أبو زكريا الفراء

أبو زكريا الفراء
144 هـ – 207 هـ

الإمام أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور بن مروان الأسلمي الديلمي ‏الكوفي، مولى بني أسد، المعروف بالفراء، وهو لقبه “لأنه كان يفري الكلام”، أي يصلحه. ولد الفراء في الكوفة سنة 144 هجري كما حققه الدكتور أحمد الأنصاري ثم انتقل إلى بغداد وجعل أكثر مقامه فيها.

كان الفراء نحوياً كوفياً وكان أشهر الكوفيين وأكثرهم اطلاعاً على علوم النحو واللغة وفنون الأدب. وكان في منهجه مكثراً من الرواية مهتماً بالنقل وكان يقف على دقائق اللغة والاختلافات الصوتية.

ولد الإمام في الكوفة ثم انتقل إلى بغداد وأثرت البيئة الكوفية في نشأته وفكره لما اتسمت به من شيوع التصوف الإشراقي، فكان لذلك أثر في نشأة الإمام. فكان ورعاً متديناً براً بأهله وقومه. “ثم لما علا نجمه وولج معترك المنافسة النحوية وغدا إماماً ورئيس نحاة برز فيه شيء من التيه والتعظم”. وكان الفراء شديد الطلب للمعاش لا يستريح في بيته وكان يجمع طول السنة فإذا كان في آخرها خرج إلى الكوفة فأقام بها أربعين يوماً في أهله يفرق عليهم ما جمعه ويبرهم. نشأ الإمام الفراء في بيئة الصراع بين المعتزلة وأهل السنة مما مكنه من التعرف على الأعراف الكلامية السائدة “فظهرت هذه النزعة في تآليفه وكان يتفلسف في تصانيفه ويستعمل فيها ألفاظ الفلاسفة”.

وقد أخذ العلم عن أئمة عظام أهمهم أبو الحسن الكسائي و يونس بن حبيب, كما روى عن قيس بن الربيع ومندل بن علي وكان يتصل بالأعراب ويأخذ ممن يثق به. وكان الفراء أحفظ الناس لنوادر الكسائي.

“كان للإمام الفراء تأثير كبير في البيئة الفكرية التي عاش فيها وأثر بصورة جلية في كثير من البيئات التي نهلت من علمه وأساليبه مما جعله يحتل مركزاً سامياً ومنزلة جليلة في نفوس العلماء والأئمة حدتهم على مدحه والثناء عليه حتى بعد صيته وغدا بحق إمام عصره ونسيج وحده”. ويحكى عن ثعلب أنه قال: (لولا الفراء لما كانت عربية). “لأن الفراء خلصها وضبطها”. وقد اشتهر الفراء بلقب أمير المؤمنين في النحو لعظم مكانته بين العلماء. وقد قال أبو بكر الأنباري: “لو لم يكن لأهل بغداد والكوفة من علماء العربية إلا الكسائي والفراء لكان لهم بهما الافتخار على جميع الناس”.

عاش الفراء في عصر اشتهرت فيه الخصومات بين المعتزلة وأهل السنة ومن الطبيعي أن يكون لعالم مثل الفراء موقفاً من هذا الجدال المحتدم بناء على رأي علمي وعقلي ناضج, وقد ذكر بعض من ترجم للفراء أنه كان معتزلياً أو له ميل إلى الاعتزال. ولكن المحققين ذكروا أنه لم يكن له عمق في مذاهب المتكلمين وذكر ذلك الجاحظ, وأكد ذلك الإمام ابن خلكان حيث قال: “وكان الفراء لا يميل إلى الاعتزال”. وقد خلص الدكتور أحمد مكي الأنصاري إلى أن الفراء كان أشعري العقيدة وقد امتدحه العلماء قائلين “كان الفراء من أهل السنة ومذاهبه في التفسير حسنة”.

أهم مؤلفاته:

كتاب الحدود

كتاب المعاني

المصادر في القرآن

كتاب الوقف والابتداء

كتاب الجمع والتثنية في القرآن

آلة الكاتب

كتاب المفاخر

ورد في كتاب “وفيات الأعيان” لابن خلكان:

” بو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي، المعروف بالفراء، الديلمي الكوفي مولى بن أسد، وقيل مولى بني منقر، كان أبرع الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب؛ حكي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: لولا الفراء لما كانت عربية، لأنه خلصها وضبطها، ولولا الفراء لسقطت العربية لأنها كانت تتنازع ويدعيها كل من أراد ويتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب.

وأخذ النحو عن أبي الحسن الكسائي، وهو الأحمر – المقدم ذكره – من أشهر أصحابه وأخصهم به.

ولما عزم الفراء على الاتصال بالمأمون، كان يتردد إلى الباب، فبينما هو ذات يوم على الباب إذ جاء أبو بشر ثمامة بن الأشرس النميري المعتزلي، وكان خصيصاً بالمأمون، قال ثمامة: فرأيت أبهة أديب، فجلست إليه، ففاتشته عن اللغة فوجدته بحراً وفاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده وعن الفقه فوجدته رجلاً فقيهاً عارفاً باختلاف القوم، وبالنجوم ماهراً، وبالطب خبيراً، وبأيام العرب أشعارها حاذقاً، فقلت له: من تكون؟ وما أظنك إلا الفراء، فقال أنا هو، فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون، فأمر بإحضاره لوقته، وكان سبب اتصاله به.

وقال قطرب: دخل الفراء على الرشيد فتكلم بكلام لحن فيه مرات، فقال جعفر بن يحيى البرمكي: إنه قد لحن يا أمير المؤمنين، فقال الرشيد للفراء: أتلحن؟ فقال الفراء: يا أمير المؤمنين إن طباع أهل البدو الإعراب، وطباع أهل الحضر اللحن، فإذا تحفظت لم ألحن، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت، فاستحسن الرشيد قوله.

وقال الخطيب في ” تاريخ بغداد “: إن الفراء لما اتصل بالمأمون أمره أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العربية، وأمر أن يفرد في حجرة من حجر الدار، ووكل به جواري وخدماً يقمن بما يحتاج إليه، حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوف نفسه إلى شيء، حتى إنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلوات، وصير له الوراقين، وألزمه الأمناء والمنفقين، فكان يملي والوراقون يكتبون، حتى صنف ” الحدود ” في سنتين وأمر المأمون بكتبه في الخزائن، فبعد أن فرغ من ذلك إلى الناس، وابتدأ بكتاب ” المعاني ” قال الراوي: وأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب ” المعاني “، فلم نضبطهم، فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضياً، فلم يزل يمليه حتى أتمه. ولما فرغ من كتاب ” المعاني ” خزنه الوراقون عن الناس ليكسبوا به وقالوا: لا نخرجه إلا لمن أراد أن ننسخه له على خمس أوراق بدرهم، فشكا الناس إلى الفراء، فدعا الوراقين فقال لهم في ذلك، فقالوا: إنما صحبناك لننتفع بك، وكل ما صنفته فليس بالناس إليه من الحاجة ما بهم إلى هذا الكتاب، فدعنا نعيش به فقال: قاربوهم تنتفعوا وتنفعوا، فأبوا عليه فقال: سأريكم، وقال للناس: إنني ممل كتاب معانٍ أتم شرحاً وأبسط قولاً من الذي أمليت، فجلس يملي، فأملى الحمد في مائة ورقة، فجاء الوراقون إليه وقالوا: نحن نبلغ الناس ما يحبون، فنسخوا كل عشرة أوراق بدرهم.

وكان سبب إملائه كتاب ” المعاني ” أن أحد أصحابه، وهو عمر بن بكير، كان يصحب الحسن بن سهل – المقدم ذكره – فكتب إلى الفراء إن الأمير الحسن لا يزال يسألني عن أشياء من القرآن لا يحضرني عنها جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولاً وتجعل ذلك كتاباً يرجع إليه فعلت، فلما قرأ الكتاب قال لأصحابه: اجتمعوا حتى أملي عليكم كتاباً في القرآن، وجعل لهم يوماً، فلما حضروا خرج إليهم، وكان في المسجد رجل يؤذن فيه وكان من القراء، فقال له: فقرأ فاتحة الكتاب، ففسرها، حتى مر في القرآن كله على ذلك، يقرأ الرجل والفراء يفسره. وكتابه هذا نحو ألف ورقة، وهو كتاب لم يعمل مثله، ولا يمكن أحداً أن يزيد عليه.

وكان المأمون قد وكل الفراء يلقن ابنيه النحو، فلما كان يوماً أراد الفراء أن ينهض إلى بعض حوائجه، فابتدرا إلى نعل الفراء يقدمانه له، فتنازعا أيهما يقدمه، فاصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما فرداً فقدماها، وكان المأمون له على كل شيء صاحب خبر، فرفع ذلك الخبر إليه، فوجه إلى الفراء فاستدعاه، فلما دخل عليه قال: من أعز الناس؟ قال: ما أعرف أعز من أمير المؤمنين، قال: بلى من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى رضي كل واحد أن يقدم له فرداً، قال: يا أمير المؤمنين، لقد أردت منعهما عن ذلك، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها أو أكسر نفوسهما عن شريعةٍ حرصا عليها، فقال له المأمون: لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوماً وعتباً وألزمتك ذنباً، وما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما وبين عن جوهرهما، ولقد ظهرت لي مخيلة الفراسة بفعلهما، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيراً عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه ووالده ومعلمه العلم، وقد عوضتهما بما فعلاه عشرين ألف دينار، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما.

وقد روي عن ابن عباس أنه أمسك للحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين ركابيهما، حين خرجا من عنده، فقال له بعض من حضر: أتمسك لهذين الحدثين ركابيهما وأنت أسن منهما؟ فقال له: اسكت يا جاهل، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل.

وقال الخطيب أيضاً: كان محمد بن الحسن الفقيه ابن خالة الفراء، وكان الفراء يوماً جالساً عنده، فقال الفراء: قل رجل أنعم النظر في باب من العلم فأراد غيره إلا سهل عليه، فقال له محمد: يا أبا زكريا قد أنعمت النظر في العربية، فنسألك عن باب من الفقه؟ فقال: هات على بركة الله تعالى، قال: ما تقول في رجل صلى فسها فسجد سجدتين فسها فيهما؟ ففكر الفراء ساعة ثم قال: لا شيء عليه، فقال له محمد: ولم؟ قال: لأن التصغير عندنا لا تصغير له، وإنما السجدتان تمام الصلاة، فليس للتمام تمام، فقال محمد: ما ظننت آدمياً يلد مثلك.

وقد سبقت هذه الحكاية في ترجمة الكسائي ونبهت عليها ثم بما ذكرته هاهنا.

وكان الفراء لا يميل إلى الاعتزال؛ وحكى سلمة بن عاصم عن الفراء قال: كنت أنا وبشر المريسي – المقدم ذكره – في بيت واحد عشرين سنة، ما تعلم مني شيئاً ولا تعلمت منه شيئاً؛ وقال الجاحظ: دخلت بغداد حين قدمها المأمون في سنة أربع ومائتين، وكان الفراء يحبني، وأشتهي أن يتعلم شيئاً من علم الكلام، فلم يكن له فيه طبع.

وقال أبو العباس ثعلب: كان الفراء يجلس الناس في مسجده إلى جانب منزله، وكان يتفلسف في تصانيفه حتى يسلك في ألفاظه كلام الفلاسفة.

وقال سلمة بن عاصم: إني لأعجب من الفراء كيف كان يعظم الكسائي وهو أعلم بالنحو منه.

وقال الفراء: أموت وفي نفسي شيء من ” حتى “، لأنها تخفض وترفع وتنصب.

ولم ينقل من شعره غير هذه الأبيات وقد رواها أبو حنيفة الدينوري عن أبي بكر الطوال وهي:

يا أميراً على جريبٍ من الأر

 

ض له تسعة من الحجـاب

جالساً في الخراب يحجب فيه

 

ما سمعنا بحاجب في خراب

لن تراني لك العيون بـبـابٍ

 

ليس مثلي يطيق رد الحجاب

ثم وجدت هذه الأبيات لابن موسى المكفوف، والله أعلم بالصواب.

ومولد الفراء بالكوفة، وانتقل إلى بغداد وجعل أكثر مقامه بها، وكان شديد طلب المعاش لا يستريح في بيته، وكان يجمع طوال السنة، فإذا كان في آخرها خرج إلى الكوفة فأقام بها أربعين يوماً في أهله يفرق عليهم ما جمعه ويبرهم.

 وله من التصانيف الكتابان المقدم ذكرهما، وهما ” الحدود ” و” المعاني ” وكتابان في المشكل أحدهما أكبر من الآخر، وكتاب ” البهي ” وهو صغير الحجم ووقفت عليه بعد أن كتبت هذه الترجمة، ورأيت فيه أكثر الألفاظ التي استعملها أبو العباس في كتاب ” الفصيح ” وهو في حجم ” الفصيح ” غير أنه غيره ورتبه على صورة أخرى، وعلى الحقيقة ليس لثعلب في ” الفصيح ” سوى الترتيب وزيادة يسيرة، وفي كتاب ” البهي ” أيضاً ألفاظ ليست في الفصيح قليلة، وليس في الكتابين اختلاف إلا في شيء قليل لا غير. وله كتاب ” اللغات “، وكتاب ” المصادر في القرآن “، وكتاب ” الجمع والتثنية في القرآن “، وكتاب “الوقف والابتداء “، وكتاب ” آلة الكاتب “، وكتاب ” النوادر “، وكتاب ” الواو ” وغير ذلك من الكتب.

وقال سلمة بن عاصم: أملى الفراء كتبه كلها حفظاً، لم يأخذ بيده نسخة إلا في كتابين: كتاب ” ملازم “، وكتاب ” يافع ويفعة “، قال أبو بكر الأنباري: ومقدار الكتابين خمسون ورقة، ومقدار كتب الفراء ثلاثة آلاف ورقة.

وقد مدحه محمد بن الجهم على روي الواو الموصولة بالهاء المكسورة أضربت عن ذكرها خوف الإطالة.

وتوفي الفراء سنة سبع ومائتين في طريق مكة، وعمره ثلاث وستون سنة، رحمه الله تعالى.