ابن السماك

ابن السماك
توفي 183 هـ

هو أبو العباس محمد بن صبيح المعروف بابن السماك.

اشتهر أبوالعباس محمد بن صبيح العجلي ابن السماك بالزهد والورع، وفصاحة اللسان في غير تكلف، كما اشتهر بمجالسته للرشيد، ومناصحته له دون خوف أو رهبة، حتي كانت حاشية الخليفة تعجب من جرأة الرجل، ومن صبر الخليفة عليه.

كان ابن السماك هو صوت الضمير للرشيد الذي كثيرا ما يبكيه، فيتطهر الخليفة بالدموع، ويغسل بها روحه ولا يمل ابن السماك من تكرار النصح، ولا الخليفة ضجر من كثرة البكاء.

ورد في كتاب “وفيات الأعيان” لابن خلكان قوله:

أبو العباس محمد بن صبيح المذكر مولى بني عجل، المعروف بابن السماك القاص الكوفي الزاهد المشهور؛ كان زاهداً عابداً حسن الكلام صاحب مواعظ، جمع كلامه وحفظ،ولقي جماعة من الصدر الأول وأخذ عنهم: مثل هشام بن عروة والأعمش وغيرهما.وروى عنه أحمد بن أحمد بن حنبل وأنظاره؛وهو كوفي قدم بغداد زمن هارون الرشيد فمكث بها مدة، ثم رجع إلى الكوفة فمات بها.ومن كلامه: خف الله كأنك لم تطعه، وارج الله كأنك لم تعصه.

وكان هارون الرشيد قد حلف أنه من أهل الجنة، فاستفتى العلماء فلم يفته أحد بأنه من أهلها فقيل له عن ابن السماك المذكور، فاستحضره وسأله، فقال له هل قدر أمير المؤمنين على معصية فتركها خوفا من الله تعالى؟ فقال: نعم، كان لبعض ألزمي جارية فهويتها فتركها خوفا من الله تعالى؟ فقال: نعم، كان لبعض ألزمي جارية فهويتها وأنا إذ ذاك شاب، ثم إني ظفرت بها مرة، وعزمت على ارتكاب الفاحشة معها، ثم إني فكرت في النار وهولها وأن الزنا من الكبائر، فأشفقت من ذلك، وكففت عن الجارية مخافة من الله تعالى، فقال له ابن السماك: أبشر ياأمير المؤمنين فإنك من أهل الجنة، فقال هارون:ومن أين لك هذا؟ فقال: من قوله تعالى “وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى” – النازعات:40 – فسر هارون بذلك.

ودخل على بعض الرؤساء يشفع إليه فقال له: إني أتيتك في حاجة، وإن الطالب والمطلوب منه عزيزان إن قضيت الحاجة، ذليلان إن لم تقضها، فاختر لنفسك عز البذل على ذل المنع، واختر لي عز النجح على ذل الرد؛ فقضى حاجته. ومن كلامه: من جرعته الدنيا حلاوتها بميلة إليها جرعته الآخرة مرارتها بتجافيها عنه. وتكلم يوما وجاريته تسمع كلامه، فقال لها: كيف سمعت كلامي؟ فقالت هو حسن، لولا أنك تردده، فقال: أردده كي يفهمه من لم يفهمه، فقالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه يمله من فهمه.وأخباره ومواعظه كثيرة.

وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومائة بالكوفة، رحمه الله تعالى.

والسماك: بفتح السين المهملة والميم المشددة وبعد الألف كاف، هذه النسبة إلى بيع السمك وصيده.

وورد في “سير أعلام النبلاء” للذهبي قوله:

” الزاهد القدوة سيد الوعاظ أبو العباس محمد بن صبيح العجلي مولاهم الكوفي ابن السماك.

روى عن: هشام بن عروة والأعمش ويزيد بن أبي زياد وطائفة ولم يكثر.

روى عنه: يحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل ويحيى بن أيوب العابد ومحمد بن عبد الله بن نمير وآخرون. قال ابن نمير: صدوق.

قلت: ما وقع له شيء في الكتب الستة وهو القائل: كم من شيء إذا لم ينفع لم يضر لكن العلم إذا لم ينفع ضر.

قيل: وعظ مرة فقال: يا أمير المؤمنين إن لك بين يدي الله مقاماً وإنه لك من مقامك منصرفاً فانظر إلى أين تكون فبكى الرشيد كثيراً.

قيل: دخل ابن السماك على رئيس في شفاعة لفقير فقال: إني أتيتك في حاجة والطالب والمعطي عزيزان إن قضيت الحاجة ذليلان إن لم تقض فاختر لنفسك عز البذل عن ذل المنع وعز النجح على ذل الرد.

وعنه قال: همة العاقل في النجاة والهرب وهمة الأحمق في اللهو والطرب عجباً لعين تلذ بالرقاد وملك الموت معها على الوساد حتى متى يبلغنا الوعاظ أعلام الآخرة حتى كأن النفوس عليها واقفة والعيون ناظرة أفلا منتبه من نومته أو مستيقظ من غفلته ومفيق من سكرته وخائف من صرعته كدحاً للدنيا كدحاً أما تجعل للآخرة منك حظاً أقسم بالله لو رأيت القيامة تخفق بأهوالها والنار مشرفة على آلها وقد وضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء لسرك أن يكون لك في ذلك الجمع منزلة أبعد الدنيا دار معتمل أم إلى غير الآخرة منتقل؟. هيهات ولكن صمت الآذان عن المواعظ وذهلت القلوب عن المنافع فلا الواعظ ينتفع ولا السامع ينتفع.

وعنه: هب الدنيا في يديك ومثلها ضم إليك وهب المشرق والمغرب يجيء إليك فإذا جاءك الموت فماذا في يديك؟! ألا من امتطى الصبر قوي على العبادة ومن أجمع الناس استغنى عن الناس ومن أهمته نفسه لم يول مرمتها غيره ومن أحب الخير وفق له ومن كره الشر جنبه ألا متأهب فيما يوصف أمامه ألا مستعد ليوم فقره ألا مبادر فناء أجله ما ينتظر من ابيضت شعرته بعد سوادها وتكرش وجهه بعد انبساطه وتقوس ظهره بعد انتصابه وكل بصره وضعف ركنه وقل نومه وبلي منه شيء بعد شيء في حياته فرحم الله امرأً عقل الأمر وأحسن النظر واغتنم أيامه.

وعنه: الدنيا كلها قليل والذي بقي منها قليل والذي لك من الباقي قليل ولم يبق من قليلك إلا قليل وقد أصبحت في دار العزاء وغداً تصير إلى دار الجزاء فاشتر نفسك لعلك تنجو.

توفي ابن السماك سنة ثلاث وثمانين ومئة وقد أسن”.