الشيخ جمال الدين القاسمي

الشيخ جمال الدين القاسمي
1914-1866م

ولد الشيخ جمال الدين القاسمي في دمشق وعاش فيها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. فالعصر الذي قضى فيه معظم حياته كان، على حد تعبير ابنه ظافر القاسمي، من “أشد أيام الظلام والظلم. فقد ولد ونظام الحكم المطلق قائم في الدولة العثمانية.. فالحريات بجميع أنواعها مفقودة، والأقلام مغلولة والعقول مقيدة والصحافة على ضعفها وقلتها مكبلة، والأحرار مطاردون، والدستور معلق”.

أما الحياة الثقافية فقد كادت أن تفقد، إن لم تكن قد فقدت فعلاً. معاهد العلم المنظمة مفقودة، والطباعة والصحافة لا تكادان تذكران لضعفهما. وقد انتشرت الامية بحيث أن الرسالة “لَتَصل إلى أحد الناس في الحي، فيبحثون عمن يقرأها فلا يجدون إلا واحداً أو اثنين”.

هذا الجو عاش فيه الشيخ جمال الدين القاسمي، وعمل طالب علم ومدرساً ومحدثاً ومؤلفاً ومصلحاً. تعلم في البيت أولا، وكان القرآن كتابه الأول. ثم أخذ ينتقل من شيخ إلى شيخ بدءاً بمعلم الخط، ثم إلى الشيوخ أحمد الحلواني وسليم العطار وبكري العطار ومحمد النقشبندي وحسن جبينة. والتحق بالمدرسة الظاهرية.

كان من عادة الحكومة أن تنتدب الشاب المتعلم لإقراء دروس عامة في شهر رمضان، وكان هو قد قرأ وهو في الرابعة عشرة من سنة، فاختير لوادي العجم ثم في سنة تالية لقضاء النبك، وأخيراً على بعلبك. ولما توفي والده سنة 1898، وكان يلقي درساً عاماً في جامعة السنانية، طلب منه أن يتولى الأمر مكانه فقبل. وظل هذا الجامع منبره المفضل ومكتبه الأثير طيلة حياته.

أعان القاسمي على النجاح في دعوته وتعليمه وتآليفه الخلق المتين وطلاقة اللسان وعذوبة البيان، وقوة الحجة، فضلاً إلى تمكنه من علومه التي نذر نفسه لها وثقافة واسعة جاءته من قراءاته المنوعة ورحلاته إلى بيت المقدس وبيروت ومصر والمدينة المنورة.

مرّت بالقاسمي ونفر من أترابه ومعاصريه أوقات صعبة على يد أهل الحكم لعلم أكبرها أثراً في نفسه كانت “حادثة المجتهدين” سنة 1313هـ. فقد دأب نفر من علماء دمشق في تلك السنة على الاجتماع والمذاكرة، انتهى عددهم إلى عشرة. ثم اندس بينهم من لا علاقة له بالعلم، وكانوا ثلاثة لم يلبثوا أن أخذوا ينشرون عنهم أخباراً مختلقة، وتعمدوا أن تصل هذه إلى الوالي، فعقد المفتي مجلساً خاصاً لمحاكمتهم في المحكمة الشرعية، ووجهت إليهم تهم أهمها أنهم عدوا أنفسهم مجتهدين، وهذا تجاوز على الأوضاع الشرعية؛ وأنهم اعتبروا أن الخلافة أصبحت ملكاً عضوداً، وأنهم كانوا يخفون أعمالاً سياسية وراء هذه الاجتماعات الدينية ظاهراً. ويبدو أن الشيخ جمال الدين القاسمي كان المقصود بالذات. ومع أن الأمر انتهى بأن عاد الجميع إلى بيوتهم حالاً، إلا أن القاسمي قضى ليلة في الحفظ. ومما يلفت في القضية أنها حدثت بعد أن أعيد الدستور، أي على أيدي أولئك الذين خلعوا السلطان عبد الحميد لظلمه، وانفردوا عندها بأحرار العرب يوسعونهم ظلماً واضطهاداً، وتعليقاً على المشانق فيما بعد.

هذا الرجل الذي لم يعمر حتى نصف القرن، كان يشغل وقته كله بالكتابة والتأليف، عندما لا يكون يذاكر أو يلقي درساً. كان يكتب في كل مكان. ومن هنا فقد وضع عددا كبيراً من المؤلفات بين رسائل صغيرة من جهة وبين “محاسن التأويل”، وهو تفسيره الكبير للقرآن الكريم، الذي جاء في اثني عشر جزءاً، إلا أنه طبع فس سبعة عشر مجلداً.

زار القاسمي بيت المقدس وأقام وصحبه في مكان في الحرم الشريف، تبركاً بالمكان. وطلب مجاورو الحرم من القاسمي قراءة درس عام فأبى “خوفا من دخول العجب عياذاً بالله فتحبط الرحلة”. وقد زار في القدس المكتبة الخالدية وكنيسة القيامة ورآها موضعاً موضعاً.

رحل القاسمي إلى مصر. وقد افتتن بالطبيعة المصرية وبالمدن وسعتها وشوارعها وتقدمها. وقد ترك وصفاً دقيقاً لدرس من دروس الإمام محمد عبده في الأزهر، وفيه أبدى إعجابه بهذا العالم المتميز. كما أقام القاسمي وصحبه في الحرم الشريف لما زاروا بيت المقدس. وزاروا آثار القاهرة وأهرامها ومتاحفها. وكان رفيق العظم، وهو صديق القاسمي، دليل الجماعة في القاهرة فأخذهم إلى المقتطف، كما أن صاحب المنار زارهم في الأزهر، وصاحبهم في التنقل والزيارة. وكان ممن زارهم أيضاَ العلامة الشيخ عبد القادر الرافعي الطرابلسي شيخ رواق الشام.

عام 1910 رحل القاسمي إلى المدينة المنورة، وقد دون رحلته باختصار هذه المرة، فقد كان مشغولاً “بمحاسن التأويل”.

عادت الجماعة بعد غياب نحو الأسبوعين. وختم القاسمي حديثه عن هذه الرحلة بقوله: “وأسفنا أشد الأسف على عاجلة رفاقنا في الأوبة، ورجونا من المولى أن ييسر لنا العودة، إنه الكريم المجيب. وقد بلغ ما صرفه كل واحد منا على هذه الرحلة من القروش 1128.5”.

كان القاسمي يتنبه، في كل مكان يزوره، إلى مظاهر المدنية الحديثة، كما كان يقرأ عنها كثيراً، مع أنه لم يرحل إلى الغرب. وقد قال عن مدنية الغرب: “أما ما استحسنه من مدنية الغرب فهو سعيهم المتواصل في سبيل الكسب بجد ونشاط، ورغبتهم في طلب العلم رغبة عامة، تتناول جميع طبقات الشعب، وتقديسهم الوطنية.. واتحادهم على العمل اتحاداً لا انفصام لعروته واحترامهم لكل نابغ فيهم”. فهو كان يريد لقومه أن يقبسوا النافع أنى وجدوه.

بلغت مؤلفات القاسمي نحو التسعين. وفي نظر الكثيرين أن “محاسن التأويل” هو من أفضل ما تم على يد مفسر مسلم في العصور الحديثة. وقد عمل في تأليفه نحوا من اثنتي عشرة سنة، ثم أعاد النظر فيه، وظل فيه إلى حين وفاته تقريباً.

حرك القاسمي مياه الفكر الراكدة، فأثار من حوله للاهتمام بالعلم، وخلق جيلاً من أهل الفكر الإسلامي الإصلاحي في دمشق وما إليها.