الحسن بن سهل

الحسن بن سهل
263-166هـ

 

أبو محمد الحسن بن سهل السرخسي، فارسي المولد من وزراء الخليفة المأمون وولاته وقواده، وأخو الفضل بن سهل ذي الرياستين، وكان الحسن من الفصحاء المعدودين واشتهر بتوقيعاته وعرف بالجود حتى حين افتقر.

كان الحسن بن سهل وأخوه الفضل من أهل بيت الرياسة في المجوس، وأسلما هما وأبوهما سهل أيام الخليفة هارون الرشيد (170-193هـ) وقيل في خلافة المهدي (158-169هـ)، ودخل كل من الحسن والفضل في خدمة المأمون وهو ولي عهد، وكانا معه في أثناء إمارته على خراسان وبعد وفاة الخليفة هارون الرشيد سنة193هـ وخلافة أخيه الأمين.

كان الخليفة هارون الرشيد قد جعل ابنه الأمين ولياً لعهده سنة 175هـ وجعل له ولاية العراق والشام حتى أقصى المغرب، ثم بايع لابنه عبد الله المأمون سنة 182هـ/798 بعد أخيه الأمين على أن تكون له ولاية خراسان وما يتصل بها من ولايات شرقية.

بدأ الخلاف بين الأمين والمأمون سنة 194هـ، وتحول إلى صراع مسلح سنة 195هـ ، فلما هُزم جيش الأمين وقُتل قائده علي بن عيسى بن ماهان بالري، خُطب للمأمون بإمرة المؤمنين بخراسان سنة 196هـ، ورفع المأمون منزلة الفضل بن سهل وعقد له على المشرق ولقبه بذي الرياستين، رياسة الحرب والقلم، وولى الحسن بن سهل ديوان الخراج.

في سنة 196هـ استولى طاهر بن الحسين قائد المأمون على بغداد وقتل الأمين،ووضعت الحرب أوزارها، وانقاد الناس في المشرق والمغرب إلى طاعة المأمون، واستعمل المأمون الحسن بن سهل على كل ما افتتحه طاهر من كور الجبال والعراق وفارس والأهواز والحجاز واليمن، وكتب إلى طاهر بتسليم ذلك إليه، وقدم الحسن بن سهل إلى العراق سنة 199هـ وفرق العمال وأمر طاهراً بالمسير إلى الرقة لمحاربة نصر بن شبث العقيلي.

كانت ولاية الحسن التي امتدت ما بين 199-204هـ فترة فتن واضطرابات، وكان أول من خلع الطاعة محمد بن إبراهيم العلوي المعروف بابن طباطبا بالكوفة في جمادى الثانية سنة 199هـ، وصار يدعو إلى الرضا من آل محمد والعمل بالكتاب والسنة، وكان قائد جنده أبو السرايا السري بن منصور الشيباني قد استولى على الكوفة من واليها العباسي،ولما توفي ابن طباطبا قام أبو السرايا بتولية محمد ابن محمد بن زيد العلوي، واستبد بالأمر دونه وهزم أبو السرايا الجيوش التي أرسلها الحسن بن سهل، ولم ينجح الحسن بإخماد هذه الثورة التي دامت عشرة أشهر، إلا بعد أن استعان بالقائد هرثمة بن أعين، وفي سنة 200هـ هاج الشغب بين الحربية (نسبة إلى حرب بن عبد الله الراوندي من قادة المنصور) والحسن بن سهل، ووثبوا على عمال الحسن في بغداد وطردوهم، واستغل الشطار واللصوص اضطراب الأوضاع في بغداد، فأخذوا يقطعون الطرق علانية، ويهاجمون القرى ويأخذون المتاع والمال، ويتعرضون للنساء، فهب المطوعة لحربهم ودعوا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

حين وصل إلى مسامع المأمون ما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ مقتل أخيه الأمين، وأن الفضل بن سهل كان يستر عنه الأخبار، وأن أهل بيته والناس قد نقموا عليه لبيعته لعلي بن موسى بن جعفر العلوي من بعده وأنهم بايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي بالخلافة، وأن الحرب قائمة بين إبراهيم والحسن بن سهل، قرر المأمون التوجه إلى بغداد، فارتحل من مرو، فلما أتى سرخس، قُتل الفضل، وكتب المأمون إلى الحسن بن سهل يعلمه ما دخل عليه من المصيبة بمقتل الفضل وأنه صيّره مكانه، ثم شخص المأمون من سرخس حتى صار إلى طوس حيث توفي علي بن موسى فجأة في آخر صفر سنة 203هـ، فكتب المأمون إلى بني العباس والموالي وأهل بغداد، يعلمهم بموت علي بن موسى ويسألهم الدخول في طاعته، ثم جدَّ السير إلى بغداد فوصلها سنة 204هـ واستوزر الحسن بن سهل بعد أخيه الفضل، وتزوج المأمون سنة 210هـ بوران ابنة الحسن بن سهل، واحتفل الحسن بأمرها وعمل من الولائم والأفراح ما لم يعهد مثله في عصر من العصور.

كان الحسن بن سهل من أعظم الناس منزلة عند المأمون، وبقي وزيراً حتى عرضت له سوداء كان من أسبابها جزعه على أخيه، فانقطع بداره ليتطبب، واحتجب عن الناس، فاستوزر المأمون أحمد بن أبي خالد، فكان أحمد يقصد خدمة الحسن في كل وقت، وإذا حضر الحسن دار المأمون كان أعلى الناس مكانة.

توفي الحسن في خلافة المتوكل (232-247هـ) فأمر المتوكل بتجهيز جهازه من خزانته.

ورد في “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

” أبو محمد الحسن بن سهل بن عبد الله السرخسي؛ تولى وزارة المأمون بعد أخيه ذي الرياستين الفضل وحظي عنده، وقد تقدم في حرف الباء ذكر ابنته بوران وصورة زواجها من المأمون والكلفة التي احتفل بها والدها الحسن فلا حاجة إلى إعادتها. وكان المأمون قد ولاه جميع البلاد التي فتحها طاهر بن الحسين-وقد ذكرته في ترجمته-وكان عالي الهمة كثير العطاء للشعراء وغيرهم، وقصده بعض الشعراء وأنشده:

تقول خليلتي لـمـا رأتـنـي              أشد مطيتي من بـعـد حـل

أبعد الفضل ترتحل المـطـايا              فقلت نعم إلى الحسن بن سهل

فأجزل عطيته. وخرج مع المأمون يوماً يشيعه، فلما عزم على مفارقته قال له المأمون: يا أبا محمد، الك حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين تحفظ علي من قلبك ما لا أستطيع حفظه إلا بك. وقال بعضهم: حضرت مجلس ا لحسن ابن سهل وقد كتب لرجل كتاب شفاعة، فجعل الرجل يشكره، فقال الحسن: يا هذا، علام تشكرنا؟ إنا نرى الشفاعات زكاة مروءاتنا ثم أنشأ يقول:

فرضت علي زكاة ما ملكت يدي                    وزكاة جاهي أن أعين وأشفعـا

فإذا ملكت فجد فإن لم تستطـيع                  فاجهد بوسعك كله أن تنفـعـا

قال الحاكي: وحضرته يوماً وهو يملي كتاب شفاعة، فكتب في آخره: إنه بلغني أن الرجل يسأل عن فضل جاهه يوم القيامة، كما يسأل عن فضل ماله. وقال لبنيه: يا بني تعلموا النطق، فإن فضل الإنسان على سائر البهائم به، وكلما كنتم بالنطق أحذق كنتم بالإنسانية أحق. وكان سهل والد الحسن المذكور يتقهرم ليحيى بن خالد بن برمك، وضم يحيى الحسن والفضل ابني سهل إلى ابنيه الفضل وجعفر يكونان معهما، فضم جعفر بن سهل إلى المأمون وهو ولي عهد فغلب عليه ولم يزل معه إلى أن قتل بخراسان، فكتب المأمون إلى الحسب بن سهل وهو ببغداد يعزيه بأخيه ويعلمه أنه قد استوزره وأجراه مجراه، فلم يكن أحد من بني هاشم ولا من القواد يخالف للحسن أمراً ولا يخرج له من طاعة، إلى أن بايع المأمون لعلي بن موسى الرضا بالعهد، فغضب بنو العباس وخلعوا المأمون وبايعوا إبراهيم بن المهدي، فحاربه الحسن بن سهل، فضعف عنه، فانحدر الحسن إلى فم الصلح فأقام به، ووجه من فم الصلح من حارب إبراهيم، فضعف أمر إبراهيم واستتر، وقد تقدم ذكر ذلك. ثم دخل المأمون بغداد وكتب إلى الحسن بن سهل فقدم عليه، فزاد المأمون في كرامته وتشريفه عند تسليمه عليه وذلك في سنة أربع ومائتين.

قال ثعلب: قيل للحسن وقد كثر عطاؤه على اختلال حاله: ليس في السرف خير، فقال: بل ليس في الخير سرف. فرد اللفظ واستوفى المعنى.

ودخل على الحسن أعرابي مدحه بشعر استحسنه، فلما فرغ منه قال له الحسن: اجلس واحتكم، وهو يظن أن الأعرابي صغير الهمة؛ فقال: ألف ناقة، فوجم الحسن ولم تكن في وسعه يومئذ، وكره أن يفتضح، فأطرق إطراقة ثم قال: يا أعرابي، ليس بلدنا بلد إبل ولكن كما قال امرؤ القيس:

إذا ما لم تكن إبلاً فمعزى                 كأن قرون جلتها العصي

قال: قد رضيت، قال: فالحق يحيى بن خاقان يعطك ألف شاة، فصار إلى يحيى فأعطاه عن كل شاة ديناراً.

وكتب الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب وقد اصطبح في يوم غنيم لم يمطر: أما ترى تكافؤ الطمع واليأس في يومنا هذا بقرب المطر وبعده كأنه قول كثير:

وإني وتهيامي بعزة بعدمـا               تخليت مما بيننا وتخـلـت

لكالمرتجي ظل الغمامة كلما                      تبوأ منها للمقيل اضمحلـت

وأمنيتي إلا في لقائك، ورقعتي هذه الأبيات، وقد أدرت زجاجات أخذت من عقلي ولم تتحيفه، وبعثت نشاطاً حركني على الكتاب إليك، فرأيك في إمطاري سروراً بسار خبرك، إذ حرمت السرور بالمطر في هذا اليوم، موفقاً إن شاء الله تعالى. فأجابه الحسن بن وهب: وصل كتاب الأمير أيده الله ويدي عاملة وفمي طاعم، فلذلك تأخر الجواب قليلاً، وقد رأيت تكافؤ إحسان هذا اليوم وإساءته وما استحق ذماً لأنه إن أشمس حكى ضيائك وحسنك، وإن أمطر أشبه سخاءك وجودك، وإن أغام فلم يشمس ولم يمطر فقد أشبه طيب ظلك ولذة فنائك؛ وسؤال الأمير أيده الله عني نعمة من الله أعفي بها آثار الزمان المسيء، وأنا كما يحب الأمير، صرف الله الحوادث عنه وعن حظي منه.

ووقع الحسن بن سهل في رقعة: وقد أمرنا لك بشيء هو دون قدرك إلى استحقاق وفوق الكفاية مع الاقتصار.

وتعرض إليه رجل فقال له: من أنت؟ قال: أنا الذي أحسنت إلي عام كذا، فقال: مرحباً بمن توسل إلينا بنا.

وافتعل رجل على الحسن كتاباً إلى إبراهيم الرازي-وكان أمير الأهواز- فقال له: والله لئن كنت صادقاً فما في ملكي ما يفي بحق الوزير، وإن كنت مفتعلاً فما في قدرتي ما يفي بعقوبتك، فحبسه وبعث يستعلم أمر الكتاب، وبلغ ذلك الحسن فأمر أن يكتب إليه: أما كان في صغير ما أنعمنا به عليك ما تصدق به مخلية رجل توسل بنا إن كان مبطلاً فكيف وهو محق؟ وكان الحسن بن سهل يقول: عجبت لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه.

ونظر يوماً إلى رجل في مجلسه يعبس في كأسه فقال: ما أنصفتها: تضحك في وجهك وتعبس في وجهها.

وكان يقول: من أدمن شم النرجس في الشتاء أمن البرسام في الصيف.

ولم يزل على وزارة المأمون إلى أن ثارت عليه المرة السوداء، وكان سببها كثرة جزعه على أخيه الفضل لما قتل-وسيأتي خبره في حرف الفاء إن شاء الله تعالى-واستولت عليه حتى حبس في بيته ومنعته من التصرف. وذكر الطبري في تاريخه أن الحسن بن سهل في سنة ثلاث ومائتين غلبت عليه السوداء، وكان سببها أنه مرض مرضاً شديداً فهاج به من مرضه تغير عقله حتى شد في الحديد وحبس في بيت، فاستوزر المأمون أحمد بن أبي خالد. وكانت وفاته سنة ست وثلاثين في مستهل ذي الحجة، وقيل خمس وثلاثين ومائتين، بمدينة سرخس، رحمه الله تعالى. ومدحه يوسف الجوهري بقوله:

لو أن عين زهير عاينت حسـنـاً                    وكيف يصنع في أمواله الكـرم

إذا لقال زهير حـين يبـصـره                          هذا الجواد على العلات، لا هرم

قلت: وحديث زهير وهرم بن سنان مذكور في آخر هذا الكتاب في ترجمة يحيى بن عيسى المعروف بابن مطروح فليكشف منه؛ وللحسن بن سهل في ترجمة أبي بكر محمد الخوارزمي الشاعر ذكر فلينظر هناك.

وجاء في “سير أعلام النبلاء” للذهبي:

” الوزير الكامل أبو محمد حمو المأمون وأخو الوزير ذي الرئاستين الفضل بن سهل من بيت حشمة من المجوس فأسلم سهل زمن البرامكة فكان قهرماناً ليحيى البرمكي. ونشأ الفضل مع المأمون فغلب عليه وتمكن جداً إلى إن قتل. فاستوزر المأمون بعده أخاه ولم يزل في توقل إلى إن تزوج المأمون ببنته بوران سنة عشر ومئتين فلا يوصف ما غرم الحسن على عرسها. ويقال نابه على مجرد الوليمة والنثار أربعة آلاف ألف دينار.

وعاش بعد المأمون في أوفر عز وحرمة وكان يدعى بالأمير.

شكى إليه الحسن بن وهب الكاتب إضاقة فوصله بمئة ألف. ووصل محمد بن عبد الملك الزيات مرة بعشرين ألف ومرة بخمسة آلاف دينار.

وكان فرداً في الجود أراد إن يكتب لسقاء مرة ألف درهم فسبقته يده فكتب ألف ألف درهم فروجع في ذلك فقال والله لا أرجع عن شيء كتبته يدي فصولح السقاء على جملة.

مات بسرخس في ذي القعدة سنة ست وثلاثين ومئتين. وعاشت بوران إلى حدود السبعين ومئتين”.