اسماعيل الصفوي

إسماعيل الصفوي
(1487ـ 1524م)

يمثل تاريخ الدولة الصفوية في إيران منعطفا خطيرا في تاريخها، فبقيامها اتخذت إيران المذهب الشيعي الاسماعيلي مذهبا رسميا، وكان لهذا التحول آثاره البعيدة في تاريخ إيران خاصة وتاريخ العالم الإسلامي عامة.

ويعتز الصفويون بالشيخ “صفي الدين الأردبيلي” المولود عام (650هـ= 1334م)، وهو معلم الشاه إسماعيل، وكان رجلا نشيطا دائب الحركة والسعي؛ استطاع أن يجذب الأتباع حوله في أذربيجان. ثم انتقل الأمر إلى ابنه، ثم إلى حفيده صدر الدين خواجة علي سياهبوش، حليف تيمور لنك. وهو أول من غير مذهبه إلى المذهب الشيعي الاسماعيلي.

نجح أبناء الأردبيلي وأحفاده في نشر المذهب، والتمكين له بين المحبين والمريدين، وصارت لهم قوة وقدرة على المشاركة في الأحداث السياسية في المناطق التي يقيمون بها، وتحولوا من أصحاب دعوة وشيوخ طريقة إلى مؤسسي دولة لها أهدافها السياسية والمذهبية.

وكانت الأجواء التي تعيشها إيران في أواخر القرن التاسع الهجري من التمزق السياسي وشيوع الفوضى أفضل مناخ استغله الصفويون لجذب المزيد من الأنصار، والتطلع إلى قيام دولة تدين بالمذهب الشيعي الاسماعيلي لأول مرة في تاريخ الإسلام (حيث كانت الدول الشيعية السابقة إما زيدية وإما اثنا عشريه كالقرامطة والفاطميين). حيث سيطرت على إيران قبيلتان من قبائل التركمان هما قراقويونلو أي أصحاب الخراف السوداء، وآق قويونلو أي أصحاب الخراف البيضاء. وكان القتال مستمر بين تلك القبائل، مما زاد تمزق إيران بعد تعرضها لتدمير المغول ثم لتدمير تيمورلنك.

أبو المظفر شاه إسماعيل الهادي الوالي، اسماعيل بن حيدر بن جنيد الصفوي، مؤسس الأسرة الصفوية في إيران، من أحفاد الشيخ صفي الدين (650-735هـ/ 1252-1334م) الذي استقرَّ بأردبيل من أعمال أذربيجان، ويقال إنه من نسل الإمام موسى الكاظم.

ولد إسماعيل الصفوي في (25 رجب 892 هـ/25 يوليو 1487م)، وعاش بعد وفاة أبيه في كنف “كاركيا ميرزا” حاكم “لاهيجان” الذي كان محبا للمسلمين الصفويين. ظل إسماعيل الصفوي 5 سنوات تحت سمع هذا الحاكم وبصره، حتى شبّ قويا محبا للفروسية والقتال، قادرا على القيادة والإدارة.

وفي أثناء هذه الفترة كانت الدولة تعيش فترة صراعات بين أفراد أسرة آق قويونلو التي كانت تحكم فارس آنذاك، وهو ما استغله أنصار الصفويين، وأمّروا عليهم إسماعيل الصفوي، وكان صغيرا لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، لكنه كان مهيأ للقيادة والزعامة بفضل الرعاية التي أحاطه بها حاكم لاهيجان.

تمكن إسماعيل الصفوي وأنصاره من خوض عدة معارك ضد حكام بعض المناطق في إيران والتغلب عليهم، وتساقطت في يده كثير من المدن الإيرانية، وتوج جهوده بالاستيلاء على مدينة “تبريز” عاصمة آق قويونلو، ودخلها دخول الفاتحين، ثم أعلنها عاصمة لدولته.

وبدخول إسماعيل مدينة تبريز تم تتويجه ملكا على إيران، ولقبه أعوانه بأبي المظفر شاه إسماعيل الهادي الوالي، وذلك في سنة (907 هـ = 1502م) وأصدروا العملة باسمه.

ظهر الصفويون منافسين لحكم جهان شاه زعيم القره قيونلو في إيران، وكانت الحركة الصفوية قد تطورت في عهد جُنيد جد إسماعيل من حركة دينية إلى حركة تسعى للاستيلاء على السلطة، وعدّ جهان شاه هذه الحركة تهديداً له، فأمر جُنيداً بمغادرة أردبيل، وإلا تعرضت للخراب والدمار، فهرب جنيد إلى بلاط أوزون حسن زعيم الآق قيونلو في ديار بكر. ومع وجود الخلاف المذهبي بين جنيد الشيعي وأوزون حسن السني فإنهما تحالفا على الوقوف في وجه جهان شاه، الذي كان قد استغل وفاة شاه رخ التيموري (في ما وراء النهر) سنة 850هـ/ 1447م ليمد سلطته إلى أقصى اتساعها. وتأيد هذا التحالف حين تزوج جنيد أخت أوزون حسن، خديجة بيكُم. فلما قُتل جُنيد سنة 861هـ في حربه مع صاحب شروان، بايع أتباعُهُ الشيخ حيدر بن جنيد وزَوَّجه خالُه، أوزون حسن، ابنته حليمة بيكُم، وأعاده إلى أردبيل إثر انتصاره على جهان شاه (872هـ/ 1468م) وسيطرته على كل ممتلكات القره قيونلو.

ولما توفي أوزون حسن سنة 883هـ / 1478م،استحكم العداء بين حيدر الذي ازداد نفوذه في أردبيل ويعقوب بن أوزون حسن (884هـ – 896هـ)، وأعان يعقوب حاكم شروان في حربه مع حيدر الذي قُتل في طبرستان قرب دربند سنة 893هـ، واستولى يعقوب على أردبيل، ونقل أولاد حيدر إلى قلعة اصطخر في فارس حيث سُجنوا أربع سنوات ونصفاً (من ربيع الثاني سنة 894هـ إلى شوّال سنة 898هـ)، وحينما أدرك رستم حفيد أوزون حسن سنة 899هـ أن تزايد الدعم الشعبي للصفويين قد يهدد حكمه، أمر بقتل ابن حيدر الأكبر، يار علي، ثم ابنه إبراهيم، ونجا إسماعيل من القتل، ونجح فيما أخفق فيه أجداده، إذ التحق به في خريف سنة 906هـ/ 1500م سبعة آلاف من القِزِل باش وهم مقاتلون من القبائل التركمانية القاطنة في شرقي الأناضول، وشمالي سورية والمرتفعات الأرمينية، كانوا من أتباع الطريقة الصفوية ومن مريدي مشايخ الصفويين في أردبيل. وكان هؤلاء يتميزون من غيرهم بلباس رأس أمر حيدر أتباعه بلبسه، وهو عمامة قرمزية، ومن هذه العمامة اشتق لقبهم «قِزِل باش» أي «الرأس الأحمر».

استطاع إسماعيل بالاعتماد على مُقاتلة القِزِل باش أن يهزم الآق قيونلو في معركة شَرور، وأن ينتقم لوالده وجده من صاحب شروان. ثم استولى على أذربيجان سنة 907هـ/ 1501م واتخذ تبريز عاصمة له. وأعلن نفسه شاهاً في السنة نفسها، واتخذ من المذهب الاثني عشري مذهباً رسمياً للدولة الصفوية.

مدّ إسماعيل في العقد التالي سلطانه على مناطق متعددة، فاستولى على فارس والعراق العجمي (908-909هـ) ومازندران وجرجان ويزد (909هـ)، وديار بكر (911-913هـ) ثم بغداد والعراق سنة 914هـ. واعترف الحكام المحليون في خوزستان ولورستان وكردستان بسلطانه. وفي عام 916هـ/ 1510م هزم شاه إسماعيل الأوزبك بقيادة محمد شيباني خان (سيد ما وراء النهر وخراسان) هزيمة ساحقة بالقرب من مرو، فأصبح إسماعيل بهذا سلطان خراسان كلها، واتخذ هراة قاعدة ثانية لمملكته، وغدت هراة مقراً دائماً لأمير من الأمراء الصفويين، وخاصة ولي العهد، الذي كان يوضع تحت رعاية حاكم خراسان من القِزِل باش.

في سنة 917هـ/ 1511م وصلت قوات شاه إسماعيل إلى سمرقند لدعم الأمير التيموري بابُر الذي كان يأمل، بمساعدة هذه القوات، أن يستعيد سلطانه على مناطق ما وراء النهر، ولكن جيشاً كبيراً من الأوزبك دحر القوات الصفوية إلى ما وراء نهر جيحون، وعُقدت هدنة مع الأوزبك استمرت ثماني سنوات، وأخفق إسماعيل في إيجاد حل دائم لقضية الدفاع عن حدوده الشمالية الشرقية.

وفي عام 920هـ/ 1514م التقى الجيشان الصفوي والعثماني في معركة غالديران (جالديران) الشهيرة، إذ كان وجود أعداد كبيرة من القبائل التركمانية، التي تدين بالولاء للصفويين ضمن أراضي الدولة العثمانية، يعد تهديداً للعثمانيين لا يمكن تجاهله. وقد انتصر السلطان سليم الأول في هذه الموقعة انتصاراً ساحقاً واحتل تبريز، ولكنه اضطر إلى مغادرتها حينما بلغه أن قانصوه الغوري سلطان المماليك أرسل جيشاً من مصر لنجدة الشاه إسماعيل.

وعلى الرغم من الهزيمة المدوية التي لحقت بإسماعيل الصفوي، فإنها لم تحسم الصراع لصالح العثمانيين، وظل كل طرف يتربص بالآخر وينتهز الفرصة للانقضاض عليه، ونظرا لفداحة خسائر الصفويين؛ فقد حاول إسماعيل الصفوي أن يبرم صلحا مع السلطان سليم الأول، لكن محاولته لم تلق قبولا لدى السلطان العثماني.

وترتب على انتصار سليم الأول أن نهض رؤساء كردستان -وهم من الشافعية السنة- لمساندة العثمانيين. فلم يمض وقت طويل حتى انضمت 25 مدينة للحكم العثماني، على الرغم من الاستحكامات العسكرية التي أقامها الصفويون بها. فتوسع العثمانيون وضموا إليهم ديار بكر وسائر مدن كردستان حتى أصبح الجزء الأكبر من أراضي الأكراد في يد العثمانيين، وأصبح الإيرانيون وجها لوجه أمام العثمانيين، وبات من الصعب على الصفويين التوسع على حساب العثمانيين.

كان لهزيمة إسماعيل في معركة غالديران نتائج مهمة، فقد خسر ديار بكر ومرعش، وقُتل في المعركة عدد كبير من زعماء القزل باش وثلاثة من علمائهم البارزين؛ وفقد شاه إسماعيل إيمانه بقوته ومنعته، فلم يخض بنفسه بعد ذلك معركة واحدة طوال السنوات العشر الأخيرة من حكمه، كما أثرت فيه الخسائر التي مني بها على الجبهة الشرقية أيضاً، فقد خسر بلخ سنة 922هـ/ 1516-1517م وقندهار سنة 928 هـ/ 1522م وكاد يخسر هراة نفسها سنة 927هـ و930هـ، فتضاءل اهتمامه بأمور الدولة، وتأثرت العلاقة بينه وبين مريديه القزل باش، الذين كانوا ينظرون إليه نظرة تقديس، فدب الخلاف من جديد بين قبائل القزل باش بعد أن نجحت الدعوة الصفوية في تحويل طاقاتها إلى هدف أسمى، وانخرطت في حرب أهلية دامت نحو عشر سنوات بعد موت شاه إسماعيل (930-940هـ/ 1524-1533م) وكادت تعصف بالدولة الصفوية كلها.

تركت الهزيمة التي لقيها إسماعيل الصفوي آثارا قاسية في نفسه، ولم يكن قد لحقت به هزيمة قبل ذلك؛ فانصرف إلى العزلة، وغلب عليه اليأس، وارتدى لباسا أسود اللون، ووضع على رأسه عمامة، وكتب على أعلامه السوداء كلمة “القصاص”، وانصرف إلى معاقرة الخمر حتى أدمنها، وشغل نفسه بالتفكير في طريقة الانتقام من غريمه سليم الأول، إلا أن المنية عاجلت سليم الأول سنة (926 هـ = 1520م) وهو في طريقه لغزو إيران مرة أخرى.

شجعت وفاة سليم الأول المفاجئة إسماعيل الصفوي على أن تستحكم منه الرغبة في الانتقام من العثمانيين من جديد، غير أن الموت اغتال أمنياته؛ فمات متأثرا بالسل وعمره سبعة وثلاثون عاما في (18 رجب 930 هـ/ 31 مايو 1524م) على مقربة من أذربيجان، ودفن في أربيل إلى جوار أجداده، وخلفه في الحكم طهماسب الأول.

توفي إسماعيل في تبريز، ودفن في أردبيل حيث مقابر الصفويين، وخلفه ابنه طهماسب (930-984هـ).