أبو موسى الأشعري

أبو موسى الأشعري
توفي ما بين بين 670 / 672 م

عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضَّار بن حرب، أبو موسى من بني الأشعر، من قحطان، أحد أعلام الصحابة.

وُلد في زَبيد باليمن وقدم مكة المكرَّمة عند ظهور الإسلام فأسلم ، ثم رجع إلى قومه.

وبعد الهجرة خرج مع نفر من قومه في سفينة يريدون المدينة المنورة، والتقوا في الطريق جعفر بن أبي طالب ومن معه من المهاجرين القادمين من الحبشة، ووصل الجميع إلى المدينة المنوَّرة بعد فتح خيبر، وأما ما ذكره بعض المؤرخين من أن أبا موسى هاجر إلى الحبشة فغير صحيح.

شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وغزوة حنين وحصار الطائف سنة 8هـ، وولاه الرسول صلى الله عليه وسلم بعد حجّة الوداع على زَبيد ورِمَع وعدن والساحل، وبقي على ولاية زبيد ورمع أيام أبي بكر. وفي سنة 17هـ عزل الخليفة عمر بن الخطاب المغيرة بن شعبَة عن البصرة وولى أبا موسى الأشعري، فاستقرى كور دجلة، فوجد أهلها مذعنين بالطاعة فأمر بمساحتها ووضع الخراج عليها، على قدر احتمالها، ثم سار إلى الأهواز فلم يزل يفتح رستاقاً بعد رستاق والأعاجم تهرب من بين يديه حتى غلب على جميع أرضها إلا السوس وتُسْتَر ومَناذِر ورامَهُرْمز، فاستخلف أبو موسى الربيع بن زياد على مناذِر ففتحها عنوة، وسار أبو موسى إلى السوس فقاتل أهلها وحاصرهم فسألوا الأمان حينما بلغهم انتصار العرب في جلولاء، وهادن أبو موسى أهل رامَهُرْمُز، فلما انقضت هدنتهم وجه أبا مريم الحنفي فصالحهم على 800 ألف درهم، وسار أبو موسى إلى تُسْتَر (أعظم مدينة بالأهواز) وكان الهُرمزان قد نزلها ورمَّ حصنها وجمع الميرة فيها وأرسل إلى من يليه يستنجدهم، فكتب أبو موسى إلى عمر يستمده، فكتب عمر إلى عَمَّار بن ياسر يأمره أن يسير في أهل الكوفة، ونجح المسلمون في فتح المدينة وطلب الهرمزان الأمان فأبى أبو موسى أن يعطيه ذلك إلا على حكم الخليفة عمر، واستأمنت الأساورة (الفرسان) فأمنَّهم أبو موسى فأسلموا ويقال إنهم استأمنوا قبل ذلك فلحقوا بأبي موسى وشهدوا تُستَر معه.

وفي سنة 21 هـ اشترك أبو موسى الأشعري في معركة نهاوند مع مقاتلة أهل البصرة، وبعد انتصار العرب في هذه المعركة الحاسمة سمح عمر لهم بالانسياح في أرض فارس وأمدّ عمر أهل الكوفة بأبي موسى، وجعل سُراقة بن عمرو مكانه، ففتح أبو موسى الدينور وماسبذان، وشهد فتح أصبهان شهدها مدداً (بأعوان)، وفتح قُم وقاشان، ثم رد عمر أبا موسى إلى البصرة سنة 22هـ وردَّ سُراقة بن عمرو إلى الباب. واجتمع أبو موسى وعثمان بن أبي العاص والي البحرين في آخر خلافة عمر ففتحا أرَّجان وشيراز وسِينِير من أرض أردشيرخُرَّة.
توفي عمر وأبو موسى والٍ على البصرة، فأقرَّه عثمان سنوات ثم عزله سنة 29هـ حين شغب عليه المقاتلة، وولاه الكوفة سنة 34هـ بطلب من أهلها بعد أن ردّوا واليهم سعيد بن العاص عنها، وبقي أبو موسى والياً على الكوفة على الصَّلاة فيها حتى خلافة علي بن أبي طالب، فكتب إليه أبو موسى بطاعة أهل الكوفة وبيعتهم، ولكنّ علياً لم يلبث أن عزله، حينما بلغه موافاة طلحة والزبير والسيدة عائشة أم المؤمنين إلى البصرة ومبايعة أهلها لهم، ورفضُ أبي موسى استنفار الناس لقتالهم لأنه كان يرى أن ذلك فتنة يجب اعتزالها.

وفي معركة صفين اتُّفق على التحكيم، ووضع بذلك كتاب مؤرخ في 13 صفر سنة 37هـ، واختار معاوية عمرو بن العاص حكماً واختارت جماعة علي أبا موسى، فقبله علي مكرهاً لأنه كان يفضل عبد الله بن عباس أو الأشتر، فاجتمع الحكمان في رمضان سنة 37هـ واتفقا على عزل معاوية وعلي وأن يترك أمر الخلافة شورى بين المسلمين، يولون من شاؤوا. وبعد أن أعلن أبو موسى ذلك قام عمرو فذكر الاتفاق على عزل علي وأنه يثبت معاوية، فكذَّبه أبو موسى وساد الهرج فركب أبو موسى راحلته ولحق بمكة. ويبدو أنه عاد بعد ذلك إلى الكوفة معتزلاً الناس حيث توفي فيها في خلافة معاوية بن أبي سفيان.

دعا أبو موسى فتيانه حين حضرته الوفاة فقال: اذهبوا فاحفروا وأوسعوا وأعمقوا، فجاؤوا فقالوا قد حفرنا وأوسعنا وأعمقنا فقال: والله إنها لإحدى المنزلتين إما ليوسعن علي قبري حتى يكون كل زاوية منه أربعين ذراعًا ثم ليفتحن لي باب إلى الجنة فلأنظرن إلى أزواجي ومنازلي وما أعد الله عز وجل لي من الكرامة ثم ليصيبني من ريحها وروحها حتى أبعث، ولئن كانت الأخرى ونعوذ بالله منها ليضيقن علي قبري حتى أكون في أضيق من القناة في الزج ثم ليفتحن لي باب من أبواب جهنم فلأنظرن إلى سلاسلي وأغلالي وقرنائي ثم ليصيبني من سمومها وحميمها حتى أبعث.

قال أصحاب السير: توفي أبو موسى رضي الله عنه سنة اثنتين وأربعين ودفن بمكة وقيل دفن بالثوية على ميلين من الكوفة.

كان أبو موسى من قُرَّاء الصحابة وأحسنهم صوتاً بتلاوة القرآن الكريم وهو الذي علّم أهل البصرة القرآن، وكان مبرِّزاً بالقضاء حتى عدّه علي بن المديني أحد قضاة الصحابة البارزين وجعله في رتبة عمر وعلي وزيد بن ثابت، وإليه وجّه عمر كتابه المشهور في أصول القضاء، وقد شرحه ابن القيّم في كتابه «إعلام المُوَقِّعين عن رَبِّ العالمين».

حدَّث عنه الكثير من الصحابة والتابعين وفي كتب السنة 355 حديثاً من رواية أبي موسى.

من أقواله:

– عن أبي كبشة السدوسي قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: إن الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من الجليس السوء، ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب العطر إلا يحذك يعبق بك من ريحه، ألا وإن مثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير إلا يحرق ثيابك يعبق بك من ريحه، ألا وإنما سمي القلب من تقلبه، وإن مثل القلب كمثل ريشة بأرض فضاء تضربها الريح ظهرًا لبطن، ألا وإن من ورائكم فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاس البيوت.

– وعن أبي كنانة عن أبي موسى الأشعري أنه جمع الذين قرأوا القرآن فإذا هم قريب من ثلثمائة فعظم القرآن وقال: إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا وكائن عليكم وزرًا فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن تبعه القرآن زج في قفاه فقذفه في النار.

– وعن أبي مجلز قال: قال أبو موسى: إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي حتى آخذ ثوبي حياء من ربي عز وجل.

– وعن قسامة بن زهير قال: خطبنا أبو موسى فقال: أيها الناس، ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت.

رواهما الإمام أحمد رحمه الله.

– وعن أبي بردة عن أبي موسى قال: خرجنا غازين في البحر والريح لنا طيبة والشراع لنا مرفوع، فسمعنا مناديًا ينادي يا أهل السفينة قفوا أخبركم حتى والى بين سبعة أصوات، قال أبو موسى: فقمت على صدر السفينة فقلت: من أنت ومن أين أنت أو ما ترى أين نحن وهل نستطيع وقوفًا؟ قال فأجابني الصوت: ألا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، قال: قلت بلى أخبرنا، قال: فإن الله قضى على نفسه أنه من عطش نفسه لله في يوم حار كان حقًّا على الله أن يرويه يوم القيامة، قال فكان أبو موسى يتوخى ذلك اليوم الحار الشديد الحر الذي يكاد ينسلخ فيه الإنسان فيصومه.

– وعن أبي إدريس قال: صام أبو موسى حتى عاد كأنه خلال، فقيل له لو أجممت نفسك فقال: هيهات، إنما يسبق من الخيل المضمرة، قال وربما خرج من منزله فيقول لامرأته: شدي رحلك فليس على جسر جهنم معبر.

– حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقدم عليكم أقوام هم أرق منكم قلوبا. قال فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى الأشعري فلما دنوا من المدينة كانوا يرتجزون يقولون غدا نلقى الأحبه محمدا وحزبه .

– حدثنا يحيى بن بشر حدثنا روح حدثنا عوف عن معاوية بن قرة قال حدثني أبو بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال لي عبد الله بن عمر هل تدري ما قال أبي لأبيك. قال قلت لا قال فإن أبي قال لأبيك يا أبا موسى هل يسرك إسلامنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس فقال أبي لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلينا وصمنا وعملنا خيرا كثيرا وأسلم على أيدينا بشر كثير وإنا لنرجو ذلك فقال أبي لكني أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن لو نجونا منه كفافا رأسا برأس فقلت إن أباك والله خير من أبي.