الخليل بن أحمد

الخليل بن أحمد
100- 173 هـ

أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري وهو عربي النسب من الأزد، ولد في عُمان عام 100 هـ، وهو مؤسس علم العروض ومعلم سيبويه وواضع أول معجم للغة العربية وهو العين. ولد إباضياً، وتحول إلى مذهب أهل السنة والجماعة.

أخذ النحو عنه سيبويه والنضر بن شميل وهارون بن موسى النحوي ووهب بن جرير والأصمعي والكسائي وعلي بن نصر الجهضمي. وأخذ هو عن أبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر الثقفي وحدث عن أيوب السختياني وعاصم الأحول والعوام بن حوشب وغالب القطان. وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي.

كان الخليل زاهداً ورعاً وقد نقل ابن خلكان عن تلميذ الخليل النضر بن شميل قوله: «أقام الخليل في خص له بالبصرة، لا يقدر على فلسين، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال». كما نقل عن سفيان بن عيينة قوله: «من أحب أن ينظر إلى رجلٍ خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد».

يعد الخليل بن أحمد من أهم علماء المدرسة البصرية وتنسب له كتب “معاني الحروف” وجملة آلات الحرب والعوامل والعروض والنقط، كما قام بتغيير رسم الحركات إذ كانت التشكيلات على هيئة نقاط بلون مختلف عن لون الكتابة، وكان تنقيط الإعجام (التنقيط الخاص بالتمييز بين الحروف المختلفة كالجيم والحاء والخاء) قد شاع في عصره، بعد أن أضافه إلى الكتابة العربية تلميذا أبي الأسود نصر بن عاصم ويحيى بن يعمرالتابعي، فكان من الضروري تغيير رسم الحركات ليتمكن القارئ من التمييز بين تنقيط الحركات وتنقيط الإعجام. فجعل الفتحة ألفًا صغيرة مائلة فوق الحرف، والكسرة ياءً صغيرة تحت الحرف، والضمة واواً صغيرة فوقه. أما إذا كان الحرف منوناً كرر الحركة، ووضع شينا غير منقوطة للتعبير عن الشدة ووضع رأس عين للتدليل على وجود الهمزة وغيرها من الحركات كالسكون وهمزة الوصل، وبهذا يكون النظام الذي اتخذه قريباً هو نواة النظام المتبع اليوم.

ورد في “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

“أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي ويقال: الفرهودي الأزدي اليحمدي؛ كان إماماً في علم النحو، وهو الذي استنبط علم العروض وأخرجه إلى الوجود وحصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحراً، ثم زاد فيه الأخفش بحراً آخر وسماه الخبب. وقيل إن الخليل دعا بمكة أن يرزق علماً لم يسبقه أحد إليه ولا يؤخذ إلا عنه، فرجع من حجة ففتح عليه بعلم العروض، وله معرفة بالإيقاع والنغم، وتلك المعرفة أحدثت له علم العروض، فإنهما متقاربان في المأخذ.

وقال حمزة بن الحسن الأصبهاني في حق الخليل بن أحمد في كتابه الذي سماه “التنبيه على حدوث التصحيف”: “وبعد، فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه، ولا على مثال تقدمه احتذاه، وإنما اخترعه من ممر له بالصفارين من وقع مطرقة على طست ليس فيهما حجة ولا بيان يؤديان إلى غير حليتهما أو يفيدان غير جوهرهما، فلو كانت أيامه قديمة ورسومه بعيدة لشك فيه بعض الأمم لصنعته ما لم يصنعه أحد منذ خلق الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره، ومن تأسيسه بناء كتاب “العين” الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة، ثم من إمداده سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه الذي هو زينة لدولة الإسلام، انتهى كلامه.

وكان الخليل رجلاً صالحاً عاقلاً حليماً وقوراً، ومن كلامه: لا يعلم الإنسان خطأ معلمه حتى يجالس غيره. وقال تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين، واصحابه يكسبون بعلمه الأموال، ولقد سمعته يوماً يقول: إني لأغلق علي بابي فما يجاوزه همي. وكان يقول: أكمل ما يكون الإنسان عقلاً وذهناً إذا بلغ أربعين سنة، وهي السن التي بعث الله تعالى فيها محمداً صلى الله عليه وسلم، ثم يتغير وينقص إذا بلغ ثلاثاً وستين سنة، وهي السن التي قبض فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصفى ما يكون ذهن الإنسان في وقت السحر.

وكان له راتب على سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي وكان والي فارس والأهواز، فكتب إليه يستدعيه، فكتب الخليل جوابه:

أبلغ سليمان أني عنـه فـي سـعة   وفي غنى غير أني لست ذا مـال

شحاً بنفـسـي أنـي لا أرى أحـداً      يموت هزلاً ولا يبقى علـى حـال

الرزق عن قدر لا ا لضعف ينقصه       ولا يزيدك فيه حـول مـحـتـال

والفقر في النفس لا في المال نعرفه ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال

فقطع عنه سليمان الراتب فقال الخليل:

إن الذي شق فمي ضامن  للرزق حتى يتوفـانـي

حرمتني خيراً قليلاً فمـا      زادك في مالك حرماني

فبلغت سليمان فأقامته وأقعدته، وكتب إلى الخليل يعتذر إليه، وأضعف راتبه، فقال الخليل:

وزلة يكثر الـشـيطـان إن ذكـرت        منها التعجب جاءت من سلـيمـانـا

لا تعجـبـن لـخـير زل عـن يده           فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا

واجتمع الخليل وعبد الله بن المقفع ليلة يتحدثان إلى الغداة، فلما تفرقا قيل للخليل: كيف رأيت ابن المقفع؟ فقال: رأيت رجلاً علمه أكثر من عقله، وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ قال: رأيت رجلاً عقله أكثر من علمه.

وللخليل من التصانيف كتاب “العين” في اللغة وهو مشهور، وكتاب “العروض” وكتاب “الشواهد” وكتاب “النقط والشكل” وكتاب “النغم” وكتاب في العوامل.

وأكثر العلماء العارفين باللغة يقولون: إن كتاب العين في اللغة المنسوب إلى الخليل بن أحمد ليس تصنيفه، وإنما كان قد شرع فيه ورتب أوائله وسماه ب? “العين”، ثم مات فأكمله تلامذته النضر بن شميل ومن في طبقته وهم مؤرج السدوسي ونصر بن علي الجهضمي وغيرهما، فما جاء الذي عملوه مناسباً لما وضعه الخليل في الأول، فأخرجوا الذي وضعه الخليل منه، وعملوا أيضاً الأول، فلهذا وقع فيه خلل كثير يبعد وقوع الخليل في مثله، وقد صنف ابن درستويه في ذلك كتاباً استوفى الكلام فيه، وهو كتاب مفيد.

ويقال: إن الخليل كان له ولد مختلف، فدخل على أبيه يوماً فوجده يقطع بيت شعر بأوزان العروض، فخرج إلى الناس وقال: إن أبي قد جن، فدخلوا عليه وأخبروه بما قال ابنه، فقال مخاطباً له:

لو كنت تعلم ما أقول عذرتني          أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا

لكن جهلت مقالتي فعذلتنـي                      وعلمت أنك جاهل فعذرتكا

وقد روي عنه أنه أنشد، ولم يذكر لنفسه أم لغيره:

يقولون لي دار الأحبة قد دنت          وأنت كئيب إن ذا لعـجـيب

فقلت: وما تغني الديار وقربها          إذا لم يكن بين القلوب قريب

ويحكى عنه أنه قال: كان يتردد إلى شخص يتعلم العروض وهو بعيد الفهم، فأقام مدة ولم يعلق على خاطره شيء منه، فقلت له يوماً: قطع هذا البيت:

إذا لم تستطيع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع

فشرع معي في تقطيعه على قد معرفته، ثم نهض ولم يعد يجيء إلي، فعجبت من فطنته لما قصدته في البيت مع بعد فهمه.

وأخبار الخليل كثيرة، وسيبويه عنه أخذ علوم الأدب-وسيأتي ذكره في حرف العين المهملة إن شاء الله تعالى-. ويقال: إن أباه أحمد أول من سمي بأحمد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذا ذكره المرزباني في كتاب “المقتبس” نقلاً عن أحمد بن أبي خيثمة. وكانت ولادته في سنة مائة للهجرة. وتوفي سنة سبعين، وقيل خمس وسبعين ومائة، وقيل عاش أربعاً وسبعين سنة، رحمه الله تعالى. وقال ابن قانع في تاريخه المرتب على السنين: إنه توفي سنة ستين ومائة. وقال ابن الجوزي في كتابه الذي سماه “شذور العقود”: إنه مات سنة ثلاثين ومائة، وهذا غلط قطعاً، لكن نقله الواقدي، ومات بالبصرة-أعني الخليل-وكان سبب موته أنه قال: أريد أن أقرب نوعاً من الحساب تمضي به الجارية إلى البياع فلا يمكنه ظلمها، ودخل المسجد وهو يعمل فكره في ذلك، فصدمته سارية وهو غافل عنها بفكره، فانقلب على ظهره، فكانت سبب موته، وقيل: بل كان يقطع بحراً من العروض.

والفراهيدي-بفتح الفاء والراء وبعد الألف هاء مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها دال مهملة-هذه النسبة إلى فراهيد، وهي بطن من الأزد، والفرهودي واحدها، والفرهود: ولد الأسد بلغة أزد شنوءة، وقيل: إن الفراهيد صغار الغنم.

واليحمدي-بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الحاء المهملة وفتح الميم وبعدها دال مهملة-نسبة إلى يحمد، وهو أيضاً: بطن من الأزد، خرج منه خلق كثير.

ويحكى أن الخليل ينشد كثيراً هذا البيت، وهو للأخطل:

وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد         ذخراً يكون كصالح الأعمـال

وجاء في “معجم الأدباء” لياقوت الحموي قوله:

” ابن عمر بن تميمٍ أبو عبد الرحمن الفراهيدي، ويقال: الفرهودي نسبة إلى فراهيد بن مالك بن فهم بن عبد الله ابن مالك بن مضر الأزدي البصري، سيد الأدباء في علمه وزهده.

قال السيرافي: كان الغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله. أخذ عن أبي عمرو بن العلا وروى عن أيوب وعاصمٍ الأحول وغيرهما، وأخد عنه الأصمعي، وسيبويه، والنضر بن شميلٍ، وأبو فيد مؤرج السدوسي، وعلي بن نصرٍ الجهضمي وغيرهم، وهو أول من استخرج العروض وضبط اللغة وحصر أشعار العرب، يقال إنه دعا بمكة أن يرزقه الله تعالى علماً لم يسبق به، فرجع وفتح عليه بالعروض وكانت معرفته بالإيقاع هو الذي أحدث له علم العروض، وكان يقول الشعر فينظم البيتين والثلاثة ونحوها.

وكان سفيان النوري يقول: من أحب أن ينظر إلى رجلٍ خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد، ويروي عن النضر بن شميلٍ أنه قال: كنا نمثل بين ابن عونٍ والخليل بن أحمد أيهما نقدم في الزهد والعبادة، فلا ندري أيهما نقدم؟ وكان يقول: ما رأيت رجلاً أعلم بالسنة بعد ابن عونٍ من الخليل بن أحمد. وكان يقول: أكلت الدنيا بعلم الخليل وكتبه وهو في خصٍ لا يشعر به، وكان يحج سنةً ويغزو سنةً، وكان من الزهاد المنقطعين إلى الله تعالى، وكان يقول: إن لم تكن هذه الطائفة أولياء الله تعالى فليس لله ولي. وللخليل من التصانيف: كتاب الإيقاع، وكتاب الجمل، وكتاب الشواهد، وكتاب العروض، وكتاب العين في اللغة، ويقال: إنه لليث بن نصر بن سيارٍ عمل الخليل منه قطعةً وأكمله الليث. وله كتاب فائت العين، وكتاب النغم، وكتاب النقط والشكل وغير ذلك. وروى أنه كان يقطع بيتاً من الشعر فدخل عليه ولده في تلك الحالة فخرج إلى الناس وقال: إنأبي قد جن فدخل الناس عليه وهو يقطع البيت فأخبروه بما قال ابنه فقال له:

لو كنت تعلم ما أقول عذرتني          أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا

لكن جهلت مقالتي فعذلتنـي                      وعلمت أنك جاهل فعذرتكا

ووجه إليه سليمان بن علي وإلى الأهواز لتأديب ولده، فأخرج الخليل لرسوله سليمان خبزاً يابساً وقال: ما دمت أجده فلا حاجة بي إلى سليمان، فقال الرسول: فما أبلغه عنك؟ فقال:

أبلغ سليمان أني عنـه فـي سـعةٍ   وفي غنىً غير أني لست ذا مـال

سخى بنفسـي أنـي لا أرى أحـداً    يموت هزلاً ولا يبقى علـى حـال

والفقر في النفس لا في المال نعرفه ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال

فالرزق عن قدرٍ لا العجز ينقصـه        ولا يزيدك فيه حـول مـحـتـال

ومن شعره أيضاً:

وقبلك داوى الطبيب المريض            فعاش المريض ومات الطبيب

فكن مستعداً لـدار الـفـنـاء  فإن الـذي هـو آتٍ قـريب

توفي سنة ستين ومائةٍ وقيل سبعين ومائةٍ، وله أربع وسبعون سنةً”..

معجم الأدباء