الصليحي

الصليحي
توفي 473 هـ

أبو الحسن علي بن محمد بن علي الصليحي القائم باليمن؛ كان أبوه محمد قاضياً باليمن سني المذهب، وكان أهله وجماعته يطيعونه، وكان الداعي عامر بن عبد الله الزواحي يلاطفه ويركب إليه، لرياسته وسؤدده وصلاحه وعلمه، فلم يزل عامر المذكور حتى استمال قلب ولده علي وهو يومئذ دون البلوغ ولاحت له فيه مخايل النجابة، وقيل كانت عنده حلية علي الصليحي في كتاب “الصور” وهو من الذخائر القديمة، فأوقفه منه على تنقل حاله وشرف مآله، وأطلعه على ذلك سراً من أبيه وأهله.

ثم مات عامر عن قرب وأوصى له بكتبه وعلومه، ورسخ في ذهن علي من كلامه ما رسخ، فعكف على الدرس، وكان ذكياً، فلم يبلغ الحلم حتى تضلع من معارفه التي بلغ بها وبالجد السعيد غاية الأمل البعيد، فكان فقيهاً في مذهب الدولة الإمامية مستبصراً في علم التأويل، ثم إنه صار يحج بالناس دليلاً على طريق السراة والطائف خمس عشرة سنة وكان الناس يقولون له: بلغنا أنك ستملك اليمن بأسره ويكون لك شأن، فيكره ذلك وينكره على قائله، مع كونه أمراً قد شاع وكثر في أفواه الناس، الخاصة والعامة؛ ولما كان في سنة تسع وعشرين وأربعمائة ثار في رأس مسار، وهو أعلى ذروة في جبال اليمن، وكان معه ستون رجلاً قد حالفهم بمكة في موسم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة على الموت والقيام بالدعوة وما منهم إلا من هو من قومه وعشائره في منعة وعدد كثير، ولم يكن برأس الجبل المذكور بناء، بل كان قلة منيعة عالية، فلما ملكها لم ينتصف نهار ذلك اليوم الذي ملكها في ليلته إلا وقد أحاط به عشرون ألف ضارب سيف وحصروه وشتموه وسفهوا رأيه وقالوا له: إن نزلت وإلا قتلناك أنت ومن معك بالجوع، فقال لهم: لم أفعل هذا إلا خوفاً علينا وعليكم أن يملكه غيرنا، فإن تركتموني أحرسه وإلا نزلت إليكم، فانصرفوا عنه؛ ولم تمض عليه أشهر حتى بناه وحصنه وأتقنه.

واستفحل أمر الصليحي شيئاً فشيئاً، وكان يدعو للمستنصر صاحب مصر في الخفية، ويخاف من نجاح صاحب تهامة ويلاطفه ويستكين لأمره، وفي الباطن يعمل الحيلة في قتله، ولم يزل حتى قتله بالسم مع جارية جميلة أهداها إليه، وذلك في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة بالكدراء. وفي سنة ثلاث وخمسين كتب الصليحي إلى المستنصر يستأذنه في إظهار الدعوة، فأذن له، فطوى البلاد طياً وفتح الحصون والتهائم، ولم تخرج سنة خمس وخمسين إلا وقد ملك اليمن كله سهله ووعره وبره وبحره، وهذا أمر لم يعهد مثله في جاهلية ولا إسلام، حتى قال يوماً وهو يخطب الناس في جامع الجند: وفي مثل هذا اليوم نخطب على منبر عدن، ولم يكن ملكها بعد، فقال بعض من حضر مستهزئاً: سبوح قدوس، فأمر بالحوطة عليه، وخطب الصليحي في مثل ذلك اليوم على منبر عدن، فقام ذلك الإنسان وتغالى في القول وأخذ البيعة ودخل في المذهب.

ومن سنة خمس وخمسين استقر حاله في صنعاء، وأخذ معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم، وأسكنهم معه وولى في الحصون غيرهم، واختط بمدينة صنعاء عدة قصور، وحلف أن لا يولي تهامة إلا لمن وزن مائة ألف دينار، فوزنت له زوجته أسماء عن أخيها أسعد بن شهاب، فولاه، وقال لها: يا مولاتنا أنا لك هذا؟ فقالت: (هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب)، فتبسم وعلم أنه من خزانته، فقبضه وقال: (هذه بضاعتنا ردت إلينا، ونمير أهلنا ونحفظ أخانا).

ولما كان في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة عزم الصليحي على الحج، فأخذ معه الملوك الذين كان يخاف منهم أن يثوروا عليه، واستصحب زوجته أسماء ابنة شهاب، واستخلف مكانه ولده الملك المكرم أحمد، وهو ولدها أيضاً، وتوجه في ألفي فارس فيهم من آل الصليحي مائة وستون شخصاً، حتى إذا كان بالمهجم، ونزل في ظاهرها بضيعة يقال لها أم الدهيم وبئر أم معبد، وخيمت عساكره والملوك التي معه من حوله، لم يشعر الناس حتى قيل: قد قتل الصليحي، فانذعر الناس وكشفوا عن الخبر، فكان سعيد الأحول ابن نجاح التي قتلته الجارية بالسم قد استتر في زبيد، وكان أخوه جياش في دهلك، فسير إليه وأعلمه أن الصليحي متوجه إلى مكة، فتحضر حتى نقطع عليه الطريق ونقتله، فحضر جياش إلى زبيد، وخرج هو وأخوه سعيد ومعهما سبعون رجلاً بلا مركوب ولا سلاح، بل مع كل واحد جريدة في رأسها مسمار حديد، وتركوا جادة الطريق وسلكوا طريق الساحل، وكان بينهم وبين المهجم مسيرة ثلاثة أيام للمجد.

وكان الصليحي قد سمع بخروجهم، فسير خمسة آلاف حربة من الحشة الذين في ركابه لقتالهم، فاختلفوا في الطريق، فوصل سعيد ومن معه إلى طرف المخيم، وقد أخذ منهم التعب والحفاء وقلة المادة، فظن الناس أنهم من جملة عبيد العسكر، ولم يشعر بهم إلا عبد الله أخو علي الصليحي، فقال لأخيه: يا مولانا اركب، فهذا والله الأحول سعيد بن نجاح، وركب عبد الله، فقال الصليحي لأخيه: إني لا أموت إلا بالدهيم وبئر أم معبد، معتقداً أنها أم معبد التي نزل بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما هاجر إلى المدينة، فقال له رجل من أصحابه: قاتل عن نفسك، فهذه والله الدهيم وهذه بئر أم معبد، فلما سمع الصليحي ذلك لحقه زمع اليأس من الحياة، وبال، ولم يبرح من مكانه حتى قطع رأسه بسيفه وقتل أخوه معه وسائر الصليحين.

ثم إن سعيداً أرسل إلى خمسة الآلاف التي أرسلها الصليحي لقتالهم، وقال لهم: إن الصليحي قد قتل، وأنا رجل منكم، وقد أخذت ثأر أبي، فقدموا عليه وأطاعوه، واستعان بهم على قتال عسكر الصليحي، فاستظهر عليهم قتلاً وأسرا ونهباً، ثم رفع رأس الصليحي على عود المظلة، وقرأ القارئ: (قل اللهم مالك الملك). ورجع إلى زبيد، وقد حاز الغنائم ملكاً عقيماً، ودخلها في السادس عشر من ذي القعدة من السنة وملكها، وملك بلاد تهامة. ولم يزل على ذلك حتى قتل في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة بتدبير الحرة، وهي امرأة من الصليحيين.

المرجع: وفيات الأعيان