الأخفش الأوسط

الأخفش الأوسط
توفي 215هـ

أبو الحسن سعيد بن مَسْعَدة البصري، أصله من بلخ، كان مولى لبني مجاشع بن دارم من تميم، أقام في البصرة، وكانت تزخر في تلك الحقبة بالعلماء والأعلام من النحويين واللغويين، فأخذ عن طائفة من علمائها منهم سيبويه وهو أعلم من أخذ عنهم، وحمّاد بن الزبرقان، وأبو مالك النُميري، كما صحب الخليل بن أحمد واطلع على مؤلفات أبي عبيدة مَعْمَر بن المثنى والحسن البصري والأعمش وغيرهم.

عدّ أحد أئمة النحاة البصريين، ولقي من لقيه سيبويه من العلماء لأنه كان أسنّ منه، وقد أصبح الأخفش الطريق إلى كتاب سيبويه بعد وفاته، وكان قد خالفه في كثير من آرائه في حياته، ولكنه بعد رحيل سيبويه إلى الأهواز إثر المناظرة التي جرت بينه وبين الكسائي توجه الأخفش إلى بغداد وانتصر لشيخه فسأل الأخفش الكسائي عن مئة مسألة نحوية فأجابه الكسائي إجابات خطَّأه فيها الأخفش، فاعترف له الكسائي بعدها بالفضل وأحب أن يتأدب على يديه، وقرأ على الأخفش كتاب سيبويه سراً فأعطاه الكسائي سبعين ديناراً.

كان الأخفش قدرياً من دون غلو، وكان من علماء الكلام المبرزين في الجدل، وقد عدَّه العلماء ثقة صادقاً فيما يرويه، ولم يكن يقول ما لا يعلم، ولا يأنف أن يقول: لا أدري، واتصف بالتواضع مع شيوخه.

صنف كتبا كثيرة في اللغة والنحو والعروض والقوافي منها: «معاني القرآن» و«الأوسط في النحو» وقد رجع في مسائله إلى مذهب سيبويه. و«المقاييس في النحو» و«كتاب المسائل الكبير» وكان تأليفه جواباً عن مسائل سأله عنها هشام الضرير النحوي. وقد اعتمد على هذا الكتاب بعض الكوفيين. وله كتاب «وقف التمام» وكتاب «الأصوات» وكتاب «صفات الغنم وألوانها وعلاجها وأسبابها» وكتاب «القوافي» وكتاب «الاشتقاق» وكتاب «العروض» وكانت له مشاركة في علم العروض،وهو الذي أضاف البحر المتدارك إلى الخمسة عشر بحراً التي أحصاها الخليل.

أما أبرز كتبه فهو كتاب «معاني القرآن» وفيه يفسر الأخفش معاني كلام الله لغوياً، وقد سبقه إلى تفسير القرآن لغوياً معمر بن المثنى وقطرب. تناول الأخفش السور القرآنية كما وردت مرتبة في المصحف، واستعان بالآيات القرآنية في تفسير آيات أخرى، كما تناول القراءات المختلفة وأقام حولها الدراسات الصرفية أو النحوية أو الدلالية أو الصوتية، وبين أثر اختلاف القراءات في المعنى، مفضلاً منها ما كان أجود في العربية.

وتقوم دراسة الأخفش على السماع، وقد عرف لهذا «بالأخفش الراوية»، وقد اتبع فيه منهج المدرسة البصرية، وفي الكتاب اهتمام ظاهر بالشعر الذي يستشهد به على صحة ما يذهب إليه، وقد وضع تفسير غريب كل بيت شعر تحته. واستفاد من أقوال العرب في القياسات اللغوية والدراسات الصوتية، وذهب في تفسيره معاني القرآن مذهب المعتزلة، وابتعد عن الاستشهاد بالأحاديث النبوية لجواز نقلها بمعانيها، كما ابتعد عن الاستعانة بالأخبار والقصص والإسرائيليات في عمله التفسيري.

أخذ عن الأخفش عدد كبير من الرجال الذين تمتعوا بشهرة واسعة في ميادين اللغة والنحو، من هؤلاء: أبو عثمان بكر بن محمد المازني البصري وأبو عمر صالح بن إسحق الجرمي وسهل بن محمد السجستاني والعباس بن فرج الرياشي وآخرون، وأفاد منه عدد من شيوخ مدرسة الكوفة يمكن أن يعد الكسائي على رأسهم.

استفاد كثير من العلماء من كتبه، كالثعالبي الذي استفاد من كتابه «غريب القرآن» كما أخذ عبد القادر البغدادي من كتابه «أبيات المعاني» وعدت الأشعار التي أوردها من الشواهد التي يستشهد بها.

طعن فيه معاصره الجاحظ واتهمه بالجشع والبخل، كما وصف كتبه بالاستغلاق والصعوبة.

ورد في “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

“أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء النحوي البلخي المعروف بالأخفش الأوسط؛ أحد نحاة البصرة، والأخفش الأكبر أبو الخطاب، وكان نحوياً أيضاً من أهل هجر من مواليهم، واسمه عبد الحميد بن عبد المجيد، وقد أخذ عنه أبو عبيدة وسيبويه وغيرهما.

وكان الأخفش والأوسط المذكور من أثمة العربية، وأخذ النحو عن سيبويه، وكان أكبر منه، وكان يقول: ما وضع سيبويه في كتابه شيئاً إلا وعرضه علي، وكان يرى أنه أعلم به مني، وأنا اليوم أعلم به منه.

وحكى أبو العباس ثعلب عن آل سعيد بن سلم، قالوا: دخل الفراء على سعيد المذكور، فقال لنا: قد جاءكم سيد أهل اللغة وسيد أهل العربية، فقال الفراء: أما ما دام الأخفش يعيش فلا.

وهذا الأخفش هو الذي زاد في العروض بحر الخبب كما سبق في حرف الخاء في ترجمة الخليل، وله من الكتب المصنفة كتاب “الأوسط” في النحو وكتاب “تفسير معاني القرآن” وكتاب “المقاييس” في النحو، وكتاب “الاشتقاق” وكتاب “العروض” وكتاب “القوافي” وكتاب “معاني الشعر” وكتاب “الملوك” وكتاب “الأصوات” وكتاب “المسائل” الكبير، وكتاب “المسائل” الصغير، وغير ذلك.

وكان أجلع، والأجلع: الذي لا تنضم شفتاه على أسنانه، والأخفش: الصغير العينين مع سوء بصرهما. وكانت وفاته سنة خمس عشرة ومائتين، وقيل سنة إحدى وعشرين ومائتين، رحمه الله تعالى. وكان يقال له: “الأخفش الأصغر” فلماظهر علي بن سليمان المعروف بالأخفش أيضاً، صار هذا وسطاً.

ومسعدة: بفتح الميم وسكون السين وفتح العين والدال المهملات وبعدهن هاء ساكنة.

والمجاشعي: بضم الميم وفتح الجيم وبعد الألف شين مثلثة مكسورة وبعدها عين مهملة، هذه النسبة إلى مجاشع بن دارم، بطن من تميم.

وجاء في “سير أعلام النبلاء” للذهبي:

” إمام النحو أبو الحسن سعيد بن مسعدة البلخي ثم البصري مولى بني مجاشع.

أخذ عن الخليل بن أحمد ولزم سيبويه حتى برع وكان من أسنان سيبويه بل أكبر.

قال أبو حاتم السجستاني كان الأخفش قدرياً رجل سوء كتابه في المعاني صويلح وفيه أشياء في القدر.

وقال أبو عثمان المازني كان الأخفش أعلم الناس بالكلام وأحذقهم بالجدل.

قلت أخذ عنه المازني وأبو حاتم وسلمة وطائفة.

وعنه قال جاءنا الكسائي إلى البصرة فسألني أن أقرأ عليه كتاب سيبويه ففعلت فوجه إلي بخمسين ديناراً. وكان الأخفش يعلم ولد الكسائي.

وكان ثعلب يفضل الأخفش ويقول كان أوسع الناس علماً.

وله كتب كثيرة في النحو والعروض ومعاني القرآن.

وجاء عنه قال أتيت بغداد فأتيت مسجد الكسائي فإذا بين يديه الفراء والأحمر وابن سعدان فسألته عن مئة مسألة فأجاب فخطأته في جميعها فهموا بي فمنعهم وقال بالله أنت أبو الحسن قلت نعم فقام وعانقني وأجلسني إلي جنبه وقال أحب أن يتأدب أولادي بك فأجبته.

مات الأخفش سنة نيف عشرة ومئتين وقيل سنة عشر.

قال ابن النجار كان أجلع وهو الذي لا تنطبق شفتاه على أسنانه.

وقد روى عن هشام بن عروة والكلبي وعمرو بن عبيد. وصنف كتبا في النحو لم يتمها.

قال الرياشي سمعته يقول كنت أجالس سيبويه وكان أعلم مني وأنا اليوم أعلم منه”.