أحمد بن نصر الخزاعي

أحمد بن نصر الخزاعي
توفي 231 هـ

جاء في “سير أعلام النبلاء” للذهبي:

” الإمام الكبير الشهيد أبو عبد الله أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي المروزي ثم البغدادي. كان جده أحد نقباء الدولة العباسية وكان أحمد أماراً بالمعروف قوالاً بالحق.

سمع من مالك وحماد بن زيد وهشيم وبن عيينة. وروى قليلاً.

حدث عنه عبد الله بن الدورقي ومحمد بن يوسف بن الطباع ومعاوية بن صالح الأشعري وآخرون.

قال بن الجنيد سمعت يحيى بن معين يترحم عليه وقال ختم الله له بالشهادة قد كتبت عنه وكان عنده مصنفات هشيم كلها وعن مالك أحاديث وكان يقول عن الخليفة ما دخل عليه من يصدقه. ثم قال يحيى ما كان يحدث ويقول لست هناك. قال الصولي كان هو وسهل بن سلامة حين كان المأمون بخرسان بايعا الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم قدم المأمون فبايعه سهل ولزم بن نصر بيته ثم تحرك في آخر أيام الواثق واجتمع إليه خلق يأمرون بالمعروف. قال إلى إن ملكوا بغداد وتعدى رجلان موسران من أصحابه فبذلا مالاً وعزما على الوثوب في سنة إحدى وثلاثين فنم الخبر إلى نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم فأخذ أحمد وصاحبيه وجماعة ووجد في منزل أحدهما أعلاماً وضرب خادماً لأحمد فأقر بأن هؤلاء كانوا يأتون أحمد ليلاً ويخبرونه بما عملوا. فحملوا إلى سامراء مقيدين فجلس الواثق لهم وقال لأحمد دع ما أخذت له ما تقول في القرآن؟ قال كلام الله. قال أفمخلوق هو؟ قال كلام الله. قال فترى ربك في القيامة؟ قال كذا جاءت الرواية. قال ويحك يرى كما يرى المحدود المتجسم ويحويه مكان ويحصره ناظر؟ أنا كفرت بمن هذه صفته ما تقولون فيه؟ فقال قاضي الجانب الغربي هو حلال الدم ووأفقه فقهاء فأظهر أحمد بن أبي دواد أنه كاره لقتله. وقال شيخ مختل تغير عقله يؤخر. قال الواثق ما أراه إلا مؤدياً لكفره قائماً بما يعتقده ودعا بالصمصامة وقام وقال أحتسب خطاي إلى هذا الكافر. فضرب عنقه بعد إن مدوا له رأسه بحبل وهو مقيد ونصب رأسه بالجانب الشرقي وتتبع أصحابه فسجنوا.

قال الحسن بن محمد الحربي سمعت جعفر بن محمد الصائغ يقول رأيت أحمد بن نصر حين قتل قال رأسه لا اله إلا الله.

قال المروذي سمعت أحمد ذكر أحمد بن نصر فقال رحمه الله لقد جاد بنفسه.

وعلق في أذن أحمد بن نصر ورقه فيها هذا رأس أحمد بن نصر دعاه الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلا المعاندة فعجله الله إلى ناره. وكتب محمد بن عبد الملك.

وقيل حنق عليه الواثق لأنه ذكر للواثق حديثاً فقال تكذب. فقال بل أنت تكذب. وقيل إنه قال له يا صبي ويقول في خلوته عن الواثق فعل هذا الخنزير. ثم إن الواثق خاف من خروجه فقتله في شعبان سنة إحدى وثلاثين وكان أبيض الرأس واللحية.

ونقل عن الموكل بالرأس أنه سمعه في الليل يقرأ “يس” وصح أنهم أقعدوا رجلاً بقصبة فكانت الريح تدير الرأس إلى القبلة فيديره الرجل.

قال السراج سمعت خلف بن سالم يقول بعدما قتل بن نصر وقيل له ألا تسمع ما الناس فيه يقولون إن رأس أحمد بن نصر يقرأ؟!! فقال كان رأس يحيى يقرأ. وقيل رئي في النوم فقيل ما فعل الله بك؟ قال ما كانت إلا غفوة حتى لقيت الله فضحك إلي. وقيل إنه قال غضبت له فأباحني النظر إلى وجهه.

بقي الرأس منصوباً ببغداد والبدن مصلوباً بسامراء سنين إلى إن أنزل وجمع في سنة سبع وثلاثين فدفن رحمه الله عليه”.

وورد في “تـاريخ الأمم والملوك” للطبري”:

” وفي هذه السنة تحرّك ببغداد قومٌ في ربض عمرو بن عطاء فأخذوا على أحمد بن نصر الخزاعيّ البيعة.

وكان السبب في ذلك أنّ أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعيّ – ومالك بن الهيثم أحد نقباء بني العباس وكان ابنه أحمد يغشاه أصحاب الحديث؛ كيحيى بن معين وابن الدّورقيّ وابن خيثمة، وكات يظهر المباية لم يقول: القرآن مخلوق؛ مع منزلة أبيه كانت من السلطان في دولة بني عباس، ويبسط لسانه فيمن يقول ذلك، مع غلظة الواثق كانت على من يقول ذلك وامتحانه إياهم فيه، وغلبة أحمد بن أبي داود عليه – فحدثني بعض أشياخنا، عمّن ذكره، أنه دخل على أحمد بن نصر في بعض تلك الأيام وعنده جماعة من الناس، فذكر عنده الواثق، فجعل يقول: ألاّ فعل هذا الخنزيأو قال: هذا الكافر؛ وفشا ذلك من أمره، فخوّف بالسلطان، وقيل له: قد اتّصل أمرك به، فخافه.

وكان فيمن يغشاه رجل – فيما ذكر – يعرف بأبي هارون السرّاج وآخر يقال له طالب، وآخر من أهل خرسان من أصحاب إسحاق بن إبراهيم بن مصعب صاحب الشرطة ممّن ظهر له القول بمقالته، فحرّك المطيفون به – يعني أحمد بن نصر – من أصحاب الحديث، وممن ينكر القول بخلق القرآن من أهل بغداد- أحمد، وحملوه على الحركة لإنكار القول بخلق القرآن وقصدوه بذلك دون غيره لما كانت لما لأبيه وجده في دولة بني العباس من الأثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسمع له في سنة إحدى ومائتي لماّ كثر الدعّار بمدينة السلام، وظهر بها الفساد والمأمون بخراسان؛ وقد ذكرنا خبره فيما مضى. وأنه لم يزل أمره على ذلك ثابتاً إلى أن قدم المأمون بغداد في سنة أربع ومائتين فرجوا استجابة العامة له إذا هو تحرّك للأسباب التي ذكرت.

فذكر أنه أجاب من سأله ذلك؛ وأنّ الذي كان يسعى به في دعاء الناس له الرجلان اللذان ذكرت اسميهم قبل. وإ أبا هارون السّراج وطالباً فرّقا في قوم مالا، فأعطيا كلّ رجل منهم ديناراً ديناراً، وواعدهم ليلةً يضربون فيها الطّبل للإجتماع في صبيحتها للوثوب بالسلطان؛ فكان طالب بالجانب الغربيّ من مدينة السّلام فيمن عاقده على ذلك، وأبو هارون بالجانب الشرقيّ فيمن عاقده عليه؛ وكان طالب وأبو هارون أعطيا فيمن أعطيا رجلين من بني أشرس القائد دنانير يفرّقانها في جيرانهم، فانتبذ بعضهم نبيذاً، واجتمع عدّة منهم على شربه، فلمّا ثملوا ضربوا بالطبل ليلة الأربعاء قبل الموعد بليلة؛ وكان الموعد لذلك ليلة الخميس في شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، لثلاث تخلو منه، وهم يحسبونها ليلة الخميس التي اتّعدوا لها، فأكثروا ضرب الطبل، فلم يجبهم أحد. وكان إسحاق بن إبراهيم غائباً عن بغداد وخليفته بها أخوه محمد بن إبراهيم فوجّه إليهم محمد بن إبراهيم غلاماً له يقال له رحش فأتاهم فسألهم عن قصّتهم، فلم يظهر له أحد ممن ذكر بضرب الطّبل، فدلّ على رجل يكون في الحمامات مصاب بعينه، يقال له عيسى الأعور، فهدّده بالضرب، فأقرّ على ابني أشرس وعلى أحمد بن نصر بن مالك وعلى آخرين سمّاهم، فتتبّع القوم من ليلتهم؛ فأخذ بعضهم، وأخذ طالباً ومنزله في الرّبض من الجانب الغربي، وأخذ أبا هارون السّراج ومنزله في الجانب الشرقيّ، وتتبّع من سمّاه عيسى الأعور في أيام وليال، فصيّروا في الحبس في الجانب الشرقيّ والغربيّ، كلّ قوم في ناحيتهم التي أخذوا فيها، وقيّد أبو هارون وطالب بسبعين رطلاً من الحديد كلّ واحد منهما، وأصيب في منزل ابني أشرس علمان أخضران فيهما حمرة في بئر، فتولّى إخراجهما رجلٌ من أعوان محمد بن عياش – وهو عامل الجانب الغربيّ، وعامل الجانب الشرقيّ العباس بن محمد بن جبريل القائد الخرساني – ثم أخذ خصىّ لأحمد ابن نصر فتهدّد، فأقرّ بما أقرّ به عيسى الأعور، فمضى إلى أحمد بن نصر وهو في الحمّام، فقال لأعوان السلطان: هذا منزلي؛ فإن أصبتم فيه علماً أو عدّة أو سلاحاً لفتنة فأنتم في حلّ منه ومن دمي؛ ففتش فلم يوجد فيه شيء، فحمل إلى محمد بن إبراهيم بن مصعب وأخذوا خصيّين وابنين له ورجلاً ممن كان يغشاه يقال له اسماعيل بن محمد بن معاوية بن بكر الباهليّ، ومنزله بالجانب الشرقيّ، فحمل هؤلاء الستة إلى أمير المؤمنين الواثق وهو بسامرّا على بغال بأكفٍ ليس تحتهم وطاء، فقيّد أحمد بن نصر بزوج قيود، وأخرجوا من بغداد يوم الخميس لليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وكان الواثق قد أعلم بمكانهم، وأحضر ابن أبي داود وأصحابه، وجلس لهم مجلساً عاماًّ ليمتحنوا امتحاناً مكشوفاً، فحضر القوم واجتمعوا عنده .

وكان أحمد بن أبي داود – فما ذكر – كارهاً قتله في الظاهر؛ فلما أتى بأحمد بن نصر لم يناظره الواثق في الشّغب ولا فيما رفع عليه من إرادته الخروج عليه ولكنه قال له: يا أحمد، ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله؟ وأحمد بن نصر مستقتل قد تنور وتطيب قال: أفمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله قال: فما تقول في ربك أتراه يوم القيامة؟ قال: يا أمير المومنين جاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته” فنحن على الخبر قال: وحدثني سفيان ابن عتيبة بحديث يرفعه “أن قلب ابن آدم بين إصبعي من أصابع الله يقلّبه”؛ وكان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يدعو: “يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك”؛ فقال له إسحاق بن إبراهيم: و?يلكن انظر ماذا تقولن قال: أنت أمرتني بذلك؛ فأشفق إسحاق من كلامه، وقال: أنا أمرتك بذلكن قال: نعم، أمرتني أن أنصح له إذ كان أمير المؤمنين، ومن نصيحتي له ألاّ يخالف حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون فيه؟ فأكثروا، فقال عبد الرحمن بن إسحاق – وكان قاضياً على الجانب الغربيّ فعزل؛ وكان حاضراً وكان أحمد بن نصر ودّاً له – :يا أمير المؤمنين؛ هو حلال الدّم، وقال أبو عبد اللّه الأرمّني صاحب ابن أبي داود: اسقني دمه يا أمير المؤمنين، فقال الواثق: القتل يأتي على ما تريد، وقال ابن أبي داود: يا أمير المؤمنين كافر يستتاب؛ لعلّ به عاهة أو تغيّر عقل – كأنه كره أن يقتل بسببه – فقال الواثق: إذا رأيتموني قد قمت إليه، فلا يقومنّ أحد معي، فإني أحتسب خطاي إليه. ودعا بالصمصامة – سيف عمرو بن معد يكرب الزبيدي وكان في الخزاة، كان أهدى إلى موسى الهادي فأمر سلماً الخاسر الشاعر أن يصفه له، فوصفه فأجازه – فأخذ الواثق الصمصامة – وهي صفيحة موصولة من أسفلها مسمورة بثلاثة مسمير تجمع بين الصفيحة والصلة – فمشى إليه وهو في وسط الدار، ودعا بنطع فصير في وسطه، وحبل فشد رأسه، ومد الحبل، فضربه الواثق ضربة، فوقعت على حبل العاتق ثم ضربه أخرى على رأسه، ثم اتضى سيماً الدمشقي سيفه، قضرب عنقه وخر رأسه.

وقد ذكر أن بغا الشرابي ضربه ضربة أخرى، وطعنه الواثق بطرف الصمصامة في بطنه، فحمل معترضاً حتى أتى به الحظيرة التي فيها بابك، فصلب فيها وفي رجله زوج قيود، وعليه سراويل وقميص، وحمل رأسه إلى بغداد فصب في الجانب الشرقي أياماً وفي الجانب الغربي أياماً، ثم حول إلى الشرق؛ وحظر على الرأس حظيرة، وضرب عليه فسطاط، وأقيم عليه الحرس، وعرف ذلك الموضع برأس أحمد بن نصر؛ وكتب في أذنه رقعة: هذا رأس الكافر المشرك الضال؛ وهو أحمد بن نصر بن مالك؛ ممن قتله الله على يدي عبد الله هارون الإمام الواثق بالله أمير المؤمنين، بعد أن أقام ?عليه الحجة في خلق القرآن وفي التشبيه، وعرض عليه التوبة، ومكنه من الرجوع إلى الحق؛ فأبى إلا المعاندة والتصريح، والحمد لله الذي عجل به إلى ناره وأليم عقابه. وإن أمير المؤمنين سأله عن ذلك؛ فأقر بالتشبيه وتكلم بالكفر، فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه، ولعنه.

وأمر أن يتتبع من وسم بصحبة أحمد بن نصر؛ ممن ذكر أنه كان متشايعاً له؛ فوضعوا في الحبوس، ثم جعل نيف وعشرون رجلاً وسموا في حبوس الظلمة؛ ومنعوا من أخذ الصدقة التي يعطاها أهل السجون، ومنعوا من الزوار، وثقلوا بالحديد. وحمل أبو هارون السراج وآخر معه إلى سامراً، ثم ردوا إلى بغداد فجعلوا في المجالس.

وكان سبب أخذ الذين أخذوا بسبب أحمد بن نصر، أن رجلاً قصاراً كان في الربض جاء إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب فقال: أنا أدلك على أصحاب أحمد بن نصر، فوجه معه من يتبعهم؛ فلما اجتمعوا وجدوا على القصار سبباً حبسوه معهم؛ وكان له في المهرزار نخل فقطع وانتهت منزله؛ وكان ممن حبس بسببه قوم من ولد عمرو بن اسفنديار، فماتوا في الحبس؛ فقال بعض الشعراء في أحمد بن أبي داود:

ما إن تحـولـت مـن إياد         صرت عذاباً على العبـاد

أنت كما قـلـت مـن إياد        فارفق بهذا الخلق يا إيادي

وورد في كتاب “البداية والنهاية” لابن كثير:

” كان مقتل أحمد بن نصر الخزاعي، رحمه الله وأكرم مثواه‏.‏

وكان سبب ذلك أن هذا الرجل وهو‏:‏ أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي وكان جده مالك بن الهيثم من أكبر الدعاة إلى دولة بني العباس الذين قتلوا ولده هذا، وكان أحمد بن نصر هذا له وجاهة ورياسة، وكان أبوه نصر بن مالك يغشاه أهل الحديث، وقد بايعه العامة في سنة إحدى ومائتين على القيام بالأمر والنهي حين كثرت الشطار والدعار في غيبة المأمون عن بغداد كما تقدم ذلك، وبه تعرف سويقة نصر ببغداد‏.‏

وكان أحمد بن نصر هذا من أهل العلم والديانة والعمل الصالح والاجتهاد في الخير، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان ممن يدعو إلى القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وكان الواثق من أشد الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، اعتماداً على ما كان عليه أبوه قبله وعمه المأمون، من غير دليل ولا برهان، ولا حجة ولا بيان، ولا سنة ولا قرآن‏.‏

فقام أحمد بن نصر هذا يدعو إلى الله وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن النكر والقول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، في أشياء كثيرة دعا الناس إليها‏.‏

فاجتمع عليه جماعة من أهل بغداد، والتف عليه من الألوف أعداد، وانتصب للدعوة إلى أحمد بن نصر هذا رجلان وهما‏:‏ أبو هارون السراج يدعو أهل الجانب الشرقي، وآخر يقال له‏:‏ طالب يدعو أهل الجانب الغربي فاجتمع عليه من الخلائق ألوف كثيرة، وجماعات غزيرة‏.‏

فلما كان شهر شعبان من هذه السنة انتظمت البيعة لأحمد بن نصر الخزاعي في السر على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن، ولما هو عليه وأمراؤه وحاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها‏.‏

فتواعدوا على أنهم في الليلة الثالثة من شعبان – وهي ليلة الجمعة – يضرب طبل في الليل فيجتمع الذين بايعوا في مكان اتفقوا عليه، وأنفق طالب وأبو هارون في أصحابه ديناراً ديناراً، وكان من جملة من أعطوه رجلان من بني أشرس، وكانا يتعاطيان الشراب‏.‏

فلما كانت ليلة الخميس شربا في قوم من أصحابهم واعتقدا أن تلك الليلة هي ليلة الوعد، وكان ذلك قبله بليلة، فقاما يضربان على طبل في الليل ليجتمع إليهما الناس، فلم يجيء أحد وانخرم النظام وسمع الحرس في الليل فأعلموا نائب السلطنة، وهو محمد بن إبراهيم بن مصعب، وكان نائباً لأخيه إسحاق بن إبراهيم، لغيبته عن بغداد، فأصبح الناس متخبطين‏.‏

واجتهد نائب السلطنة على إحضار ذينك الرجلين فأحضرا فعاقبهما فأقرا على أحمد بن نصر، فطلبه وأخذ خادماً له فاستقره فأقر بما أقر به الرجلان، فجمع جماعة من رؤوس أصحاب أحمد بن نصر معه وأرسل بهم إلى الخليفة بسر من رأى، وذلك في آخر شعبان‏.‏

فأحضر له جماعة من الأعيان وحضر القاضي أحمد بن أبي داؤد المعتزلي، وأحضر أحمد بن نصر ولم يظهر منه على أحمد بن نصر عتب، فلما أوقف أحمد بن نصر بين يدي الواثق لم يعاتبه على شيء مما كان منه في مبايعته العوام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره، بل أعرض عن ذلك كله وقال له‏:‏ ما تقول في القرآن ‏؟‏

فقال‏:‏ هو كلام الله‏.‏

قال‏:‏ أمخلوق هو ‏؟‏

قال‏:‏ هو كلام الله‏.‏

وكان أحمد بن نصر قد استقتل وباع نفسه وحضر وقد تحنط وتنور وشد على عورته ما يسترها فقال له‏:‏ فما تقول في ربك، أتراه يوم القيامة ‏؟‏

فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ قد جاء القرآن والأخبار بذلك، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ ‏]‏ الآية‏.‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته‏)‏‏)‏‏.‏ فنحن على الخبر‏.‏

زاد الخطيب قال الواثق‏:‏ ويحك ‏!‏ أيرى كما يرى المحدود المتجسم‏؟‏ ويحويه مكان ويحصره الناظر‏؟‏ أنا أكفر برب هذه صفته‏.‏

قلت‏:‏ وما قاله الواثق لا يجوز ولا يلزم ولا يرد به هذا الخبر الصحيح، والله أعلم‏.‏

ثم قال أحمد بن نصر للواثق‏:‏ وحدثني سفيان بحديث يرفعه‏:‏ ‏(‏‏(‏إن قلب ابن آدم بأصبعين من أصابع الله يقلبه كيف شاء‏)‏‏)‏‏.‏

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك‏)‏‏)‏‏.‏

فقال له إسحاق بن إبراهيم‏:‏ ويحك ‏!‏ انظر ما تقول‏.‏

فقال‏:‏ أنت أمرتني بذلك‏.‏

فأشفق إسحاق من ذلك وقال‏:‏ أنا أمرتك ‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏ أنت أمرتني أن أنصح له‏.‏

فقال الواثق لمن حوله‏:‏ ما تقولون في هذا الرجل‏؟‏

فأكثروا القول فيه‏.‏

فقال عبد الرحمن بن إسحاق – وكان قاضياً على الجانب الغربي فعزل وكان مواداً لأحمد بن نصر قبل ذلك -‏:‏ يا أمير المؤمنين هو حلال الدم‏.‏

وقال أبو عبد الله الأرمني صاحب أحمد بن أبي داؤد‏:‏ اسقني دمه يا أمير المؤمنين‏.‏

فقال الواثق‏:‏ لابد أن يأتي ما تريد‏.‏

وقال ابن أبي دؤاد‏:‏ هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل‏.‏

فقال الواثق‏:‏ إذا رأيتموني قمت إليه فلا يقومن أحد معي، فإني أحتسب خطاي‏.‏

ثم نهض إليه بالصمصامة – وقد كانت سيفاً لعمرو بن معديكرب الزبيدي أهديت لموسى الهادي في أيام خلافته وكانت صفيحة مسحورة في أسفلها مسمورة بمسامير – فلما انتهى إليه ضربه بها على عاتقه وهو مربوط بحبل قد أوقف على نطع، ثم ضربه أخرى على رأسه ثم طعنه بالصمصامة في بطنه فسقط صريعاً رحمه الله على النطع ميتاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

رحمه الله وعفا عنه‏.‏

ثم انتضى سيما الدمشقي سيفه فضرب عنقه وحز رأسه وحمل معترضاً حتى أتى به الحظيرة التي فيها بابك الخرَّمي فصلب فيها، وفي رجليه زوج قيود وعليه سراويل وقميص، وحمل رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقي أياماً، وفي الغربي أياماً، وعنده الحرس في الليل والنهار‏.‏

وفي أذنه رقعة مكتوب فيها‏:‏ هذا رأس الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر الخزاعي، ممن قتل على يدي عبد الله هارون الإمام الواثق بالله أمير المؤمنين بعد أن أقام عليه الحجة في خلق القرآن، ونفى التشبيه وعرض عليه التوبة ومكنه من الرجوع إلى الحق فأبى إلا المعاندة والتصريح، فالحمد لله الذي عجله إلى ناره وأليم عقابه بالكفر، فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه ولعنه‏.‏

ثم أمر الواثق بتتبع رؤوس أصحابه فأخذ منهم نحواً من تسع وعشرين رجلاً فأودعوا في السجون وسموا‏:‏ الظلمة، ومنعوا أن يزورهم أحد وقيدوا بالحديد، ولم يجر عليهم شيء من الأرزاق التي كانت تجري على المحبوسين، وهذا ظلم عظيم‏.‏

وقد كان أحمد بن نصر هذا من أكابر العلماء العاملين القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏.‏

وسمع الحديث من‏:‏ حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وهاشم بن بشير، وكانت عنده مصنفاته كلها‏.‏

وسمع من الإمام مالك بن أنس أحاديث جيدة، ولم يحدث بكثير من حديثه‏.‏

وحدث عنه‏:‏ أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأخوه يعقوب بن إبراهيم، ويحيى بن معين، وذكره يوماً فترحم عليه وقال‏:‏ قد ختم الله له بالشهادة، وكان لا يحدث ويقول إني لست أهلاً لذلك‏.‏

وأحسن يحيى بن معين الثناء عليه جداً‏.‏

وذكره الإمام أحمد بن حنبل يوماً فقال‏:‏ رحمه الله ما كان أسخاه بنفسه لله، لقد جاد بنفسه له‏.‏

وقال جعفر بن محمد الصائغ‏:‏ بصرت عيناي وإلا فقئتا وسمعت أذناي وإلا فصمتا أحمد بن نصر الخزاعي حين ضربت عنقه يقول رأسه‏:‏ لا إله إلا الله‏.‏

وقد سمعه بعض الناس وهو مصلوب على الجذع ورأسه يقرأ‏:‏ ‏{‏الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ -‏]‏‏.‏

قال‏:‏ فاقشعر جلدي‏.‏

ورآه بعضهم في النوم فقال له‏:‏ ما فعل بك ربك ‏؟‏

فقال‏:‏ ما كانت إلا غفوة حتى لقيت الله عز وجل فضحك إلي‏.‏

ورأى بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ومعه أبو بكر وعمر قد مروا على الجذع الذي عليه رأس أحمد بن نصر، فلما جاوزوه أعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه الكريم عنه فقيل له‏:‏ يا رسول الله مالك أعرضت عن أحمد بن نصر ‏؟‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أعرضت عنه استحياء منه حين قتله رجل يزعم أنه من أهل بيتي‏)‏‏)‏‏.‏

ولم يزل رأسه منصوباً من يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان من هذه السنة – أعني‏:‏ سنة إحدى وثلاثين ومائتين – إلى بعد عيد الفطر بيوم أو يومين من سنة سبع وثلاثين ومائتين، فجمع بين رأسه وجثته ودفن بالجانب الشرقي من بغداد بالمقبرة المعروفة بالمالكية رحمه الله‏.‏

وذلك بأمر المتوكل على الله الذي ولي الخلافة بعد أخيه الواثق، وقد دخل عبد العزيز بن يحيى الكتاني – صاحب كتاب الحيدة – على المتوكل وكان من خيار الخلفاء لأنه أحسن الصنيع لأهل السنة، بخلاف أخيه الواثق وأبيه المعتصم وعمه المأمون، فإنهم أساؤوا إلى أهل السنة وقربوا أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم‏.‏

فأمره أن ينزل جثة أحمد بن نصر ويدفنه ففعل، وقد كان المتوكل يكرم الإمام أحمد بن حنبل إكراماً زائداً جداً كما سيأتي بيانه في موضعه‏.‏

والمقصود أن عبد العزيز صاحب كتاب الحيدة قال للمتوكل‏:‏ يا أمير المؤمنين ما رأيت أو ما رئي أعجب من أمر الواثق، قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ القرآن إلى أن دفن‏.‏

فوجل المتوكل من كلامه وساءه ما سمع في أخيه الواثق، فلما دخل عليه الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات قال له المتوكل‏:‏ في قلبي شيء من قتل أحمد بن نصر‏.‏

فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ أحرقني الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافراً‏.‏

ودخل عليه هرثمة فقال له في ذلك فقال‏:‏ قطعني الله إرباً إرباً إن قتله إلا كافراً‏.‏

ودخل عليه القاضي أحمد بن أبي داؤد فقال له مثل ذلك فقال‏:‏ ضربني الله بالفالج إن قتله الواثق إلا كافراً‏.‏

قال المتوكل‏:‏ فأما ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار‏.‏

وأما هرثمة فانه هرب فاجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل من الحي فقال‏:‏ يا معشر خزاعة هذا الذي قتل ابن عمكم أحمد بن نصر فقطعوه، فقطعوه إرباً إرباً‏.‏

وأما ابن أبي دؤاد فقد سجنه الله في جلده – يعني‏:‏ بالفالج – ضربه الله قبل موته بأربع سنين، وصودر من صلب ماله بمال جزيل جداً كما سيأتي بيانه في موضعه‏.‏

وروى أبو داود في كتاب المسائل، عن أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن أحمد بن نصر، قال‏:‏ سألت سفيان بن عيينة‏:‏ ‏(‏‏(‏القلوب بين إصبعين من أصابع الله، وإن الله يضحك ممن يذكره في الأسواق‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ اروها كما جاءت بلا كيف”‏.