أبو محمد اليزيدي

أبو محمد اليزيدي
202-132هــ

ورد في “سير أعلام النبلاء” للذهبي:

” شيخ القراء أبو محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي البصري النحوي وعرف باليزيدي لاتصاله بالأمير يزيد بن منصور خال المهدي يؤدب ولده جود القرآن على أبي عمرو المازني وحدث عنه وعن ابن جريج تلا عليه خلق منهم أبو عمر الدوري وأبو شعيب السوسي وحدث عنه: ابنه محمد وأبو عبيد وإسحاق الموصلي.

وروى عنه: قراءة أبي عمرو بنوه محمد وعبد الله وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق وحفيده أحمد بن محمد وأبو حمدون الطيب وعامر أوقية وسليمان بن خلاد وأحمد بن جبير ومحمد بن شجاع وأبو أيوب الخياط وجعفر غلام سجادة ومحمد ابن سعدان ومحمد بن عمر الرومي وله اختيار في القراءة لم يخرج فيه عن السبع. وقد أدب المأمون وعظم حاله وكان ثقة عالماً حجة في القراءة لا يدري ما الحديث لكنه أخباري نحوي علامة بصير بلسان العرب أخذ العربية عن أبي عمرو وعن الخليل وألف كتاب النوادر وكتاب المقصور والممدود وكتاب الشكل وكتاب نوادر اللغة وكتاب النحو.

وكان نظيراً للكسائي يجلس للناس في مسجد مع الكسائي للإفادة فكان يؤدب المأمون وكان الكسائي يؤدب الأمين وروى عن أبي حمدون قال: شهدت ابن أبي العتاهية وكتب عن اليزيدي نحو عشرة آلاف ورقة عن أبي عمرو بن العلاء خاصة قلت: عاش أربعاً وسبعين سنة وتوفي ببغداد سنة اثنتين ومائتين وقيل: بل كانت وفاته بمرو في صحابة المأمون”.

وجاء في “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

” أبو محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي، المعروف باليزيدي، المقرئ النحوي اللغوي صاحب أبي عمرو بن العلاء المقرئ البصري، وهو الذي خلقه في القيام بالقراءة بعده، سكن بغداد وحدث بها عن أبي عمرو بن العلاء وابن جريح وغيرهما. وروى عنه ابنه محمد وأبو عبيد القاسم بن سلام وإسحاق بن إبراهيم الموصلي وجماعة من أولاده وحفدته وأبو عمرو الدوري وأبو حمدون الطيب بن إسماعيل وأبو شعيب السوسي وعامر بن عمر الموصلي وأبو خلاد سليمان بن خلاد وغيرهم، وخالف أبا عمرو في حروف يسيرة من القراءة اختارها لنفسه.

وكان يؤدب أولاد يزيد بن منصور بن عبد الله بن يزيد الحميري خال المهدي، وإليه كان ينتسب، ثم اتصل بهارون الرشيد فجعل ولده المأمون في حجره فكان يؤدبه.

وكان ثقة، وهو أحد القراء الفصحاء العالمين بلغات العرب والنحو، وكان صدوقاً، وله التصانيف الحسنة والنظم الجيد، وشعره مدون، وصنف كتاب ” النوادر ” في اللغة على مثال كتاب ” نوادر ” الأصمعي الذي صنفه لجعفر البرمكي، وفي مثل عدد ورقه، وأخذ علم العربية وأخبار الناس عن أبي عمرو والخليل بن أحمد، من ومن كان معاصرهما.

وحكى عن أبي حمدون الطيب بن إسماعيل قال: شهدت ابن أبي العتاهية وقد كتب عن أبي محمد اليزيدي قريباً من ألف جلد، عن أبي عمرو بن العلاء خاصة، ويكون ذلك عشرة آلاف ورقة، لأن تقدير الجلد عشر ورقات، وأخذ عن الخليل من اللغة أمراً عظيماً، وكتب عنه العروض في ابتداء وضعه له، إلا أن اعتماده على أبي عمرو لسعة علم أبي عمرو باللغة.

وكان أبو محمد المذكور يعلم الصبيان بحذاء دار أبي عمرو بن العلاء، وكان أبو عمرو يدنيه ويميل إليه لذكائه، وكان أبو محمد المذكور صحيح الرواية، وله من التصانيف كتاب ” النوادر ” – المقدم ذكره – وكتاب ” المقصور والممدود ” ومختصر في النحو، وكتاب ” النقط والشكل “.

وقال ابن المنادي: أكثرت من السؤال عن أبي محمد اليزيدي ومحله من الصدق ومنزلته من الثقة، لعدة من شيوخنا بعضهم أهل عربية وبعضهم أهل قرآن وحديث، فقالوا: هو ثقة صدوق لا يدفع عن سماع ولا يرغب عنه في شيء، غير ما يتوهم عليه من الميل إلى المعتزلة، وقد روى عنه الغريب أبو عبيد القاسم بن سلام وكفى به، وما ذاك إلا عن معرفة منه به، وكان يجلس في أيام الرشيد مع الكسائي في مجلس واحد ويقرئان الناس، وكان الكسائي يؤدب الأمين وهو يؤدب المأمون، فأما الأمين فإن أباه أمر الكسائي أن يأخذ عليه بحرف حمزة، وأما المأمون فإن أباه أمر أبا محمد أن يأخذ عليه بحرف أبي عمرو.

وقال الأثرم: دخل اليزيدي يوماً على الخليل بن أحمد وهو جالس على وسادة، فأوسع له وأجلسه معه، فقال له اليزيدي: أحسبني ضيقت عليك، فقال الخليل: ما ضاق موضع على اثنين متحابين، والدنيا لا تسع متباغضين.

وسأل المأمون اليزيدي عن شيء فقال: لا وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين، فقال: لله درك! ما وضعت الواو قط في موضع أحسن من موضعها في لفظك هذا، ووصله وحمله.

وقال اليزيدي: دخلت على المأمون يوماً والدنيا غضة، وعنده نعم تغنيه، وكانت أجمل أهل دهرها، فأنشدت:

وزعمت أني ظالم فهجرتـنـي

 ورميت في قلبي بسهم نـافـذ

فنعم هجرتك فاغفري وتجاوزي

هذا مقام المستجـير الـعـائد

هذا مقام فتىً أضر به الهـوى

قرح الجفون بحسن وجهك لائذ

ولقد أخذتم العلم من فؤادي أنسه

 لا شل ربي كـف ذاك الآخـذ

فاستعادها الصوت ثلاث مرات، ثم قال: يا يزيدي، أيكون شيء أحسن مما نحن فيه؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال وما هو؟ قلت: الشكر لمن خولك هذا الإنعام العظيم الجليل، قال: أحسنت وصدقت، ووصلني وأمر بمائة ألف درهم يتصدق بها، فكأني أنظر إلى البِدَر وقد أخرجت والمال يفرق.

وشكا اليزيدي إلى المأمون حاجة أصابته وديناً لحقه، فقال: ما عندنا في هذه الأيام ما إن أعطيناكه بلغت به ما تريد، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الأمر قد ضاق علي، وإن غرمائي قد أرهقوني، فاحتل لي، فأفكر المأمون، واستقر الأمر على أن يحضر اليزيدي إلى الباب إذ جلس المأمون في مجلس الأنس وعنده ندماؤه، ويكتب رقعة يطلب فيها الدخول أو إخراج بعض الندماء إليه، فلما جلس المأمون حضر اليزيدي إلى الباب ودفع للخادم رقعة مختومة فأدخلها إلى المأمون ففضها فإذا فيها مكتوب:

 يا خـير إخـوان وأصـحـاب

هذا الطفيلي عـلـى الـبـاب

فصيرونـي واحـداً مـنـكـم

أو أخرجوني لي بعض أصحابي

فقرأها المأمون على من حضر وقال: ما ينبغي أن يدخل مثل هذا الطفيلي على مثل هذا الحال، فأرسل إليه المأمون يقول له: دخولك في مثل هذا الوقت متعذر، فاختر لنفسك من أحببت أن تنادمه، فلما وقف على الرسالة قال: ما أرى لنفسي اختياراً سوى عبد الله بن طاهر، فقال له المأمون: قد وقع الاختيار عليك فصر إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، فأكون شريك الطفيلي؟ فقال: ما يمكنني رد أبي محمد عن أمره، فإن أحببت أن تخرج إليه وإلا فافتد نفسك منه، فقال: على عشرة آلاف درهم، فقال: لا أحسب ذلك يقنعه منك ومن مجالستك، فلم يزل يزيده عشرة آلاف على عشرة آلاف والمأمون يقول: لا أرضى له بذلك، حتى بلغ مائة ألف درهم فقال له المأمون: فعجلها له، فكتب له بها إلى وكيله ووجه رسولاً، وأرسل إليه المأمون وهو يقول: قبض هذا المبلغ في مثل هذا الحال أصلح لك من منادمته على مثل حاله، فقبل ذلك منه، وكان ظريفاً في جميع أحواله.

وحكى أبو أحمد بن جعفر البلخي في كتابه أن اليزيدي المذكور سأل الكسائي عن قول الشاعر:

ما رأينا خربـاً نـق

ر عنه البيض صفر

لا يكون العير مهـراً

لا يكون، المهر مهر

– الخرب: بفتح الخاء المعجمة والراء وفي آخرها الباء الموحدة، الذكر من الحبارى، والعير: بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، وهو الذكر من حمر الوحش – فقال الكسائي: يجب أن يكون ” مهر ” منصوباً على أنه خبر كان، ففي البيت على هذا التقدير إقواء، فقال اليزيدي: الشعر صواب لأن الكلام قد تم عند قوله ” لا يكون ” الثانية وهي مؤكدة للأولى، ثم استأنف الكلام، فقال ” المهر مهر ” وضرب بقلنسوته الأرض، وقال: أنا أبو محمد، فقال له يحيى بن خالد البرمكي: أتكتني بحضرة أمير المؤمنين؟ والله إن خطأ الكسائي مع حسن أدبه من صوابك مع سوء أدبك، فقال اليزيدي: إن حلاوة الظفر أذهبت عني التحفظ.

قلت أنا: قول الكسائي في البيت إقواء ليس بجيد، فإن إصلاح أرباب علم القوافي أن الأقواء يختص باختلاف الإعراب في حرف الروي بالرفع والجر لا غير بأن يكون أحد البيتين مرفوعاً والآخر مجروراً، فأما إذا كان الاختلاف بالنصب مع الرفع والجر فإن ذلك يسمى إصرافاً لا أقواء، وإلى هذا أشار أبو العلاء المعري في قوله من جملة قصيد طويلة يرثي بها الشريف الطاهر والد الرضي والمرتضى – المقدم ذكرهما – وهو من صفة بعيب الغراب:

بنيت على الإيطاء سالمةً من ال

إقواء والإكفـاء والإصـراف

وهذا البيت متعلق بما قبله ولا يظهر معناه إلا بذكر ما تقدم، ولا حاجة بنا إلى ذكره هاهنا بل ذكرنا موضع الاستشهاد لا غير. وقد قيل إن الإصراف من جملة أنواع الإقواء، فعلى هذا يستقيم ما قاله الكسائي. وهذا الفصل وإن كان دخيلاً لكنه ما خلا من فائدة.

وغالب شعر اليزيدي جيد، وقد ذكره هارون بن المنجم – المقدم ذكره – في كتلاب ” البارع ” وأورد له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله يهجو الأصمعي الباهلي المقدم ذكره:

أبِن لي دعي بـنـي أصـمـعٍ

متى كنت في الأسرة الفاضله؟

ومن أنت؟ هل أنت إلا امـرؤ

 إذا صح أصلك من بـاهـلـه

ثم قال ابن المنجم: وهذا البيت من نادر أبيات المحدثين في الهجاء.

قلت أنا: وهذا مأخوذ من قول حماد عجرد في بشار بن برد يهجوه:

 نسبت إلى بـرد وأنـت لـغـيره

 وهب أن برداً ناك أمك، من برد؟

وله في الهجاء أيضاً:

 استبق ود أبي الـمـقـا

 تل حين تدنو من طعامه

سيان كـسـر رغـيفـه

 أو كسر عظمٍ من عظامه

ويصوم كرهـاً ضـيفـه

 لم ينو أجراً في صيامـه

وقد سبق في ترجمة أبي العباس المبرد مقطوع من شعره في شيبة بن الوليد.

وكان له أخبار ونوادر، فمن ذلك ما رواه أنه أخذ رجل ادعى النبوة فأتي به إلى المهدي فقال له: أنت نبي؟ فقال: نعم، فقال: وإلى من بعثت؟ فقال: وهل تركتموني أذهب إلى أحد؟ ساعة بعثت وضعتموني في الحبس، فضحك المهدي واستتابه.

وكان لليزيدي خمسة بنين وكلهم علماء أدباء شعراء رواة لأخبار الناس، وهم: أبو عبد الله محمد وإبراهيم وأبو القاسم إسماعيل وأبو عبد الرحمن عبد الله وأبو يعقوب إسحاق، وكلهم ألف في اللغة والعربية. وكان محمد أسنهم وأشعرهم، وهو القائل فيما رواه دعبل بن علي الخزاعي – المقدم ذكره – من جملة أبيات:

 أتظعن والذي تهوى مقـيم

 لعمرك إن ذا خطر عظيم

إذا ما كنت للحدثان عونـاً

 علي مع الزمان فمن ألوم

شقيت به فما أنا عنه سالٍ

 ولا هو إذ شقيت به رحيم

وهو القائل:

يا بعيد الدار موصو

 لاً بقلبي ولسانـي

ربما باعدك الـده

 ر فأدنتك الأماني

وله أشعار كثيرة جيدة، وكان يؤدب المأمون مع أبيه، وثقل سمعه في آخر عمره “انقطع، فاستحضره المأمون فقال: لم أرك منذ أيام فقال: وجدت في سمعي ثقلاً وأنا أكره أن أتعبك استفهاماً إذا سمعت عن غير فهم، فقال: أنت الآن أطيب ما تكون، فما شئت أن نسمعك أسمعناك، وما احتشمناك فيه أسررناه عنك، فأنت غائب شاهد” وكان قد خرج مع المأمون إلى خراسان وأقام بخدمته في مدينة مرو، ثم بقي إلى أيام المعتصم وخرج معه إلى مصر فتوفي بها، رحمه الله تعالى.

واما والده أبو محمد المذكور فإنه توفي سنة اثنتين ومائتين، رحمه الله تعالى، بخراسان، والظاهر أنه كان بمرو فإنه كان خرج في صحبة المأمون في بغداد، وكانت إقامة المأمون بمرو، ثم وجدت في ” طبقات القراء ” لأبي عمرو الداني أنه توفي في التاريخ المذكور بمرو، ثم قال بعد ذلك، وقال ابن المنادي: وقيل إنه لما بلغ من السن دون المائة بأعوام يسيرة، ومات بالبصرة ودفن بها، والأول أصح، والله أعلم.

وقد تقم في حرف الميم ذكر حفيده أبي عبد الله محمد بن العباس بن أبي محمد اليزيدي المذكور، وشرح طرف من أخباره وفضله وتاريخ وفاته.

العدوي: بفتح العين والدال المهملتين والواو، هذه النسبة إلى عدي بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهي قبيلة كبيرة مشهورة، ولم يكن أبو محمد المذكور منهم، وإنما كان من مواليهم، كان جده المغيرة مولى لامرأة من بني عدي فنسب إليهم. وقد سبق في أول هذه الترجمة ذكر سبب نسبته إلى يزيد فأغنى عن الإعادة.

وفي ذريته جماعة كثيرة أفاضل مشاهير أصحاب تصانيف. وأشعاره رائقة مشهورة، ولولا خوف الإطالة لذكرت شيئاً منها.

واليزيديون يفتخرون بالكتاب الذي وضعه إبراهيم بن أبي محمد المذكور في اللغة وسماه كتاب ” ما اتفق لفظه وافترق معناه ” جمع فيه كل الألفاظ المشتركة في الاسم المختلفة في المسمى، ورأيته في أربع مجلدات، وهو من الكتب النفيسة، يدل على غزارة علم مؤلفه وسعة اطلاعه، وله غير كذلك تواليف حسنة نافعة، وكذلك بقية اليزيديين صنفوا كتباً مشهورة مشكورة.

وكان يزيد الحميري خال المهدي مقدماً في دولة بني العباس، ولي للمنصور البصرة واليمن، ومات في سنة خمس وستين ومائة بالبصرة، وفيه قال بشار بن برد – المقدم ذكره:

 أبا خالد قد كنت سـبـاح غـمـرةٍ

 صغيراً فلما شبت خيمت بالشاطي

وكنت جواداً سابقـاً ثـم لـم تـزل

 تأخر حتى جئت تخطو مع الخاطي

فأنت بما تزداد من طـول رفـعةٍ

 وتنقص من مجدٍ كذاك بـإفـراط

كسنور عبد الـلـه بـيع بـدرهـمٍ

 صغيراً، فلما شب بيع بـقـيراط

قلت: لقد كشفت عن سنور عبد الله المظان، وسألت أهل المعرفة بهذا الشأن، فما عرفت الخبر عن ذلك، ولا عثرت له على أثر، والله أعلم، ثم ظفرت بقول الفرزدق، وهو:

 رأيت الــــنـــــاس يزدادون يومــــاً

 ويومـــاً فـــي الـــجــمــــيل وأنـــــــت تــنــقـص

كمـــثـــل الـــهــــر فـــي صـــغــــرٍ يغـــالــى

 به حـــــــتـــــــى إذا مــا شــــب يرخـــــص

ومن هاهنا أخذ بشار بقوله، وليس المراد هراً بعينه، بل كل هر تكون قيمته في صغره، وينقص منها في كبره، والله أعلم.”.