تعالى فحنث بعض القواد في يمين، فطلب فقيهاً يستفتيه، فجيء بأبي يوسف فأفتاه أنه لم يحنث، فوهب له دنانير وأخذ له داراً بالقرب منه. ودخل القائد يوماً على الرشيد فوجده مغموماً، فسأله عن سبب غمه فقال: شيء من أمر الدين قد حزنني فاطلب فقيهاً كي أستفتيه، فجاءه بأبي يوسف. قال أبو يوسف: فلما دخلت إلى ممر بين الدور رأيت فتى حسناً عليه أثر الملك، وهو في حجرة محبوس، فأومأ إلي بأصبعه مستغيثاً فلم أفهم منه إرادته، وأدخلت إلى الرشيد، فلما مثلت بين يديه سلمت ووقفت فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: يعقوب أصلح الله أمير المؤمنين، قال: ما تقول في إمام شاهد رجلاً يزني هل يحده؟ قلت: لا، فحين قلتها سجد الرشيد، فوقع لي أنه قد رأى بعض أهله على ذلك وأن الذي أشار إلي بالاستغاثة هو الزاني. ثم قال الرشيد: من أين قلت هذا؟ قلت: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ادرأوا نهالحدود بالشبهات ” وهذه شبهة يسقط الحد معها، قال: وأي شبهة في المعاينة؟ قلت: ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى، والحدود لا تكون إلا بالعلم، وليس لأحد أخذ حقه بعلمه، فسجد مرة أخرى، وأمر لي بمال جزيل وأن ألزم الدار، فما خرجت حتى جاءتني هدية الفتى وهدية أمه وجماعته، وصار ذلك أصلاً للنعمة، ولزمت الدار، فكان هذا الخادم يستفتيني وهذا يشاورني، ولم يزل حالي يقوى عند الرشيد حتى قلدني القضاء.

قلت: وهذا يخالف ما نقلته قبل هذا من أنه ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء، وقال طلحة بن محمد بن جعفر: أبو يوسف مشهور الأمر ظاهر الفضل، وهو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره، ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان النهاية في العلم والحكم والرياسة والقدر، وأول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها، وبث على أبي حنيفة في أقطار الأرض.

وقال عمار بن أبي مالك: ما كان في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف، لولا أبو يوسف ما ذكر أبو حنيفة ولا محمد بن أبي ليلى، ولكنه هو نشر قولهما وبث علمهما.

وقال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: مرض أبو يوسف في زمن أبي حنيفة مرضاً خيف عليه منه، فعاده أبو حنيفة ونحن معه، فلما خرج من عنده وضع يده على عتبة بابه وقال: إن يمت هذا الفتى فإنه أعلم من عليها، وأومأ إلى الأرض.

وقال أبو يوسف: سألني الأعمش عن مسألة، فأجبته فيها فقال لي: من أين لك هذا؟ فقللت: من حديثك الذي حدثتنا أنت، ثم ذكرت له الحديث، فقال لي: يا يعقوب إني لأحفظ هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك وما عرفت تأويله حتى الآن.

وقال هلال بن يحيى: كان أبو يوسف يحفظ التفسير والمغازي وأيام العرب، وكان أقل علومه الفقه، ولم يكن في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف.

وذكر أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني في كتاب ” الجليس والأنيس ” عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: مضى أبو يوسف ليسمع المغازي من محمد بن إسحاق أو من غيره، وأخل بمجلس أبي حنيفة أياماً، فلما أتاه قال له أبو حنيفة: يا أبا يوسف، من كان صاحب راية جالوت؟ فقال له أبو يوسف: إنك إمام وإن لم تمسك عن هذا سألتك والله على رؤوس الملأ أيما كان أولاً وقعة بدر أو أحد؟ فإنك لا تدري أيهما كان قبل الآخر، فأمسك عنه.

وذكر في الكتاب المذكور أيضاً عن علي بن الجعد أن القاضي أبا يوسف كتب يوماً كتاباً، وعن يمينه إنسان يلاحظ ما يكتبه، ففطن له أبو يوسف، فلما فرغ من الكتابة التفت إليه وقال له: هل وقفت على شيء من خطأ؟ فقال: لا والله ولا حرف واحد، فقال له أبو يوسف: جزيت خيراً حيث كفيتنا مؤونة قراءته، ثم أنشد:

كأنه من سـوء تـأديبـه

 

أسلم في كتاب سوء الأدب

وقال حماد بن أبي حنيفة: رأيت أبا حنيفة يوماً وعن يمينه أبو يوسف وعن يساره زفر، وهما يتجادلان في مسألة، فلا يقول أبو يوسف قولاً إلا أفسده زفر، ولا يقول زفر قولاً إلا أفسده أبو يوسف، إلى وقت الظهر، فلما أذن المؤذن رفع أبو حنيفة يده فضرب بها فخذ زفر، وقال: لا تطمع في رياسة ببلدة فيها أبو يوسف، وقضى لأبي يوسف على زفر، ولم يكن بعد أبي يوسف في أصحاب أبي حنيفة مثل زفر.

وقال طاهر بن أحمد الزبيري: كان يجلس إلى أبي يوسف رجل فيطيل الصمت، فقال له أبو يوسف: ألا تتكلم، فقال: بلى، متى يفطر الصائم؟ فقال: إذا غابت الشمس، فقال: فإن لم تغب إلى نصف الليل، فضحك أبو يوسف وقال: أصبت في صميك وأخطأت أنا في استدعاء نطقك، ثم تمثل:

عجبت إزراء الغبي بـنـفـسـه

 

وصمت الذي قد كان بالقول أعلما

وفي الصمت ستر للغبي وإنـمـا

 

صحيفة لب المرء أن يتكـلـمـا

ومن كلام أبي يوسف: صحبة من لا يخشى العار عار يوم القيامة. وكان يقول: رؤوس النعم ثلاثة: فأولها نعمة الإسلام التي لا تتم نعمة إلا بها، والثانية: نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها، والثالثة نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا بها.

وقال علي بن الجعد: سمعت أبا يوسف يقول: العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كذلك، وأنت إذا أعطيته كذلك من إعطائه البعض كنت على غرر.

وكان أبو يوسف راكباً وغلامه يعدو وراءه، فقال له رجل: أتستحل أن تعدي غلامك وراءك؟ لم لا تركبه؟ فقال له: أيجوز عندك أن أسلم غلامي مكارباً؟ قال: نعم، قال أبو يوسف: فيعدو معي كما كان يعدو لو كان مكارباً. وقال يحيى بن عبد الصمد: خوصم أمير المؤمنين الهادي إلى القاضي أبي يوسف في بستانه، وكان الحكم في الظاهر للهادي وفي الباطن خلاف ذلك، فقال الهادي للقاضي أبي يوسف: ما صنعت في الأمر الذي نتنازع إليك فيه؟ فقال: خصم أمير المؤمنين يسألني أن أحلف أمير المؤمنين أن شهوده شهدوا على حق، فقال له الهادي: وترى ذلك؟ قال: فقد كان ابن أبي ليلى يراه، فقال: اردد البستان عليه، وإنما احتال عليه أبو يوسف لعلمه أن الهادي لا يحلف وقال بشر بن الوليد الكندي، قال لي القاضي أبو يوسف: بينا أنا البارحة قد أويت إلى فراشي فإذا داق يدق الباب دقاً شديداً، فأخذت علي إزاري وخرجت، فإذا هرثمة بن أعين، فسلمت عليه، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقلت: يا أبا حاتم، لي بك رحمة، وهذا وقت كما ترى، ولست آمن أن يكون أمير المؤمنين قد دعاني لأمر من الأمور، فإن أمكنك أن تدفع بذلك إلى غد فلعله أن يحدث له رأي، فقال: ما لي إلى ذلك سبيل، قلت: كيف كان السبب؟ قال: خرج إلي مسرور فامرني أن آتي بك أمير المؤمنين، فقلت: تأذن لي أن أصب علي ماء وأتحنط؟ فإن كان أمر من الأمور كنت قد أحكمت شأني وإن رزق الله العافية فلن يضرني، فأذن لي، فدخلت فلبست ثياباً جدداً، وتطيبت بما أمكن من الطيب، ثم خرجنا فمضينا حتى أتينا دار أمير المؤمنين هارون الرشيد فإذا مسرور واقف، فقال له هرثمة: قد جئت به، فقلت لمسرور: يا أبا هاشم خدمتي وحرمتي وميلي، وهذا وقت ضيق، فتدري لم طلبني أمير المؤمنين؟ قال: لا، فقلت: فمن عنده؟ قال: عيسى بن جعفر، قلت: ومن؟ قال: ما عندهما ثالث، ثم قال لي: مر، فإذا صرت في الصحن فإنه في الرواق، وهو ذاك جالس فحرك رجلك بالأرض، فإنه سيسألك فقل: أنا. قال أبو يوسف: فجئت ففعلت ذلك فقال: من هذا، فقلت: يعقوب، فقال: ادخل، فدخلت فإذا هو جال وعن يمينه عيسى بن جعفر، فسلمت فرد السلام علي وقال: أظننا روعناك؟ فقلت: إي والله وكذلك من خلفي، فقال: اجلس، فجلست حتى سكن روعي، ثم التفت إلي وقال: يا يعقوب، تدري لم دعوتك؟ قلت: لا، قال: دعوتك لأشهدك على هذا إن عنده جارية سألته أن يهبها لي فامتنع، وسألته أن يبيعها فأبى، والله لئن لم يفعل لأقتلنه، قال أبو يوسف: فالتفت إلى عيسى فقلت له: وما بلغ الله بجارية تمنعها أمير المؤمنين وتنزل نفسك هذه المنزلة؟ قال فقال لي: عجلت علي في القول قبل أن تعرف ما عندي، قلت: وما في هذا من الجواب؟ قال: إن علي يميناً بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن لا أبيع في هذه الجارية ولا أهبها، فالتفت إلي الرشيد فقال: هل له في ذلك من مخرج؟ قلت: نعم، قال: وما هو؟ قلت: يهب لك نصفها ويبيعك نصفها، فيكون لم يهب ولم يبع، فقال عيسى: ويجوز ذلك؟ قلت: نعم، قال: فأشهدك أني قد وهبت له نصفها وبعته نصفها الباقي بمائة ألف دينار، فقال له الرشيد: قبلت الهبة واشتريت نصفها بمائة ألف دينار، ثم طلب منه الجارية، فأتى بالجارية وبالمال، فقال: خذها يا أمير المؤمنين بارك الله لك فيها، فقال الرشيد: يا يعقوب بقيت واحدة، فقلت: وما هي؟ فقال: هي مملوكة ولا بد أن تستبرأ، ووالله لئن لم أبت معها ليلتي هذه إني لأظن أن نفسي ستخرج، فقلت: يا أمير المؤمنين تعتقها وتتزوجها، فإن الحرة لا تستبرأ، قال: فإني قد أعتقتها فمن يزوجنيها؟ فقلت: أنا. فدعا بمسرور وحسين، فخطبت وحمدت الله تعالى ثم زوجته إياها على عشرين ألف دينار، ودعا بالمال فدفعه إليها، ثم قال لي: يا يعقوب انصرف، ورفع رأسه إلى مسرور فقال: يا مسرور، فقال: لبيك، فقال: احمل إلى يعقوب مائتي ألف درهم وعشرين تختاً ثياباً، فحمل ذلك معي.

قال بشر بن الوليد: فالتفت إلي أبو يوسف وقال: هل رأيت بأساً فيما فعلت؟ فقلت: لا، فقال: خذ حقك منها، قلت: وما حقي؟ فقال: العشر، قال بشر: فشكرته ودعوت له وذهبت لأقوم، فإذا بعجوز قد دخلت فقالت: يا أبا يوسف إن بنتك تقرئك السلام وتقول لك: والله ما وصل إلي في ليلتي هذه من أمير المؤمنين إلا المهر الذي قد عرفته، وقد حملت إليك النصف منه وخلفت الباق لما أحتاج إليه، فقال: رديه فوالله لا قبلتها؛ أخرجتها من الرق وزوجتها أمير المؤمنين وترضى لي بهذا! قال بشر: فلم نزل نطلب إليه أنا وعمومتي حتى قبلها، وأمر لي منها بألف دينار. وقال أبو عبد الله اليوسفي: إن أم جعفر زبيدة ابنة جعفر زوجة الرشيد كتبت إلى أبي يوسف: ما ترى في كذا، وأحب الأشياء إلي أن يكون الحق فيع كذا، فأفتاها بما أحبت، فبعثت إليه بحق فضة فيه حقاق فضة مطبقات، في كل واحد لون من الطيب، وفي جام دراهم وسطها جام فيه دنانير، فقال له جليس له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أهديت له هدية فجلساؤه شركاؤه فيها، فقال أبو يوسف: ذاك حين كانت الهدايا اللبن والتمر.

وقال يحيى بن معين: كنت عند أبي يوسف القاضي وعنده جماعة من أصحاب الحديث وغيرهم، فوافته هدية أم جعفر احتوت على تخوت دبيقي ومصمتٍ وشرب وطيب وتماثيل ند وغير ذلك، فذاكرني رجل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أتته هدية وعنده قوم جلوس فهم شركاؤه فيها، فسمعه أبو يوسف فقال: أبي تعرّض؟ ذاك إنما قاله النبي صلى الله عليه وسلم والهدايا يومئذ القط والتمر والزبيب، ولم تكن الهدايا ما ترون، يا غلام أشل إلى الخزاين.

ونقلت من كتاب اسمه ” اللفيف ” ولم يذكر فيه من هو منصفه قال: كان عبد الرحمن بن مسهر أخو علي بن مسهر قاضياً على المبارك – قلت: وهي بضم الميم وبعدها باء موحدة وبعد الألف راء مفتوحة وبعدها كاف، وهي بليدة بين بغداد وواسط على شاطئ دجلة – قال: فبلغ القاضي خروج الرشيد إلى البصرة ومعه أبو يوسف القاضي في الحراقة، فقال عبد الرحمن القاضي لأهل ذلك، فلبس ثيابه وقلنسوة طويلة وطيلساناً أسود، وجاء إلى الشريعة، فلما صدق، ثم مضى إلى شريعة أخرى فقال مثل مقالته الأولى، فالتفت هارون إلى أبي يوسف وقال: يا يعقوب هذا شر قاض في الأرض، قاض في موضع لا يثني عليه إلا رجل واحد! فقال له أبو يوسف: وأعجب من هذا يا أمير المؤمنين هو القاضي يثني على نفسه، قال: فضحك هارون وقال: هذا أظرف الناس، هذا لا يعزل أبداً، وكان الرشيد إذا ذكره يقول: هذا لا يعزل أبداً. وقيل لأبي يوسف: أتولي مثل هذا القضاء؟ فقال: إنه أقام ببابي مدة وشكا إلي الحاجة فوليته.

وقال أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، صاحب كتاب ” الفصاحة “: أخبرني بعض أصحابنا قال، قال الرشيد لأبي يوسف: بلغني أنك تقول: إن هؤلاء الذين يشهدون عندك وتقبل أقوالهم متصنعة، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وكيف ذاك؟ قال: لأن من صح ستره وخلصت أمانته لم يعرفنا ولم نعرفه، ومن ظهر أمره وانكشف خبره لم يأتنا ولم نقبله، وبقيت هذه الطبقة وهم هؤلاء المتصنعة الذين أظهروا الستر وأبطنوا غيره، فتبسم الرشيد وقال: صدقت.

وقال محمد بن سماعة: سمعت أبا يوسف في اليوم الذي مات فيه يقول: اللهم إنك تعلم أني لم أجر في حكم حكمت فيه بين اثنين من عبادك تعمداً، ولقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وكل ما أشكل علي جعلت أبا حنيفة بيني وبينك، وكان عندي والله ممن يعرف أمرك ولا يخرج عن الحق وهو يعلمه.

قلت: وهذا الكلام مأخوذ من قول أبي محمد عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد رؤي يمسح على خفيه، فقيل له: تمسح؟ قال: نعم، قد مسح عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومن جعل عمر بينه وبين الله فقد استوثق، ذكر هذا ابن قيبة في كتاب ” المعارف ” في ترجمة علي رضي الله عنه.

وأخبار أبي يوسف كثيرة، وأكثر الناس من العلماء على تفضيله وتعظيمه.

وقد نقل الخطيب البغدادي في تاريخه الكبير ألفاظاً عن عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح ويزيد بن هارون ومحمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسن الدارقطني وغيرهم، ينبو السمع عنها، فتركت ذكرها، والله أعلم بحاله.

وكانت ولادة القاضي أبي يوسف سنة ثلاث عشرة ومائة. وتوفي يوم الخميس أو لوقت الظهر لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائة ببغداد. وقيل إنه توفي سنة اثنتين وسبعين ومائة، والأول أصح. وولي القضاء سنة ست وستين ومائة، ومات وهو على القضاء، رحمه الله تعالى.

وأما ولده يوسف، فإنه كان قد نظر في الرأي وفقه وسمع الحديث من يونس بن أبي إسحاق السبيعي والسري بن يحيى وغيرهما. وولي القضاء بالجانب الغربي من بغداد في حياة أبيه، وصلى بالناس الجمعة في مدينة المنصور بأمر هارون الرشيد، ولم يزل على القضاء إلى أن مات في رجب سنة اثنتين وتسعين ومائة ببغداد. وذكر الخطيب أن أبا يوسف القاضي لما مات ولى الرشيد مكانه أبا البختري وهب بن وهب القرشي، قلت: وقد تقدم ذكره في حرف الواو.