الحاج حسين بيهم

ِالحاج حسين بيهم
1881-1833

في هذه الجبقة في صفر من سنة (23 ك2 1881) فقدت الآداب أحد أركانها في بيروت وهو الحاج حسين ابن السيد عمر بيهم كان والده عمر من أعيان المدينة وأدبائها رثاه الشيخ ناصيف اليازجي سنة وفاته 1276 (1859) بقصيدة مطلعها:

زُر تربةً في الحمى يا أبها المطرُ

وقُلْ عليكَ سلامُ اللهِ يا عُـمَـرُ

ومنها:

في شخصهِ الدين والدنيا قد اجتمعا

وذاك يندرُ أن تحظى بهِ البشـرُ

ولد حسين ابنه سنة 1249 (1833) ونشأ حريصاً على تحصيل مسائل العلم وفنون الأدب فأخذ عن علماء ملته كالشيخ محمد الحوت والشيخ عبد الله خالد. وبعد أن تعاطى التجارة زمناً يسيراً انقطع إلى العلم ونال به شهرة ثم نظم الشعر فصارت له به ملكة راسخة بحيث كان يقوله ارتجالاً في المحافل ويخرجه على صور مبتكرة تطرب له الأسماع. وقد ولته الحكومة عدة مناصب كنظارة الخارجية ورئاسة الأحكام العدلية ثم أعيدت إليه الخارجية فقال في ذلك:

إنَّ الفؤَاد لهُ في الملك معـرفةٌ

فالخارجيَّةُ لم تترك نظـارتَـهُ

لذاك سلطانُنا المنصور ردَّ لـهُ

مع حسن أنظارهِ أَرّخْ بضاعَتَهُ

ولما وضع القانون الأساسي وفتح للمرة الأولى مجلس النواب انتخبه مواطنوه ليمثلهم فيه فحضر في الآستانة جلساته ثم عاد إلى وطنه واعتزل المأموريات وانقطع إلى الآداب. وكان حاضر الجواب ثاقب الرأي كريم الأخلاق على الهمة محبوباً عند الجميع. وكان أحد أعضاء جمعية العلوم السورية المنشأة في بيروت فلمّا توفي رئيسها الأول الأمير محمد أرسلان عهدوا إليه رئاستها. وكان للحاج حسين نظم رشيق مطبوع قد بقي منه القليل ومن آثاره رواية أدبية وطنية مثلت مراراً وقرظها الأدباء. ومن شعره قوله في تاريخ جلوس السلطان عبد العزيز سنة 1277:

خلافة الإسلام قد أصبـحـت

تزهو افتخاراً بالمليك العزيزْ

ومـلة الأيمـان أرَّخـتُـهـا

طابت بشاهنشاهَ عبد العزيزْ

وقال مؤرخاً إنشاء التلغراف في بيروت:

لله درُّ السِلكِ قد أدهـشـت

عقولنا لمَّا على الجوّ ساقْ

فأعجبَ الكون بتـاريخـهِ

شبيهُ برقٍ أو شبيه البُراقْ

 وقال مشطراً:

إذا العنايةُ لاحظتك عيونُـهـا

وحَباكها من فضلهِ الرحمانُ

ناداك طائرُ يمنك وسعـودهـا

ثم فالمخاوف كلُّهـنَّ أمـانُ

واصطَدْ بها العنقاءَ فهي حبالةٌ

واملك بها الغبراءَ فهي سنانُ

واصعد بها العلياء فهي معارجٌ

واقتَدْ بها الجوزاءَ فهي عنانُ

ومن جيد شعرهِ قولهُ يعزي صديقاً بفقد ماله:

لقد غمَّنا والله والصحـبَ كـلَّـهـم

مصابٌ دهاكم بالقضا حكـم قـادرِ

كانَّ شراراً منـهُ طـار لأرضـنـا

فاحرق أحشاء الورى بالـتـطـاُيرِ

ولكنَّنـا قـلـنـا مـقـالةَ عـاقـلٍ

يسلم الباري بكـل الـمـظـاهـرِ

إذا سَلِمتْ هامُ الرجالِ مـن الـردى

فما المالُ إلا مثل قصِ الأظـافـرِ

فكن مثل ظن الناس فيك مـقـابـلاً

لذا الخطب بالصبر الجميل المصادرِ

ولا تأسفَنْ إذا ضاع مالٌ ومقـتـنـىً

فرُّبكَ يا ذا الحرم أعظـمُ جـابـرِ

وإنَّ حياة الـمـرء رأسٌ لـمـا لـه

سلامتهُ تعلو جمـيع الـخـسـائرِ

ومما رثي به الحاج حسين أفندي بيهم قول أبي الحسن الكستي:

فراقُكَ صعبٌ يا حسينُ احتمـالُـهُ

وبعدك رَكبُ الأنس شالت رحالهُ

رحلتَ إلى دار البقاء مـكـرَّمـاً

ومثلك مولى للـنـعـيم مـالـهُ

ولكن تركت القوم تبكي عيونـهـم

عليك بدمعٍ كالسيول انهـمـالُـهُ

وليس لنا من بعد فقـدك حـلـيةٌ

سوى الحزن أو صبرٍ يعزُّ منالهُ

حويت خصالاً جل في الناس قدرُها

وما كلُّ إنسانٍ تجلُّ خـصـالـهُ

عفافٌ ومعـروفٌ وعـلـمٌ ورقَّةٌ

وفضلٌ ومجدٌ قلَّ فينا مـثـالـهُ