الإمام أبي عبد الله بن عثمان الذهبي

الإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي
6748-673هــ

أولا: إسمه وكنيته

هو الشيخ الإمام الحافظ الكبير، مؤرخ الإسلام، شيخ المحدثين، محدث العصر، وخاتمة الحفاظ، شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أحمد ابن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي التركماني الفارقي ثم الدمشقي، الشافعي، المقرئ.

ثانيا: أصله

يرجع الذهبي إلى أصول تركمانية، فقد قال الذهبي عن جد أبيه قايماز: « قايماز ابن الشيخ عبد الله التركماني الفارقي، جد أبي… » وكذا قال في جده عثمان

فهو من أسرة تركمانية الأصل، سكنت مدينة مَيَّافارقين من أشهر مدن ديار بكر.

ويرجع في ولائه إلى بني تميم، فقد ذكر بشار عواد فر ترجمته للذهبي كتب بخطه على طرة المجلد التاسع عشر من « تاريخ الإسلام » )نسخة أياصوفيا 3012( « تأليف محمد بن أحمد بن عثمان ابن قايماز مولى بني تميم ».

ثالثا: نسبته

الذهبي نسبة إلى صناعة الذهب، فقد كان والده شهاب الدين أحمد يمتهن صناعة الذهب المدقوق وقد برع بها وتميز، وعرف بالذهبي.

وعرف محمد بابن الذهبي، نسبة إلى صناعة أبيه، وكان هو يقيد اسمه « بابن الذهبي »

وقد عرف عند بعض معاصريه )بالذهبي(، مثل: الصلاح الصفدي، وتاج الدين السبكي، والحسيني، وابن كثير.

رابعا: مولده

ولد في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وستمائة.

وذكر ابن حجر أن مولده في الثالث من الشهر المذكور، وكان مولده في مدينة دمشق.

خامسا: أسرته

عاش الذهبي في أجواء أسرة متدينة متعلمة ميسورة الحال، الأمر الذي ساعده على التحصيل العلمي منذ نعومة أظفاره.

فمن جهة والده، كان والده شهاب الدين أحمد بن عثمان قد طلب العلم، وسمع الصحيح من المقداد القيسي سنة ( 666هـ) وقد ترجم له الذهبي في معجم شيوخه، وقد توفي والده سنة(698هـ).

وكذلك استفاد الذهبي من عمته ست الأهل بنت عثمان بن قايماز، وهي أمه من الرضاعة، وكان قد أجاز لها ابن أبي اليسر، وجمال الدين بن مالك، وزهير بن عمر الزرعي، وجماعة. وسمعت من عمر بن القواس وغيره.
فروى الذهبي عنها، وكانت وفاتها سنة(729هـ

ولكن لم تكن أسرة والده عريقة في العلم مشهورة به، فجد الذهبي عثمان ابن قايماز يقول عنه الذهبي:رجل أمّي(وكان نجارا، وقد توفي سنة)(683هـ) وقد ترجم له الذهبي في معجم الشيوخ.

وكذلك جد أبيه قايماز بن عبد الله، فلم يذكر الذهبي أن له اشتغالا بالعلم، وذكر أنه توفي عن مائة وتسع سنين، وقد عمِّرَ وأضر بآخره، وكانت وفاته سنة إحدى وستين وستمائة.

وأما من جهة والدته: فإنها ابنة علم الدين، أبو بكر سنجر بن عبد الله الموصلي، قال عنه: « كان خيرا، عاقلا،مديرا للمناشير بديوان الجيش، مات سنة(680)هـ

وقد أفاد الذهبي من خاله علي بن سنجر بن عبد الله الموصلي، وقال في ترجمته: « الحاج المبارك، أبو إسماعيل-خالي-، مولده في سنة ثمان وخمسين وستمائة، وسمع بإفادة مؤدبه ابن الخباز من أبي بكر الأنماطي، وبهاء الدين أيوب الحنفي، وست العرب الكندية، وسمع معي ببعلبك من التاج عبد الخالق وجماعة، وكان ذا مروءة وكد على عياله، وخوف من الله. وتوفي في الثالث والعشرين من رمضان سنة ست وثلاثين وسبعمائة ».

وفي محيط أسرته استفاد الذهبي من زوج خالته فاطمة، واسمه أحمد ابن عبد الغني بن عبد الكافي الأنصاري الذهبي، المعروف بابن الحرستاني، وقد سمع الحديث ورواه، وكان حافظا للقرآن الكريم،

كثير التلاوة له.توفي بمصر سنة(700هـ)

سادسا: نشأته في طلب العلم

كانت أهم العوامل التي أثرت في التكوين العلمي للإمام الذهبي في بداية طلبه للعلم، أسرته وبلده.

أما أسرته، فهو كما أسلفنا من أسرة متدينة متعلمة، ميسورة الحال، الأمر الذي ساعد-بعد توفيق الله تعالى- على دفع الذهبي إلى كتاتيب تعليم القرآن في صغره، والتفرغ بعد ذلك لطلب العلم وتحصيله من ريعان شبابه، بدلا من الانشغال في تحصيل قوته وطلب رزقه. ولم يكن يكدر صفو هذه النعمة إلا امتناع والده عن السماح له بالرحلة في طلب العلم إلا في رحلات قصيرة لا تتجاوز أربعة أشهر، وذلك لخوفه عليه وشدة تعلقه به.

وقد عبر الذهبي عن تحسره لعدم الالتقاء بعض الشيوخ لهذا المانع ومن ذلك: « وكنت أتحسر على الرحلة إليه، وما أتجسر خوفا من الوالد، فإنه كان يمنعني » وقال في موضع آخر: « ولم يكن الوالد يمكنني من السفر ».

وأما العامل الثاني، فهو بلده دمشق التي كانت تجمع في ذلك العصر شموس العلم من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ المِزي وغيرهما، فقد حظي الذهبي برفقة هؤلاء والإفادة منهم، وأضف إلى ذلك اشتهار دمشق في ذلك الحين بكبريات دور الحديث، كدار الحديث الظاهرية، ودار الحديث السكرية، ودار الحديث الأشرفية، وغيرها. فقد كانت دمشق في ذلك العصر مركز إشعاع علمي وخاصة في علوم الحديث، وخير شاهد على ذلك ما نراه بين أيدينا من مؤلفات وموسوعات علمية كتبت في تلك الحقبة الزمنية التي عاشها الذهبي.

وقد بدأ الذهبي بدايته العلمية بحفظ كتاب الله تعالى، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وذلك على يد أحد المؤدبين، واسمه علاء الدين بن الحلبي، المعروف بالبصبص، حيث أقام الذهبي في مكتبه أربعة أعوام.

ثم انتقل الذهبي بعدها إلى الشيخ مسعود بن عبد الله الأغزازي، فلقنه جميع القرآن، ثم قرأ عليه نحو من أربعين ختمة.

تلك هي بواكير دراسته، والتي تعبها بعد ذلك جلوسه في مجالس الشيوخ، وذلك ببلوغ سن الثامنة عشرة، حيث تعتبر هذه السن عند الذهبي بداية مرحلة العناية بطلب العلم، وقد ركز في تلك المرحلة على علمين شريفين عظيمين هما:

علم القراءات وعلم الحديث، فلازم كبار علماء القراءات في عصره، حتى أصبح متقنا لهذا الفن وأصوله ومسائله، مما حذا بالشيخ محمد ابن عبد العزيز الدمياطي-وهو من المقرئين المجودين- أن يتنازل له عن حلقته بالجامع الأموي، عقب مرض الشيخ، الذي توفي على إثره سنة)693هـ(.

وإن كان الذهبي لم يستمر في ذلك المنصب إلا قرابة السنة بسبب انشغاله بالرحلة إلى طلب العلم.

قال عنه السيوطي: « وتلا بالسبع وأذعن له الناس »

وأما علم الحديث، فقد كان له النصيب الأوفر عند الذهبي، حيث اعتنى به العناية الفائقة حتى أصبح هذا العلم هو شغله الشاغل طيلة حياته، فقد سمع الذهبي مئات الكتب والأجزاء الحديثية، ولعل نظرة في معجم شيوخه)المعجم الكبير( تبرهن لك على سعة اطلاعه وغزارة تحصيله في هذا الجانب، فضلا عن نتاجه الذي يشهد بتبوئه المنزلة العالية والمقام الرفيع بين مصاف أكابر هذا الفن.

قال عنه السيوطي: « وطلبَ الحديث وله ثماني عشرة سنة، فسمع الكثير، ورحل، وعني بهذا الشأن، وتعب فيه وخدمه إلى أن رسخت فيه قدمه »

ومن عناية الذهبي بعلمي القراءات والحديث في تلك المرحلة، إلا أنه لم يهمل علوم العربية والأدب والتاريخ، فقد عني بدراسة النحو، فسمع « الحاجبية » على شيخه موفق الدين أبي عبد الله محمد بن أبى العلاء-النصيبي- المتوفى سنة)690هـ(

كما درس على شيخ العربية، وإمام أهل الأدب في مصر آنذاك، الشيخ محمد بن إبراهيم بن النحاس الحلبي المتوفى سنة)698هـ(

« إضافة إلى سماعه لعدد كبير من مجاميع الشعر واللغة والأدب »، وقد تعاطى الشعر، ونظم اليسير منه.

« واهتم بالكتب التاريخية، فسمع عددا كبيرا منها شيوخه، في المغازي، والسيرة، والتاريخ العام، ومعجمات الشيوخ والمشيخات، وكتب التراجم الأخرى »

وفي العموم فقد اعتنى الذهبي في فترة تحصيله بشتى العلوم الدينية مع مت تحتاجه تلك العلوم من علوم الآلة ونحوها من العلوم المساعدة مع أنه لم ينقطع عن التحصيل والسماع طوال حياته، يشهد ل\لك معجمات شيوخه ومؤلفاته الموسوعية التي تؤكد دراسته لعدد ضخم من المؤلفات في العقيدة، والتفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ، واللغة، والأدب، وغيرها.

وقد انعكس هذا التحصيل الواسع على مؤلفاته التي تشهد له بسعة الإطلاع وغزارة الإنتاج مع القوة والمكن في مختلف العلوم.

سابعا: رحلاته

مع ما أسلفنا من أن والد الذهبي كان يمنعه من السفر والرحلة في طلب العلم وهو في مقتبل شبابه، إلا أن ذلك المنع لم يكن بالكلية، فقد سمح له والده ببعض الرحلات القصيرة، تمكن من خلالها الالتقاء ببعض العلماء خارج محيط دمشق، ومن بين تلك الرحلات التي قام بها أثناء حياة والده، رحلته إلى بعض المدن الشامية، ومنها:بعلبك، وحلب، وحمص، وحماة، وطرابلس، والكرك، والمعرة، وبصرى، ونابلس، والرملة، والقدس، وتبوك.

لكن أبرز رحلاته في هذه الفترة كانت إلى مصر، التي زارها في الفترة من رجب إلى ذي القعدة من عام(695هـ) مروراً بفلسطين، وكان قد وعد والده أن لا يقيم في هذه الرحلة أكثر من أربعة أشهر، وبسبب ذلك لم تطل فترة رحلته، ولكنه استفاد كثيرا حيث سمع من شيوخها وكبار علمائها.

وفي سنة(695)هـ أي بُعيد وفاة والده، رحل الذهبي للحج وسمع بمكة، وعرفة، ومنى، والمدينة من مجموعة من الشيوخ.

كما كانت له بعض الرحلات في تلك الفترة انحصرت في محيط البلاد الشامية.

قال عنه ابن الصفدي: « وارتحل وسمع بدمشق، وبعلبك، وحمص، وحماة، وحلب، وطرابلس، ونابلس، والرملة، وبِلبِس، والقاهرة، والأسكندرية، والحجاز، والقدس، وغير ذلك ».

ثامنا: شيوخه

ذكر الصفدي أن عدد شيوخ الذهبي وصل إلى ألف وثلاثمائة شيخ.

وقد حرص الذهبي على تدوين أسماء شيوخه الذين استفاد منهم عن طريق السماع أو الإجازة، فكتب معجم الشيوخ الكبير، والأوسط، والصغير(اللطيف).

وقد طبع معجم الشيوخ الكبير بتحقيق الدكتور محمد الحبيب الهيلة.

وقال الذهبي في مقدمته: « أما بعد فهذا معجم العبد المسكين محمد ابن أحمد بن عثمان »

إلى أن قال : « يشتمل على ذكر من لقيته أو كتب إلي بالإجازة في الصغر، وعلى كثير من المجيزين لي في الكبر ولم أستوعبهم، وربما أجاز لي الرجل ولم أشعر به، بخلاف ما سمعته منه فإني أعرفه ».

ولسنا بصدد ذكر الجم الغفير من شيوخ الذهبي، ولكن نشير إلى أن الذهبي حظي برفقة ثلاثة من مشاهير عصره الذين طبّقت سمعتهم الآفاق وهم:

– شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (661هـ/728هـ)
– العلامة الحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المزي (654هـ/742هـ)
– العلامة الحافظ على الدين القاسم بن محمد البرزالي(665هـ/739هـ)

وكان للذهبي مع هؤلاء الأعلام صحبة وملازمة، وكان الذهبي أصغر الجميع سناً، وكان أبو الحجاج المزي أكبرهم، وكان بعضهم يقرأ على بعض، فهم شيوخ وأقران في الوقت ذاته، يجمعهم التمسك بعقيدة السلف الصالح والرغبة في تعلمها ونشرها والدفاع عنها، وحبهم لعلم الحديث والاشتغال به وحرصهم على اتِّباع آثار السلف الصالح.

وقد تركت تلك الصحبة آثارها القوية على شخصية الذهبي وتكوينه العلمي، ويظهر ذلك جليا في كتاباته.

وقد ساعد على تكوين الذهبي لتلك العلاقة والصلة الوثيقة بهؤلاء الأعلام- مع أن فارق السن كان بينه وبين المزي تسع عشرة سنة، وبينه وبين ابن تيمية اثنتا عشرة سنة- ما حباه الله به من الذكاء وقوة الحافظة، الأمر الذي ساعده على ملازمة هؤلاء الأعلام ومجاراتهم مع ما تميزوا به من علم واسع، وذكاء مفرط.

وقد أثنى الذهبي الثناء العطر على هؤلاء الأعلام وامتدحهم في كتاباته، واعترف لهم بالفضل والجميل.

تاسعا: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه

تصدر الذهبي مرتبة الإمامة في عدد من العلوم، فهو إمام في علم القراءات، وإمام في علوم الحديث، وإمام في علم التاريخ.

أما في القراءات:

فقد قال عنه ابن ناصر الدين المتوفي سنة) 842هـ(: « كان إماماً في القراءات »

وقال ابن الجزري: « الأستاذ، الثقة الكبير »

وقد اعتنى الذهبي بهذا الفن في مرحلة مبكرة من حياته. ومن مؤلفاته في ذلك، كتاب « التلويحات في علم القراءات »، وكتاب: « معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار » إلا أنه مع إتقانه لهذا الفن لكنه لم يتفرغ له كما ذكر ذلك ابن الجزري، ولعل ذلك بسبب انشغاله بعلوم الحديث.

أما في علوم الحديث:

فقد تفانى الذهبي في خدمة علوم الحديث، وأكثر من التصنيف فيها، ولقيت مؤلفاته القبول عند الناس، فهذا ابن حجر يقول: « ورغب الناس في تواليفه، ورحلوا إليه بسببها، وتداولوها قراءة ونسخاً وسماعا » ولا غرابة في ذلك فالإمام الذهبي بلغ منزلة عالية ودرجة رفيعة بسبب ما حباه الله من صفات وخصائص عليمة تميز بها.

واسمع إلى وصف بعض تلاميذه له – وهو صلاح الدين الصفدي – حيث قال: « محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ، أبو عبد الله الذهبي، حافظ لا يجارى، ولافظ لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأزال الإبهام في تواريخهم والإلباس، مع ذهن يتوقد ذكاؤه، ويصح إلى الذهب نسبته وانتماؤه، جمع الكثير، ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف ووفر بالاختصار مؤونة التطويل في التأليف ». إلى أن قال: « ولم أجد عنده جمود المحدثين، ولا كوذة – أي )بلادة ( – النقلة، بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، ومذاهب أئمة السلف، وأرباب المقالات. وأعجبني ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن، أو ظلام إسناد، أو طعن في رواةٍ، وهذا لم أر غيره يعاني هذه الفائدة فيما يورده »

وإمامة الذهبي في هذا الشأن لا يختلف فيها اثنان، ولذلك قال السيوطي: « إن المحدثين الآن عيال في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي، والذهبي، والعراقي، وابن حجر ».

وقال عنه التاج السبكي: « شيخنا وأستاذنا، محدث العصر، اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ – وبينهم عموم وخصوص – المزي، والبرزالي، والذهبي، والشيخ الوالد، لا خامس لهم في عصرنا، فأما أبو عبد الله فبصر لا نظير له وكنـز، هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظا، وذهب العصر معنى ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها، وكان محط رحال المعنت، ومنتهى رغبات من تعنت، تعمل المطي إلى جواره، وتضرب البزل المهارى أكبادها فلا تبرح أو تبيد نحو داره، وهو الذي خرَّجنا في هذه الصناعة وأدخلنا في عداد الجماعة ». إلى أن قال « وسمع منه الجم الكثير، ومازال يخدم هذا الفن حتى رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار وما تعب لسانه وقلمه، وضربت باسمه الأمثال، وسار اسمه مسير لقبه الشمس إلا أنه لا يتقلص إذا نزل المطر، ولا يدبر إذا أقبلت الليال، وأقام بدمشق يُرحل إليه من سائر البلاد وتناديه السؤالات من كل ناد ».

وقال عنه البدر النابلسي: « كان علامة زمانه في الرجال وأحوالهم، حديث الفهم، ثاقب الذهن، وشهرته تغني عن الإنطاب فيه »

وقال ابن حجر: « ومهر في فن الحديث، وجمع فيه المجاميع المفيدة والكثيرة ».

ومن أشهر كتبه في هذا المجال: « ميزان الاعتدال في نقد الرجال »

وأما علم التاريخ والتراجم

فالذهبي صاحب الموسوعات الكبار في هذا المجال، والتي أهمها « تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام »، و « سير أعلام النبلاء »، و « العبر »، و « دول الإسلام »، و « تذكرة الحفاظ »، وغيرها كثير، وقد أظهر الذهبي في تلك المؤلفات براعة في العرض، ودقة في التحليل والنقد، مع غزارة في المعلومات، تشهد له بالذكاء والعبقرية وقوة الحافظة، لدرجة أن ابن حجر – مع فضله وجلالة قدره – شرب ماء زمزم سائلا أن يصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ والفطنة.

وقد عول الكتاب والعلماء على مؤلفاته، وأصبحت عمدة لهم فيها كتبوا وألفوا من بعده.

وقد عد الذهبي والمزي أكبر المؤرخين في القرن الثامن.

عاشرا: عقيدته

عُرف الذهبي رحمه الله بموافقته التي تدعو إلى التمسك بعقيدة السلف الصالح علما واعتقاداً وعملا ودعوة وتعليما، ويظهر ذلك جليا لمن اطلع على مصنفاته شواء ما يتعلق منها بمسائل الاعتقاد مثل كتاب « العلو »، وكتاب « العرش »، وكتاب « الأربعين في صفات رب العالمين »، ورسالة « التمسك بالسنن والتحذير من البدع وغيرها »، أو كتبه الأخرى في علوم الحديث وغيرها.

فقد سطر الذهبي بيراعه معتقد السلف وأثبته في تلك الكتب، ونافح ودافع عن عقيدة أهل السنة وأثنى على أهلها بما يستحقونه من الأوصاف، كما أبرز جهودهم العلمية والعملية في نشر السنة ونصرتها، وفي الوقت ذاته سلط قلمه على أهل البدع والأهواء، فما يمر على صاحب بدعة إلا ويشير إلى بدعته، ويبين وجه انحرافه، وقول أهل السنة فيه وفي بدعته، وإن كان في بعض الأحيان يوجد في كلامه بعض التساهل مع بعض المبتدعة لكنه قليل ومحدود.

والحقيقة التي يجب الإشارة إليها والإشادة بها في هذا المقام، أن الذهبي قام رحمه الله على ثغرة عظيمة، هي علم الرجال والتراجم، فاعتنى بها واهتم بأمرها اهتماماً كبيراً، حتى أصبحت محور تفكيره وأساس كثير من كتبه، فقام بخدمة هذا الجانب خير قيام، وذلك وفق منهج أهل السنة والجماعة، على غرار ما فعل شيخه وصاحبه شيخ الإسلام ابن تيمية في خدمة مسائل الاعتقاد والرد على أصحاب المقالات، فكل من الإمامين قام على ثغرة، وقام بأكبر خدمة

فقد شوه أصحاب البدع وأرباب المقالات حقائق التاريخ وسير العلماء بما دسوا فيها من الأكاذيب والأباطيل، كما فعلوا في مسائل الاعتقاد الأمر ذاته.

فتصدى الذهبي رحمه الله تعالى للجانب التاريخي فوضع الأمور في نصابـها وأوضح بجلاء سير أعلام السنة على وجهها الصحيح وحلاها بأجمل الحلل وكساها أبهى العبارات.

وقام في الوقت ذاته بفضح أهل البدع والأهواء وكشف باطلهم، الأمر الذي أثار حفيظة أهل البدع والأهواء ونقمتهم على كتب الإمام الذهبي لما لها من ثقل ووزن في فنها، فهي تعد غصة في حلوق أهل الكلام والمتصوفة والرافضة ومن على شاكلتهم، لكونـها كشفت عورات زعمائهم وأظهرت بطلان عقائدهم.

وكان الذهبي معروفاً في حياته بمواقفه الصلبة من العقائد المنحرفة وأهلها، كما اشتهر عنه صلته الوثيقة وموافقته لشيخ الإسلام ابن تيمية في نصرة السنة ومحاربة البدعة، الأمر الذي جعل الأشاعرة من الشافعية بدمشق يمانعون في توليه لمشيخة أكبر دار للحديث بدمشق حينذاك، وهي دار الحديث الأشرفية، التي شغرت مشيختها بعد وفاة رفيقه المزي سنة) 742هـ(، رغم ترشيح قاضي القضاة علي بن عبد الكافي السبكي أن يعين الذهبي لها، وكان السبب في رفضهم كون الذهبي ليس بأشعري.

ومعلوم أن الصراع كان على أشده في ذلك الحين بدمشق بين أنصار المنهج السلفي وخصومهم من أهل الكلام والمتصوفة.

وراجع كتاب « العرش » وغيره من كتب الإمام الذهبي رحمه الله فيعطيك صورة واضحة للمنهج الذي سار عليه الذهبي، فقد تبع طريقة أهل الحديث في تقرير المسائل والاستدلال عليها، فذكر معتقد أهل السنة في مسألة العلو واستدل لقولهم بنصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن سلك سبيلهم وسار على نهجهم، ناصراً بذلك قولهم وراداً على من خالفهم، كما سيأتي تفصيله. فرحم الله الذهبي وجزاه عن السنة وأهلها خير الجزاء. ولكن مع ذلك كله فللذهبي بعض المواقف المخالفة في المسائل المتعلقة بالقبور وتعظيمها لا يُقر عليها ولا يُوافق.

الحادي عشر: مؤلفاته

اشتهر الذهبي بكثرة التصنيف حتى قال عنه ابن حجر: « كان أكثر عصره تصنيفا »

وقد اجتهد الدكتور بشار عواد في جمع أسماء مؤلفات الذهبي في كتابه « الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام »، وقد بلغ مجموع ما سمى من مؤلفاته)215 مؤلفا(. ونظرا لكثرتها فإني أحيل القارىء إلى الكتاب المذكور إذا أراد الاستزادة في هذا الجانب.

وسأكتفي بذكر أسماء بعض مؤلفاته خاصة في علم العقيدة فقط وهي على النحو التالي:

1/ العلو للعلي الغفار.
2/ كتاب العرش
3/ كتاب الأربعين في صفات رب العالمين
4/ المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال
5/ كتاب الكبائر
6/ رسالة في الإمامة العظمى
7/ كتاب أحاديث الصفات
8/ جزء من الشفاعة
9/ صفة النار
10/ مسألة الغيبة
11/ كتاب رؤية الباري
12/ كتاب الموت وما بعده
13/ طرق حديث النزول
14/ طرق أحاديث الصوت
15/ مسألة دوام النار
16/ كتاب التمسك بالسنن
17/ مختصر كتاب الزهد للبيهقي
18/ مختصر كتاب القدر للبيهقي
19/ مختصر كتاب البعث والنشور للبيهقي
20/ كتاب الروع والإوجال في بقاء الدجال
21/ مختصر الرد على ابن طاهر لابن المجد
22/ كتاب تشبيه الخسيس بأهل الخميس
23/ سير أعلام النبلاء
24/ ميزان الاعتدال في نقد الرجال
25/ تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
26/ العبر
27/ دول الإسلام
28/ تذكرة الحفاظ
29/ الكاشف
ا30/ الموقظة

الثاني عشر: تلاميذه

تتلمذ على يد الذهبي المئات من تلاميذ، وقد قال عنه تلميذه الحسيني: « وحمل عنه الكتاب والسنة والخلائق »

وقال السبكي: « وسمع منه الجم الكثير »

ومن ينظر في كتب القرن الثامن يجدها زاخرة بمئات من التلاميذ الذين استفادوا من الذهبي ولعل من اشهر من استفاد وسمع منه من نظرائه:

1- الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير صاحب التفسير
2- الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن الحسن بن محمد السلامي البغدادي، الشهير بابن رجب الحنبلي
3- صلاح الدين خليل بن أبيك الصفدي، صاحب كتاب « الوافي بالوفيات »
4- شمس الدين أبو المحاسن، محمد بن علي بن الحسن الحسيني، الدمشقي، الشافعي، صاحب « ذيل تذكرة الحفاظ »
5- تاج الدين أبو نصر، عبد الوهاب بن علي السبكي، صاحب « طبقات الشافعية الكبرى »

الثالث عشر: وفاته

توفي الذهبي رحمه الله تعالى قبل منتصف ليلة الاثنين، ثالث ذي القعدة، سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وكان قد بلغ من العمر حينذاك خمسة وسبعين عاما وسبعة أشهر.

وكانت وفاته بدمشق، ودفن رحمه الله بمقبرة الباب الصغير، وحضر الصلاة عليه جملة من العلماء، وكان رحمه الله قد كف بصره قبل موته بسبع سنين. قال تلميذه الحسيني: « أضر في سنة إحدى وأربعين، ومات في ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة بدمشق، ودفن في مقبرة الباب الصغير رحمه الله تعالى ».

أما بالنسبة لسؤالك على كتاب الكبائر كتاب الكبائر للذهبي ففيه طبعتين طبعة للشيخ مشهور حسن وطبعة لمحمد بشر عيون.

وسـأزيدك معلومات أخرى إن شاء الله عن كتاب الكبائر، أترك لي بعض الوقت فقط فأنا مشغوول بعدة أشياء.

وفي الأخير نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في العمل والصدق في القول وأن يوفقنا للوصول لما كان عليه سلفنا الصالح في العقيدة والعمل وأن يجعل هذا العمل المتواضع خالصا لوجهه، وأن ينفع به وأن يحشرنا مع أنبيائه المرسلين في جنات النعيم إنه سميع عليم.

الدكتور الأستاذ محمد بن خليفة التميمي