أبو عمرو بن العلاء

أبو عمرو بن العلاء
68- 154 هـ

أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين التميمي المازني البصري أحد القراء السبعة.

كان من أشراف العرب ووجهائها. مدحه الفرزدق. وأخذ عن جماعة من التابعين وقرأ القرآن على سعيد بن جبير ومجاهد، والحسن البصري وعاصم بن أبي النجود وعبد الله بن كثير المكي وغيرهم. وتلا عليه يحيى اليزيدي، والعباس بن الفضل، ويونس بن حبيب النحوي، وسلام الطويل وغيرهم، وحدث عنه: شعبة، وحماد بن زيد، والأصمعي، وأبو عبيدة اللغوي، وآخرون. وانتصب للإقراء في أيام الحسن البصري.

ورد في “سير أعلام النبلاء” للذهبي:

“ابن عمار بن العريان التميمي ثم المازني البصري شيخ القراء والعربية وأمه من بني حنيفة.

اختلف في اسمه على أقوال أشهرها زبان وقيل: العريان استوفينا من أخباره في طبقات القرآء مولده في نحو سنة سبعين. حدث باليسير عن أنس بن مالك ويحيى بن يعمر ومجاهد وأبي صالح السمان وأبي رجاء العطاردي ونافع العمري وعطاء بن أبي رباح وابن شهاب وقرأ القرآن على سعيد بن جبير ومجاهد ويحيى بن يعمر وعكرمة وابن كثير وطائفة وورد أنه تلا على أبي العالية الرياحي وقد كان معه بالبصرة.

برز في الحروف وفي النحو وتصدر للإفادة مدة واشتهر بالفصاحة والصدق وسعة العلم.

تلا عليه يحيى اليزيدي والعباس بن الفضل وعبد الوارث بن سعيد وشجاع البلخي وحسين الجعفي ومعاذ بن معاذ ويونس بن حبيب النحوي وسهل بن يوسف وأبو زيد الأنصاري سعيد بن أوس وسلام الطويل وعدة.

وحدث عنه شعبة وحماد بن زيد وأبو أسامة والأصمعي وشبابة بن سوار ويعلى بن عبيد وأبو عبيدة اللغوي وآخرون وانتصب للإقراء في أيام الحسن البصري.

قال أبو عبيدة كان أعلم الناس بالقراءات والعربية والشعر وأيام العرب وكانت دفاتره ملء بيت إلى السقف ثم تنسك فأحرقها.

وكان من أشراف العرب مدحه الفرزدق وغيره.

قال يحيى بن معين ثقة وقال أبو حاتم ليس به بأس وقال أبو عمرو الشيباني ما رأيت مثل أبي عمرو.

روى أبو العيناء عن الأصمعي قال لي أبو عمرو بن العلاء لو تهيأ أن أفرغ ما في صدري من العلم في صدرك لفعلت ولقد حفظت في علم القرآن أشياء لو كتبت ما قدر الأعمش على حملها ولولا أن ليس لي أن أقرأ إلا بما قرىء لقرأت حرف كذا وذكر حروفاً.

قال نصر بن علي الجهضمي عن أبيه عن شعبة قال انظر ما يقرأ به أبو عمرو مما يختاره فاكتبه فإنه سيصير للناس أستاذا.

قال إبراهيم الحربي وغيره كان أبو عمرو من أهل السنة.

قال اليزيدي وأخر تكلم عمرو بن عبيد في الوعيد سنة فقال أبو عمرو إنك لألكن الفهم إذ صيرت الوعيد الذي في أعظم شيء مثله في أصغر شيء فاعلم أن النهي عن الصغير والكبير ليسا سواء وإنما نهى الله عنهما لتتم حجته على خلقه ولئلا يعدل عن أمره ووراء وعيده عفوه وكرمه ثم أنشد:

ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي                         ولا أختشي من صولة الـمـتـهـدد

وإنـي وإن أوعـدتـه ووعـدتـه                         لمخلف إيعادي ومنجز مـوعـدي

فقال عمرو بن عبيد صدقت إن العرب تتمدح بالوفاء بالوعد والوعيد وقد يمتدح بهما المرء تسمع إلى قولهم:

لا يخلف الوعد والوعيد ولا               يبيت من ثأره على فوت

فقد وافق هذا قوله تعالى “ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم”.

قال أبو عمرو قد وافق الأول أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث يفسر القرآن.

قال الأصمعي قال لي أبو عمرو كن على حذر من الكريم إذا أهنته ومن اللئيم إذا أكرمته ومن العاقل إذا احرجته ومن الأحمق إذا مازحته ومن الفاجر إذا عاشرته وليس من الأدب أن تجيب من لا يسألك أو تسأل من لا يجيبك أو تحدث من لا ينصت لك.

قال الأصمعي سألت أبا عمرو ما اسمك قال زبان وروي عن الأصمعي أيضاً قال لا اسم لأبي عمرو وأما يحيى اليزيدي فعنه إن اسم أبي عمرو العريان ورواية أخرى عنه إن اسمه يحيى قال الأصمعي سمعته يقول كنت رأسا والحسن حي.

أبو حاتم عن أبي عبيدة قال أبو عمرو بن العلاء أنا زدت هذا البيت في قصيدة الأعشى واستغفر الله منه:

وأنكرتني وما كان الذي نكـرت          من الحوادث إلا الشيب والصلعا

وعن الطيب بن إسماعيل قال شهدت ابن أبي العتاهية وقد كتب عن اليزيدي قريباً من ألف جلد عن أبي عمرو بن العلاء خاصة قال ويكون ذلك عشرة آلاف ورقة.

قال الأصمعي كنت إذا سمعت أبا عمرو بن العلاء يتكلم ظننته لا يعرف شيئاً كان يتكلم كلاما سهلا قال اليزيدي سمعت أبا عمرو يقول سمع سعيد بن جبير قراءتي فقال الزم قراءتك هذه.

قال الأصمعي كان لأبي عمرو كل يوم يشتري كوز وريحان بفلسين فإذا أمسى تصدق بالكوز وقال للجارية جففي الريحان ودقية في الأشنان.

قال أبو عبيد حدثني عدة أن أبا عمرو قرأ على مجاهد وزاد بعضهم وعلى سعيد بن جبير وروينا أن أبا عمرو وأباه هربا من الحجاج ومن عسفه.

وحديثه قليل ذكر غير واحد إن وفاته كانت في سنة أربع وخمسين ومئة.

قال الأصمعي عاش أبو عمرو ستا وثمانين سنة وقال خليفة بن خياط وحده مات أبو عمرو وأبو سفيان ابنا العلاء سنة سبع وخمسين ومئة.

وجاء في “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

” أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين التميمي المازني البصري. ورأيت بخطي في مسوداتي: هو أبو عمرو بن العلاء بن عمار ابن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن جلهم بن خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، ويقال: جلهم بن حجر بن خزاعي، واسمه العريان؛ أحد القراء السبعة، كان أعلم الناس بالقرآن الكريم والعربية والشعر، وهو في النحو في الطبقة الرابعة من علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. قال الأصمعي: قال أبو عمرو بن العلاء: لقد علمت من النحو ما لم يعلمه الأعمش وما لو كتب لما استطاع أن يحمله. وقال أيضاً: سألت أبا عمرو عن ألف مسألة، فأجابني فيها بألف حجة.

وكان أبو عمرو رأساً في حياة الحسن البصري مقدما في عصره. وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم الناس بالأدب والعربية والقرآن والشعر.

وكانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرأ- أي تنسك – فأخرجها كلها، فلما رجع إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه، وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية. قال الأصمعي: جلست إلى أبي عمرو بن العلاء عشر حجج، فلم أسمعه يحتج ببيت إسلامي، قال: وفي أبي عمرو بن العلاء يقول الفرزدق:

مازلت أغلق أبواباً وأفتحهـا

حتى أتيت أبا عمرو بن عمار

والصحيح أن كنيته اسمه، وقيل اسمه زبان، وقيل غير ذلك، وليس بصحيح، وهو من خزاعي بن مازن، وحكي في نسبه في بعض الروايات أنه أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن جلهم بن خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، ويقال: جلهم بن حجر بن خزاعي، والله أعلم.

وحكى أبو عمرو قال: طلب الحجاج بن يوسف الثقفي أبي، فخرج منه هارباً إلى اليمن، فإنا لنسير بصحراء باليمن إذ لحقنا لاحق ينشد:

ربما تكره النفوس من الام

ر له فرجة كحل العقال

قال: فقال أبي: مالخبر؟ قال: مات الحجاج، قال أبو عمرو: فأنا بقوله ” له فرجة ” أشد سروراً مني بموت الحجاج، قال، فقال أبي: اصرف ركابنا إلى البصرة. قال أبو عبيدة، قلت لأبي عمرو: كم سنك يوم يومئذ؟ قال: كنت قد خنقت بضعاً وعشرين سنة.

يقال فرجة بالفتح بين الأمرين وبالضم بين الجبلين.

وذكر في كتاب ” طبقات النحاة ” قال: حدث الأصمعي عن أبي عمرو ابن العلاء في قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم ” في الجنين غرة عبد أو أمة ” لولا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أراد بالغرة معنى لقال: ” في الجنين عبد أو أمة ” ولكنه عنى البياض، ولا يقبل في الدية إلا غلام أبيض أو جارية بيضاء، لا يقبل فيها أسود ولا سوداء،وهذا غريب، ولا أعلم أهل يوافق مذهب أحد من الأئمة المجتهدين أم لا، ولغرابته نقلته. وذكر في هذا الكتاب أيضاً قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قولهم ” أرهبته ورهبته ” فقال: ليستا بسواء، فقلت: رهبته فرقته، وأرهبته أدخلت الفرق في قلبه، قال أبو عمرو: ذهب من يعرف هذا منذ ثلاثين سنة.

وقال ابن مناذر: سألت أبا عمرو بن العلاء: حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟ قال: ما دامت الحياة تحسن به. وقال أبو عمرو: حدثنا قتادة السدوسي قال: لما كتب المصحف عرض على عثمان بن عفان، رضي الله عنه، فقال: إن فيه لحناً ولتقيمنه العرب بألسنتها.

وكان أبو عمرو إذا دخل شهر رمضان لم ينشد بيت شعر حتى ينقضي. وكان له في كل يوم فلسان يشتري بأحدهما كوزاً جديداً يشرب فيه يومه ثم يتركه لأهله، ويشتري بالأخر ريحاناً فيشمه يومه فإذا أمسى قال لجاريته: جففيه ودقيه في الأشنان. وروى بن يونس بن حبيب النحوي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: ما زدت في شعر العرب قط إلا بيتاً واحداً، وهو:

وأنكرتني وما كان الذي نكـرت

من الحوادث إلا الشيب والصلعا

وهذا البيت يوجد في جملة أبيات للأعشى، وهي أبيات مشهورة. وقال أبو عبيدة: دخل أبو عمرو بن العلاء على سليمان بن علي، وهو عم السفاح، فسأله عن شيء فصدقه، فلم يعجبه ما قاله، فوجد أبو عمرو في نفسه وخرج، وهو يقول:

 أنفت من الذل عند الملوك

 وأن أكرموني وإن قربوا

إذا ما صدقتهم خفتـهـم

 ويرضون مني بأن يكذبوا

وحكى علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال: سمعت أبي يقول لأبي عمرو بن العلاء: خبرني عما وضعت مما سميته عربيةً، يدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا، فقلت: فكيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهو حجة؟ قال: أعمل على الأكثر، واسمي ما خالفني لغات. وأخبار أبي عمرو كثيرة.

وكانت ولادته سنة سبعين، وقيل ثمان وستين، وقيل خمس وستين للهجرة بمكة. وتوفي سنة أربع وخمسين، وقيل تسع وخمسين، وقيل ست وخمسين ومائة بالكوفة، وكان قد خرج إلى الشام يجتدي عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام والي دمشق، فلما عاد إلى الكوفة توفي بها، وقال ابن قتيبة: مات في طريق الشام، ونسبوه في ذلك إلى الغلط، فقد ذكر بعض الرواة أنه رأى قبر أبي عمرو بالكوفة مكتوباً عليه ” هذا قبر أبي عمرو بن العلاء “.

ولما حضرته الوفاة كان يغشى عليه ويفيق، فأفاق من غشية له، فإذا ابنه بشر يبكي، فقال: ما يبكيك وقد أتت علي أربع وثمانون سنة؟ رحمه الله تعالى.

ورثاه عبد الله بن المقفع بقوله:

 رزئنا أبا عمرو ولا حي مثـلـه

 فلله ريب الحادثات بمن فجـع

فإن تك قد فارقتنا وتـركـتـنـا

ذوي خلة ما في انسداد لها طمع

فقد جر نفعاً فقدنـا لـك أنـنـا

أمنا على كل الرزايا من الجزع

وقد قيل: إنما رثي بها يحيى بن زياد بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي الكوفي الشاعر المشهور، وهو ابن خال السفاح أول خلفاء بني العباس، رضي الله عنه؛ وقيل بل رثي بها عبد الكريم بن أبي العوجاء، والأول أشهر، والله أعلم؛ وقيل أن هذه الأبيات لمحمد بن عبد الله بن المقفع، والله أعلم.

وأقول: إن هذه المرثية إن كانت في أبي عمرو المذكور فما يمكن أن تكون لعبد الله لأنه مات قبل موت أبي عمرو، وإن كانت لمحمد فيمكن ذلك، ولكنها مشهورة في أبي عمر المذكور.

وإنما أتيت بأبي عمرو في هذا الحرف، وهذه كنية لا اسم، للعذر الذي تقدم في حرف الباء في ترجمة أبي بكر بن عبد الرحمن، فلينظر هناك.

وأما عبد الوهاب المذكور فهو ابن إبراهيم المعروف بالإمام المذكور في ترجمة أبيه محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، رضي الله عنه، وكان عبد الوهاب يتولى الشام من جهة عمه المنصور، وكان المنصور يخافه فلما حضرت المنصور الوفاة وهو بباب مكة عند بئر ميمون كما هو مشهور قال لحاجبه الربيع ابن يونس المقدم ذكره: ما أخاف إلى صاحب الشام عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم اكفني عبد الوهاب، قال الربيع: فلما مات المنصور ودليته في القبر وعرضت عليه الحجارة سمعت هاتفاً يهتف من القبر: مات عبد الوهاب، وأجيبت الدعوة، قال الربيع فهالني ذلك الصوت، وجيء بالخبر بعد سادسة أو سابعة بوفاة عبد الوهاب، هكذا ذكره ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون التي أولها:

 الدهر يفجع بعد العين بالأثر

بعد قوله فيها:

 وروعت كل مأمون ومؤتمـن

 وأسلمت كل منصور ومنتصر

والله أعلم.