أيوب والد السلطان صلاح الدين

أيوب والد السلطان صلاح الدين
توفي 568 هـ

أبو الشكر أيوب بن شاذي بن مروان الملقب الملك الأفضل نجم الدين والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب.

قال بعض المؤرخين: كان شاذي بن مروان من أهل دوين ومن أبناء أعيانها والمعتبرين بها، وكان له صاحب يقال له: جمال الدولة المجاهد بهروز، وكان من أظرف الناس وألطفهم وأخبرهم بتدبير الأمور، وكان بينهما من الاتحاد كما بين الأخوين، فجرت لبهروز قضية في دوين، فخرج منها حياء وحشمة، وذلك أنه اتهم بزوجة بعض الأمراء بدوين، فأخذه صاحبها فخصاه، فلما مثل به لم يقدر على الإقامة بالبلد، وقصد خدمة أحد الملوك السلجوقية، وهو السلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه، فوجده لطيفاً كافياً في جميع الأمور، فتقدم عنده وتميز، وفوض أحواله إليه، وجعله يركب مع أولاد السلطان مسعود إذا كان له شغل، فرآه السلطان يوما مع أولاده، فأنكر على اللال، فقال له: إنه خادم، وأثنى عليه وشكر دينه وعفافه ومعرفته، ثم صار يسيره إلى السلطان في الأشغال، فخفف على قلبه، ولعب معه بالشطرنج والنرد فحظي عنده، واتفق موت اللال، فجعله السلطان مكانه، وأرصده لمهامه، وسلم إليه أولاده، وسار ذكره في تلك النواحي، فسير إلى شاذي يستدعيه من بلده ليشاهد ما صار إليه من النعمة.

واتفق أن السلطان رأى أن يوجه المجاهد المذكور إلى بغداد والياً عليها ونائباً عنه بها، وكذا كانت عادة الملوك السلجوقية في بغداد يسيرون إليها النواب، فاستصحب معه شاذي المذكور، فسار هو واولاده صحبته، وأعطى السلطان لبهروز قلعة تكريت، فلم يجد من يثق إليه في أمرها سوى شاذي المذكور، فأرسله إليها، فمضى وأقام بها مدة وتوفي بها، فولى مكانه ولده نجم الدين أيوب، فنهض في أمرها، وشكره بهروز وأحسن إليه، وكان أكبر سناً من أخيه أسد الدين شيركوه.

ثم اتفق أن بعض الحرم خرجت من قلعة تكريت لقضاء حاجة، وعادت فعبرت على نجم الدين أيوب وأخيه أسد الدين شيركوه وهي تبكر، فسألاها عن سبب بكائها، فقالت: أنا داخلة في الباب الذي للقلعة، فتعرض إلي الإسفهسلار، فقام شيركوه وتناول الحربة التي تكون للإسفهسلار وضربه بها فقتله، فأمسكه أخوه نجم الدين أيوب واعتقله، وكتب إلى بهروز وعرفه صورة الحال ليفعل فيه ما يراه، فوصل إليه جوابه لأبيكما علي حق، وبيني وبينه مودة، ما يمكنني أن أكافئكما بحالة سيئة تصدر مني في حقكما، ولكن أشتهي منكما أن تتركا خدمتي، وتخرجا من بلدي، وتطلبا الرزق حيث شئتما. فلما وصلهما الجواب ما أمكنهما المقام بتكريت، فخرجا منها ووصلا إلى الموصل، فأحسن إليهما الأتابك عماد الدين زنكي لما كان تقدم لهما عنده، وزاد في إكرامهما والإنعام عليهما، وأقطعهما إقطاعاً حسناً، ثم لما ملك الأتابك قلعة بعلبك استخلف بها نجم الدين أيوب.

ولما توجه أخوه اسد الدين شيركوه إلى مصر لإنجاد شاور، كان نجم الدين أيوب مقيماً بدمشق في خدمة نور الدين محمود بن زنكي، ولما تولى صلاح الدين ولده وزارة الديار المصرية في أيام العاضد صاحب مصر، استدعى أباه من الشام، فجهزه نورالدين وأرسله إليه ودخل القاهرة لست بقين من رجب سنة خمس وستين وخمسمائة، وخرج العاضد للقائه إكراماً لولده صلاح الدين يوسف، وسلك معه ولده صلاح الدين من الأدب ماهو اللائق بمثله، وعرض عليه الأمر كله فأبى وقال: يا ولدي، ما اختارك الله تعالى لهذا الأمر إلا وأنت أهل له، ولا ينبغي أن تغير موضع السعادة، ولم يزل عنده حتى استقل صلاح الدين بمملكة البلاد.

ثم خرج صلاح الدين إلى الكرك ليحاصرها وأبوه بالقاهرة، فركب يوماً ليسير على عادة الجند، فخرج من باب النصر أحد أبواب القاهرة، فشب به فرسه فألقاه في وسط المحجة، وذلك في يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة من سنة ثمان وستين وخمسمائة، فحمل إلى داره، وبقي متألما إلى أن توفي.

ولما مات دفن إلى جاب أخيه أسد الدين شيركوه في بيت بالدار السلطانية ثم نقلا بعد سنين إلى المدينة الشريفة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.

المرجع: وفيات الأعيان